تعديل حكومي أم خطة إنقاذ وطني؟؟../ هاني المصري

يدور الحديث ويتصاعد هذه الأيام حول قرب إجراء تعديل على الحكومة، وإذا تم التعديل تكون الحكومة قد تحولت من حكومة تسيير أعمال مقلصة إلى حكومة تسيير أعمال موسعة ثم إلى حكومة عادية في ظل الانقسام وبدون الحصول على الثقة من المجلس التشريعي الذي بدونها لا يمكن أن تكتمل شرعيتها.

فالحكومة أقرت خطة سياسية طموحة للغاية، وموازنات كبيرة بدون مراقبة ولا محاسبة وبدون مصادقة حتى من المنظمة التي تعتبر المرجعية العليا والممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني.

تباينت الأنباء حول حجم التعديل وأسبابه، فهناك من يقول إن الحكومة ضعيفة ولم تتحول إلى مؤسسة وعمل جماعي، ولم تتحول الوزارات في عهدها إلى مؤسسات وإنما تعمل في أحيان عديدة عبر تشكيل هيئات موازية أو فوق الوزارات أو بالاستعانة بهيئات واستشارات خارجية أو من القطاع الخاص.

ويقال إن الحكومة بالإجمال هي حكومة رجل واحد هو سلام فياض، وإن بضعة وزراء آخرين يعملون بشكل جيد والباقي هناك ملاحظات كثيرة على عملهم، بل إن هناك مصادر تقول إن هناك ملفات فساد طالت بعض الوزراء، وادعاءات أخرى حول محاربة وتحجيم حركة فتح من بعض الوزراء.

هناك من يروج ويرغب أن يكون التعديل واسعاً وما يشبه التغيير الشامل، بينما قال رئيس الحكومة في برنامج "حكي على المكشوف" إن التعديل سيكون محدوداً ولن يمس طبيعة الحكومة الأساسية .

مصادر حركة فتح تتحدث عن تعديل هام يستهدف تشكيل حكومة سياسية قوية من خلال إضافة 3،4 من أعضاء اللجنة المركزية لحركة فتح لتطوير مشاركة "فتح" وجعل الحكومة حكومة "فتح" يرأسها سلام فياض، وليست حكومة سلام فياض تشارك بها "فتح".

إن برنامج وخطة الحكومة وفعاليتها مفترض أن تكون هي الأمر الأساسي، وليس مجرد مشاركة أو عدم مشاركة "فتح" فيها .

بدون شك أن التعديل تأخر كثيراً لأن المطالبة الفتحاوية بإجرائه قديمة، وتصاعدت منذ انعقاد المؤتمر السادس لحركة فتح، ولكنه لم يحدث انتظاراً لتحقيق المصالحة الوطنية، وما سيتبعها من إجراء الانتخابات وتشكيل حكومة وحدة وطنية.

الجديد الآن أن رئيس الحكومة يريد التعديل ولا يعارض مشاركة "فتح" بأوزان ثقيلة، وأن الرئيس أبدى استعداده لاعتماد التعديل خصوصاً وان المصالحة مجمدة حتى إشعار آخر .

إن الحكومة أصبحت محتاجة لمشاركة اكبر من حركة فتح، لأن عدم مشاركتها في حكومة فياض الأولى، ومشاركتها الملتبسة في حكومته الثانية، سببت الكثير من المشاكل والأزمات ما بين الحكومة وحركة فتح. فـ "فتح" هي التي تمنح "الشرعية" للحكومة خصوصاً في ظل الانقسام وغياب المجلس التشريعي لأنها صاحبة الكتلة الثانية في المجلس التشريعي وهي التي تقود المنظمة .

كما أن الحكومة الآن بعد أن حققت انجازات عديدة في الأمن والاقتصاد حصلت على دعم دولي غير مسبوق.

رغم كل ما تقدم فان التعديل، يمكن أن يحدث ويمكن أن يتأخر أو لا يتم، لأن النقاش سيدور على حجم التعديل ومن سيخرج من الحكومة ومن سيضاف إليها، وما هو حجم مشاركة حركة فتح وما هي الحقائب التي ستحظى بها.
فالتنافس على دخول اللجنة الوزارية سيصل إلى الذروة خصوصاً أن قيادات حركة فتح تذوقت مرارة الخروج من الحكومة لفترة ستصل بعد اقل من شهرين إلى ثلاثة أعوام كاملة .

إن الأمر الحاسم هو هل سيحل التعديل الحكومي الحاجات الوطنية أم سيحل مسألة العلاقة المتوترة بين الحكومة وحركة فتح؟
إذا كانت المسألة الأخيرة هي المطلوبة فان دخول 3ــ4 من أعضاء اللجنة المركزية وإجراء تعديل يشمل عدداً من الحقائب الرئيسية، سيحل المشكلة.

لكن المعضلة الأساسية تبقى، إذا حصل التعديل أو لم يحصل، في أن الأطراف الفلسطينية مشغولة بالتنافس بين السلطتين المتنازعتين، وبتثبيت التهدئة هنا وهناك، وبالتعديلات الحكومية بينما الاحتلال يتعمق، ويتوسع الاستيطان ويتم استكمال الجدار ويستمر الحصار الخانق على غزة، واستكمال تهويد وأسرلة القدس في ظل غياب مسار سياسي جدي قادر على إنهاء الاحتلال.

إن عدم وجود مسار سياسي جدي، واستمرار وقف المفاوضات، وفي ظل المعطيات المؤكدة أن استئنافها لن يَضمن بأن تكون مفاوضات جادة قادرة على إنهاء الاحتلال يستوجب أن ينشغل الفلسطينيون في البحث عن خطة إنقاذ وطني وليس عن تعديل أو تغيير الحكومة .

في هذا السياق وقبل الحديث عن التعديل الوزاري أو غيره يجب البحث في المسار السياسي وأين يتجه، وما العمل في ظل استمرار التعنت الإسرائيلي ورفض حكومة نتنياهو حتى مجرد وقف الاستيطان أو الموافقة على مرجعية واضحة وملزمة لعملية السلام، فكيف ستقبل هي أو أية حكومة إسرائيلية بعدها بالانسحاب من القدس والى حدود 1967، وإزالة الاستيطان، وهدم الجدار وحل مشكلة اللاجئين وإقامة دولة مستقلة.

إن الأسئلة التي تطرح نفسها هي:
هل سيتم استئناف المفاوضات استجابة للنصيحة الأميركية الأخيرة في ظل المتاح على أمل أن تأتي المفاوضات بما لم نحصل عليه في غيابها؟
وإذا حصل ذلك ما تأثيره على مصداقية السلطة والقيادة والمنظمة وألا يعتبر ذلك انتحاراًً سياسياً مؤكداً لن ينفع للتخفيف من آثاره بناء المؤسسات والرهان على المجتمع الدولي. فالمسألة أساساً سياسية وليست فنية، وان ما يجري بدون مسار سياسي جدي سيكون في النهاية ملهاة ومضيعة للوقت لأن إسرائيل لن ترضخ للمجتمع الدولي إلا عندما يشن الشعب الفلسطيني كفاحاً جاداً وشاملاً يجعل الاحتلال مكلفاً وليس مربحاً كما هو الآن.

أو هل ستبقى القيادة واقفة في منتصف الطريق بلا مفاوضات جادة ولا مقاومة شاملة، وبدون اعتماد استراتيجية جديدة، وهذا لن يساعد كثيراً وغير قابل للاستمرار طويلا. فإما العودة إلى المفاوضات بالشروط الإسرائيلية بحيث تكون مفاوضات من اجل المفاوضات وتستخدمها إسرائيل للتغطية على تعميق الاحتلال أو ستختار الكفاح لتغيير موازين القوى حتى تقبل إسرائيل بالحقوق الفلسطينية.

إن الفلسطينيين بحاجة إلى بلورة استراتيجية جديدة للإنقاذ الوطني وليسوا بحاجة إلى مجرد تعديل حكومي يمكن لوحده أن يكرس الانقسام وحالة الجمود والانتظارية القاتلة.

إن الرافعة الكبرى للإستراتيجية الجديدة هي إعطاء الأولوية الحاسمة لإنهاء الانقسام واستعادة الوحدة ضمن رؤية تسعى لإعادة الاعتبار للبرنامج الوطني والمقاومة المثمرة بجميع أشكالها، والى المفاوضات المثمرة وإعادة تشكيل منظمة التحرير بحيث تضم الجميع، وإعادة السلطة إلى مكانها الطبيعي كأداة من أدوات المنظمة ومرحلة على طريق إقامة الدولة الفلسطينية.

وتبقى نقطة أخيرة لا بد من حسمها قبل المشاركة بالحكومة وهي ما موقف حركة فتح وفصائل المنظمة التي تشارك بالحكومة وما هو موقف المنظمة نفسها من خطة سلام فياض .
لا يعقل أن تشارك "فتح" وان تشارك فصائل أخرى بالحكومة، مثلما حصل سابقاً، وهي تعارض أو تتحفظ على خطة سلام فياض. فهذا يجعل لدينا حالة غريبة عجيبة. فالحكومة هي حكومة الرئيس ومفترض أنها أداة من أدوات المنظمة، والرئيس الذي يدعم الحكومة ويعلن ذلك صباح مساء، لم ينبس ببنت شفة بكلمة حول خطة الحكومة. والمنظمة حتى الآن لم تناقش خطة الحكومة ولم تقبلها أو تعدلها أو ترفضها، بل اكتفى أعضاء القيادة الفلسطينية بترديد الكثير من الملاحظات عليها علناً وأكثر منها سراً.

إن المطلوب استراتيجية جديدة شاملة، يمكن أن يكون من أدواتها تشكيل حكومة سياسية مهنية، تكون حكومة إنقاذ وطني، يمكن أن تكون في البداية من منظمة التحرير، على أن يكون الانقسام واستعادة الوحدة أهم نقطة في برنامجها . وحتى يتحقق ذلك يجب تغليب المصلحة الوطنية على المصالح الفردية و الفئوية والفصائلية.

إن تحقيق ما سبق يتطلب التخلي عن شروط اللجنة الرباعية الظالمة، فيكفي أن تكون الحكومة التي تشكل بعد إنهاء الانقسام مقبولة دولياً من خلال استنادها إلى القانون الدولي والشرعية الدولية. كما يجب أن تقوم على أساس شراكة وطنية حقيقية عادلة.

في ظل استمرار الانقسام لا يمكن أن يحقق الشعب الفلسطيني أهدافه. ولا يمكن للمفاوضات أن تنجح ولا للمقاومة أن تنتصر. فإنهاء الانقسام وتحقيق شراكة وطنية على أسس ديمقراطية هو كلمة السر ومفتاح الخلاص. هنا الوردة فلنرقص هنا!!