مرة أخرى حول تصريحات سلام فياض لهآرتس../ هاني المصري

أثار المقال السابق الذي تناول تصريحات سلام فياض لصحيفة هآرتس بعض الاهتمام. فهناك من أيد المقال وهناك من عارضه ومن طالب بتوضيح بعض النقاط، الأمر الذي استدعى كتابة هذا المقال.

في البداية أنا مدين للدكتور سلام فياض بتوضيح لجزء مما ورد في المقال السابق. فأنا تساءلت فيه حول ما جاء في تصريحاته حول الاستعدادات لاستيعاب اللاجئين في الدولة الفلسطينية العتيدة و هل هو تكتيك أو تغيير أو مجرد زلة لسان يمكن تصحيحها بتنويه. لقد تبين لي أن فياض كان قد أوضح موقفه من قضية اللاجئين قبل كتابة مقالي السابق، وقال في ردة على أسئلة صحافية بان الإعلان عن قيام الدولة الفلسطينية هو من صلاحية و اختصاص منظمة التحرير الفلسطينية، و بالتعاون مع المجتمع الدولي.

وأضاف: أن البنية التحتية للدولة التي يجري الإعداد لها ستكون قادرة على استيعاب من يرغب من أبناء الشعب الفلسطيني، بما في ذلك اللاجئون للعيش والإقامة في هذه الدولة، وأن الموقف من قضية اللاجئين هو ما حددته منظمة التحرير الفلسطينية، و يأتي في إطار برنامجها القاضي بحل هذه القضية وفقا للقرار 194، و كما أكدت عليه المبادرة العربية للسلام.

إن التوضيح أعاد التأكيد على الموقف الفلسطيني من قضية اللاجئين التي هي أساس القضية الفلسطينية، ومن حق عودة اللاجئين إلى ديارهم وممتلكاتهم الذي هو جوهر قضية اللاجئين.

يبقى بعد ذلك سؤالا يتعلق بخطأ عدم إرسال تنويه لصحيفة هآرتس، ما دامت لم تنشر بدقة ما ورد على لسان رئيس الحكومة، و ما دام هناك أحاديث عن أخطاء في الترجمة من الانجليزية للعبرية و من العبرية للعربية.

لماذا لم يتطرق البيان الصادر عن جلسة الحكومة اثر المقابلة المذكورة إلى موقف الحكومة وتمسكه بحق العودة إلى ديار و ممتلكات اللاجئين وفقا للقرار 194، واكتفى بالحديث عن حق العودة، الأمر الذي يساء تفسيره لأن العودة بدون تحديد يمكن أن تكون إلى الدولة الفلسطينية.

ما يدفعني إلى إثارة هذا الأمر هو أن القادة العرب عودونا على أنهم يتحدثون بالانجليزية وعندما يخاطبون إسرائيل والغرب بموقف مختلف عن الموقف الذي يورد على ألسنتهم بالعربية.

إن أصول و قواعد النشر تلزم أية وسيلة إعلام بان تصدر توضيحا في نفس المكان والحجم الذي ورد فيه خبرا أو رأيا منقولا عن شخصيه عامه بصورة غير دقيقه.

إن عدم صدور التنويه أعطى المجال للتأويلات والتفسيرات. وهذا درس يمكن الأخذ به في المرات القادمة.

إن انتقاد آراء أو ممارسات فياض، أو خطة الحكومة أو غيره من القادة والمؤسسات الفلسطينية لا يجب أن يفسر تفسيرا خاطئا بأنه للمناكفة وتعطيل الانجازات، بل هو تجسيد للتعددية ولحق التعبير عن الرأي. فمن حق المعارضة والأقلية التعبير عن رأيها حول أية مسألة، فكيف عندما يكون الأمر يتعلق بالحقوق الأساسية، وبالنسبة لأمر يمثل رأي الأغلبية الساحقة وجوهر البرنامج الوطني الفلسطيني.

لكن الحق بالاختلاف و الانتقاد لا يعطي لأحد الحق بالتخوين و التكفير واعتبار أن خطة الحكومة جزء من مؤامرة أو نوعا من تبادل الأدوار أو استجابة لطلبات خارجية إسرائيلية أو أمريكية أو أوروبية.

فخطة فياض اجتهاد يمكن أن يصيب أو يخطأ، و هي تمثل المشروع "العملي "الوحيد المطروح حاليا و بالتالي يجب أن تخضع للتقييم و الدراسة و المراجعة والتعديل و التغيير، قبل أن يقع الفاس بالرأس.

فالمنظمة حتى الآن، رغم أن الدولة ( وليس مجرد الإعلان عنها ) من اختصاصها لم تنبس ببنت شفه حول موقفها من خطة الحكومة، وهل هي معها أو ضدها أو بين بين و هذا أمر غير معقول أو مقبول. لقد استمعنا إلى آراء متعددة ومختلفة حول هذا الأمر من الرئيس وأعضاء اللجنة التنفيذية إلا أننا لم نر ولم نسمع حتى الآن موقف المنظمة الرسمي. إن هذا الغياب تتحمل مسؤولياته اللجنة التنفيذية للمنظمة.

طبعا هذا الغياب لا يعطي لأحد الحق بأخذ اختصاص المنظمة، و لكن الطبيعة تكره الفراغ ومن يتحرك يمكن أن يملئ هذا الفراغ، ومن لا يتحرك يندب حظه أو ينتظر النتيجة ليقرر ماذا يفعل. فإذا نجحت الخطة يركب سفينتها وإذا فشلت يكون من الدباحيين !!


لا أعتقد أن المقصود بخطة فياض التمويه على الاحتلال و تحميل الفلسطينيين المسؤولية عن الاحتلال أو جزء أساسي من المسؤولية، أو القبول بدولة الأمر الواقع، دولة البقايا وإنما هي عمليا و دون قصد تسير بهذا الاتجاه. فهي من حيث النية محاولة لإنهاء الاحتلال وإقامة الدولة، من خلال اعتماد استراتيجية المفاوضات و الرهان على العامل الدولي و بناء المؤسسات وإثبات الجدارة، كخط أساسي، واعتماد المقاومة الشعبية و مقاطعة الاستيطان كخط ثانوي. أن هذه الاستراتيجية تضع العربة أمام الحصان.

فإنهاء الاحتلال من خلال الصمود والوحدة والمقاومة هو المهمة المركزية التي يجب أن تكون الأساس (الحصان).أما بناء المؤسسات و التحرك السياسي فهي العربة. و بدون تصحيح خطة الحكومة بشكل جذري، وعلى الأساس المذكور، يمكن أن تنتهي إلى إقامة دولة تحت الاحتلال. مثل هذه الدولة إذا قامت لن تكون دولة بأي حال من الأحوال، وإنما دولة ذات حدود مؤقتة وبلا سيادة. قد تكون بنسخة مطورة عن الصيغة الأولى المطروحة حولها، أي ستقوم على أكثر من 60 %، و يمكن أن تصل مساحتها إلى 70 %، 80 % أو أكثر قليلا. إلا أنها ستكون دولة البقايا. دولة ستقوم بدون القدس وعلى أساس القفز عن قضية اللاجئين.

يمكن أن يقول قائل، إذا اكتشفنا أن الخطة ستقود إلى هذا المصير البائس، يمكن أن نرفض، ونكون قد أقمنا حقائق على الأرض وبنينا مؤسسات وحصلنا على تأييد العالم وحشرنا إسرائيل بالزاوية. و يمكن بعد ذلك أن نغير قواعد اللعبة بحيث نعود غالى خيار الصمود و الوحدة و المقاومة وإعادة الصراع إلى طبيعته الأصلية، بوصفه صراعا بين الاحتلال والأرض والشعب تحت الاحتلال.

ينسى من يقول هذا القول أن طرح خطة الحكومة بهذا الشكل و التوقيت وفي ظل الانقسام الفلسطيني وفي ظل تلقف أوساط أمريكية وأوروبية ودولية وعربية وإسرائيلية لهذه الخطة من اجل ملء الفراغ الناجم عن وصول المفاوضات إلى طريق مسدود، و جعلها تتلاقى مع خطة الحكومة الإسرائيلية حول السلام الاقتصادي والأمن، كبديل عن المفاوضات وعن الحل المتفاوض عليه، ما يساهم مساهمة كبيرة وخطيرة في إعفاء المجتمع الدولي من مسؤوليته عن حل القضية الفلسطينية حلا عادلا أو متوازنا. كما أن ضياع الوقت خطر لأنه يمكن أن تستغله إسرائيل أسوء استغلال لفرض أمر واقع إسرائيلي، يقطع الطريق على الخيارات البدائل الأخرى ويؤدي إلى الإمعان في تقسيم الشعب الفلسطيني.

لا يمكن إنكار أن هنالك انجازات كبيره تتحقق من خلال خطة الحكومة على صعيد المبادرة وخلق الحقائق على الأرض وفي مجالات الأمن الداخلي والاقتصاد والادارة وبناء المؤسسات، إلا أن ثمن هذه الانجازات هائل. فهي انجازات تتحقق في ظل شرعية ناقصة بسبب عدم حصول الحكومة على الثقة من المجلس التشريعي، وعقيدة مؤسساتها الوطنية خصوصا الأمنية في ظل التدخلات الخارجية في الحد الأدنى ملتبسة.

إن تطبيق خطة الحكومة في ظل الانقسام الفلسطيني وفي سياق الاستمرار بالتزامات السلطة في اتفاق أوسلو وخارطة الطريق التي تتضمن توفير الأمن للاحتلال الإسرائيلي ومنع أية مقاومة جدية له، يجعلها مفتوحة على احتمالات متناقضة إلى ابعد حد.

إن الخطة تتحدث عن إقامة دولة ومؤسسات دولة، لكنها لا تستطيع أن تقترب من القدس ولا من مناطق ج التي تشكل معظم مساحة الضفة، و هذا يعني أن الدولة ستقوم على ما تبقى.

يمكن أن يقول قائل، وهنالك كتاب عرب بارزون كتبوا بصراحة حول هذا الأمر، بضرورة قبول دولة الأمر الواقع، لأنها الأمر المتاح و البديل الوحيد، إلا أن هذا الرأي يقفز عن أن ما سيتم تحقيقه بهذا الطريق يصفي القضية الفلسطينية من كل جوانبها ولا يرى الفرص والإمكانيات التي ظهرت فعلا، وتلك التي نلوح بالأفق في ظل المتغيرات الدولية.

إن الرهان على قيام الولايات المتحدة الأمريكية والمجتمع الدولي بالضغط على إسرائيل للانسحاب إلى حدود 1967 ومع تعديلات حدودية طفيفة، رهان خاسر.

فالمجتمع الدولي لا يمكن أن يتحرك للضغط على إسرائيل إلى هذا الحد إذا لم يكن الوضع الفلسطيني والعربي موحدا وفاعلا ورافعا راية الخيارات الأخرى. أما الاستمرار بالسير وراء خيار المفاوضات الثنائية إلى الأبد، فهو لا يجعل المجتمع الدولي ولا الولايات المتحدة الأمريكية في موقع المضطر، لممارسة الضغوط.

إن التغير في سياسة الولايات المتحدة الأمريكية، لا يزال محدودا وفي بدايته، و محل صراع كبير داخل الإدارة الأمريكية وبين المؤسسات المؤثرة على القرار الأمريكي، وبالتالي فهو قابلا للارتداد عنه أو لأن يبقى سقفه تجميد الاستيطان أو يصل في أقصى الحالات إلى اعتماد ما توصلت إليه المفاوضات السابقة، وهو لا يلبي الحد الأدنى من الحقوق والمصالح والأهداف الفلسطينية، لا في ما يتعلق في القدس ولا اللاجئين ولا بالنسبة لمقومات وحدود وسيادة الدولة، ولا في ما يتعلق في الأمن والمياه و ضرورة إزالة الاستيطان.

إن إقامة الدولة مهمة كفاحية طويلة وشاقه تتطلب تغيير موازين القوة من خلال توحيد الجهود والقوى الفلسطينية لمقاومة الاحتلال وجعله مكلفا لإسرائيل. بعد ذلك يمكن للمجتمع الدولي، وللولايات المتحدة الأمريكية أن تضغط ضغطا كافيا على إسرائيل. أما استمرار الوضع الحالي والتركيز الأساسي على بناء المؤسسات وإثبات الجدارة، فلا يمكن أن يقود إلى الدولة التي حلمنا بها وناضلنا من أجلها، وإنما إلى دولة الأمر الواقع..... دولة البقايا!!