نكبتنا وانقسامنا!../ مصطفى إبراهيم*

لا يزال والدي يتذكر الأيام الجميلة التي عاشها في قريته برير الواقعة شرق مدينة المجدل، يتذكر فلسطين وقريته التي هُجِّرً سكانها قسرياً عنها قبل 62 عاماً، عمر نكبتنا الذي ارتكبت فيه العصابات الصهيونية المجازر بحق الفلسطينيين واستولت على أراضيهم وطردتهم منها، وأقامت عليها ما يسمى "إسرائيل".

لا تغيب عن باله تلك الأوقات السعيدة، يتذكر والده ووالدته وشقيقه وأقاربه وأصدقاءه، يتذكر بحزن وألم كيف تسللت ميليشيات الحركة الصهيونية وعصاباتها إلى قريته والقرى المحيطة بها والجرائم التي ارتكبتها، يتذكر جيدا من قتل من أقربائه وأقرانه، ويتذكر كيف كان يعود وشقيقه متسللاً إلى القرية لاستعادة ما تبقى من محصول القمح الذي كانوا خزنوه.

الفلسطينيون عندما طردوا وهجروا من أرضهم لم يتجاوز عددهم 800 ألف نسمة، فيما يبلغ تعدادهم اليوم نحو عشرة ملايين نسمة، موزعين على الضفة الغربية المحتلة وقطاع غزة وجزء منهم لا يزال صامداً على ما تبقى من أرض الأجداد، وملايين الفلسطينيين الآخرين لا يزالوا مشردين في أرجاء الدنيا.

عشرات آلاف الشهداء قدموا أرواحهم قربانا للوطن والقضية، وعشرات الآلاف من الجرحى والمعاقين ومئات آلاف المعتقلين عذبوا وسجنوا وصبروا من أجل الحرية وتحقيق المصير، آلاف المنازل هدمت ودمرت، الحال كما هو لم يتغير، وإن تغير شيء هو ضعفنا وانقسامنا، ووثوق القيادة الفلسطينية بالوعود والوهم.

يتذكر تلك الأيام ويحاول المقاربة بين حياة اللجوء وما يجري في فلسطين، ويقول الانجليز وضعف العرب والقيادة الفلسطينية هم من يتحملون مسؤولية النكبة، لم تتغير الأدوات والأساليب في مقاومة الحركة الصهيونية، والفزعة والحماسة هي السمة الغالبة لدى الفلسطينيين، والانقسام والاختلاف سمة فلسطينية قديمة، ولم يتفقوا على قيادة واحدة وإن اتفقوا فإن وحدتهم لا تدوم.

62 عاماً من النكبة والتشرد والسيطرة على مزيد من الأراضي ومصادرتها، والاستيطان يلتهم مدينة القدس، والضفة الغربية محاصرة ومقطعة الأوصال والاحتلال جاثم بوسائل وأدوات أخرى، وقطاع غزة يغرق في الظلام والحصار والفقر والانقسام.

حلول الذكرى الـ 62 لنكبة الشعب الفلسطيني، الذين هجروا وشردوا قسراً من أرضهم، في أكبر عملية تطهير عرقي في تاريخ البشرية الحديث ليصبحوا لاجئين، جاءت وموجة جديدة من اللجوء للفلسطينيين بناء على القرار الإسرائيلي الجديد القديم الذي يحمل الرقم 1650 ويهدد نحو سبعين ألف فلسطيني بالطرد من الضفة الغربية في طريقة جديدة لتعميق مآسي التشريد والتهجير الذي لا تزال ماثلة أمام الفلسطينيين.

الفلسطينيون منشغلون بهمهم وانقسامهم ومفاوضاتهم غير المباشرة وثقتهم بما يسمى بالمجتمع الدولي ممثلا بالشرعية الدولية المستمر في قتلهم وتجويعهم.

المجتمع الدولي يشارك في جريمة الحصار وهو جزء منها من خلال استمراره في جريمة الصمت على الجرائم الإسرائيلية العسكرية والاقتصادية، والفلسطينيون لا يزالوا يثقون بوعوده بالعودة للمفاوضات المباشرة وإقامة الدولة الفلسطينية خلال عامين.

الرئيس الفلسطيني محمود عباس ما يزال مؤمناً أن المجتمع الدولي يعمل معه للوصول إلى حل للقضية الفلسطينية بعد عامين، ولم يثنه سراب وهم وعد وتعهد بوش بإقامة الدولة الذي لم يتحقق، وهو لا يزال ماضيا بمباركة عربية بالمفاوضات غير المباشرة التي لن توصلنا إلا الى الوهم.

النكبة مستمرة والانقسام وصل إلى حال مقيتة أصبحت تسيطر على جميع مناحي حياتنا، وحال الانقسام يتم تعميقها وتعزيزها بشكل يومي، والأوضاع تزداد قتامة ومأساوية حصار شامل وظالم، وتفكك اجتماعي وأخلاقي وقيمي، وتحريض كل على الآخر، واعتقالات وتعذيب واجتثاث من الجذور.

إننا بحاجة ماسة للإدراك أننا شعب تحت الاحتلال ويجب مواجهة الاحتلال، وعدم تجزئة قضايانا، وعلى السلطة الفلسطينية تحمل مسؤوليتها القانونية والأخلاقية بمواجهة القرار العسكري الإسرائيلي طرد الاف الفلسطينيين من الضفة الغربية، والعمل بإستراتيجية قانونية وسياسية لمواجهة قرار التهجير الجديد، وتشكيل رأي عام فلسطيني ودولي لمواجهة القرار، وعلى مسؤولي السلطة عدم العمل كناطقين باسم دولة الاحتلال، والوثوق بالتصريحات الإسرائيلية التي تحدثت عن ان القرار يستهدف المقيمين الأجانب وليس الفلسطينيين.

إننا بحاجة ماسة إلى الاعتراف بأننا شعب منكوب ونكبته مستمرة، والمطلوب إعادة اللحمة والوحدة الوطنية للخروج من حال الانقسام.