رائحة كريهة تنبعث رغم التحفظ../ نزار السهلي*

اعتمدت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، منذ ما بعد مؤتمر مدريد للسلام، إستراتيجية ثابتة، قوامها الاحتفاظ والسيطرة على الأرض، واحتواء المواقف الفلسطينية والعربية، في لعبة الدائرة الفارغة للمفاوضات، للوصول إلى نتائج قوامها صفر بصفر، وانخفاض المطلب الفلسطيني والعربي، من مطالب بتحرير فلسطين، إلى لاهث لعودة المفاوضات، التي أصبحت الرئة التي يتنفس بها الطرف الفلسطيني، وشريان الحياة للمحتل، الذي استطاع خلال فترة المفاوضات إن يسيطر على 80 بالمائة من أرض فلسطين وأن يزرع الاستيطان، ليصل عدد المستوطنين في الضفة الغربية إلى نحو 600 ألف مستوطن يشكلون نواة دولة المستوطنين.

تقويض أي فرصة لنشوء أي كيان فلسطيني هو أحد الاستراتيجيات الإسرائيلية المتبعة مع الجانبين العربي والفلسطيني، الذي وضع إستراتيجية ثابتة أيضا من خلال المفاوضات، التي أصبحت عنوانا لاستمرار حياة السلطة الفلسطينية، وفي جزئياتها تسكن إسرائيل قابضة على كل مفصل من حياة الفلسطينيين.

الحرقة المفتعلة المصاحبة لغضب مفتعل، من"كبير المفاوضين" صائب عريقات، وهو غير صائب في توصيف قضية شعبه، عند الحديث عن حاجة الناس للطحين والكهرباء والماء والسولار، وحتى عن تصريح الدخول والخروج للرئيس عباس ولكل طاقم السلطة من الحاكم العسكري الإسرائيلي، وفي اليوم التالي، بعد لقائه ميتشل قال عريقات: إن البند الأول في المفاوضات سيكون للشق الأمني، في الحديث عن المفوضات غير المباشرة، يقول عريقات نحن نخاطب الجانب الأمريكي.

في المفاوضات غير المباشرة، يعني السيد عريقات الذي درس علم التفاوض والمفاوضات في الولايات المتحدة وفي بريطانيا، وأسهمت سنواته التفاوضية بانجازه "الحياة مفاوضات"، وحديثه عن التمسك بالثوابت الوطنية التي تختلف عن ثوابت شعبه المشرد والمعذب والمستلبة حقوقه من كيان غاصب ومحتل، وشعبه لم يستلب عقله في النضال للوصول إلى المفاوضات، واختزال القضية الوطنية الفلسطينية بأكياس الطحين والكهرباء والماء والسولار، التي تجاوزها الشعب الفلسطيني بعد نكبته منذ أكثر من ستة عقود في مخيمات اللجوء التي تدل على نكبته، إنما يتم القفز عن القضية الوطنية المتمثلة بتحرير الأرض الفلسطينية لعودة اللاجئين إلى قراهم ومدنهم التي اقتلعوا منها عبر ارتكاب المجازر والتطهير العرقي، كسياسة متأصلة في العصابات الصهيونية، التي قامت عليها "إسرائيل" إلى يومنا هذا.

يعيدنا ما تقدم إلى معضلة سبق وأن تم تناولها تكرارا، ألا وهي غموض وظيفة منظمة التحرير الفلسطينية نصا وروحا، ووضوح وظيفة السلطة الفلسطينية، بإدارتها الأمنية، للقضية الوطنية للشعب الفلسطيني المتمثلة، بتحرير فلسطين، وهو شعار لم يزل يصاحب الشق الثاني من تسمية فصائل المنظمة المنضوية تحت عباءتها وغموض وظيفتها الأساسية وأولوياتها التي تحدد شرعيتها، في قيادة العمل الوطني الفلسطيني.

فكيف لنا أن نفهم، أن بيانات الرفض لعودة المفاوضات، دون الحديث عن المخاطر التي تحيط اليوم بقضية الشعب الفلسطيني من جراء سياسات السلطة الفلسطينية، وعجز فصائلها عن التصدي لمشروع تصفية القضية الفلسطينية مقابل حفنة من الامتيازات، وانتظار تصاريح لمواجهة المحتل، وأين ومتى انتظر شعب تحت الاحتلال تصريح من محتله لمقاومته، وتصريح للتنقل بين المدن وللسفر، وتصريح للحياة ؟

إن توسيع دائرة العجز و الفساد عن القيام بمواجهة حقيقية فاعلة على الأرض أصبحت من مسؤوليات م.ت. ف الحالية والسلطة الفلسطينية، وهما باتا لا يمثلان الشعب الفلسطيني ولا قضيته الوطنية، فابن حيفا ويافا وصفد والناصرة وسمخ وطبريا وعكا إلى آخر مدينة وقرية تم اقتلاع أهلها منها لم يفوض السلطة ولا المنظمة بالتفاوض عنه، ومخيمات سوريا ولبنان والضفة والقطاع والأردن والشتات المنتشر بين القطبين، لم يستشرها "كبير المفاوضين" الذي درس علم التفاوض في الجامعات الأمريكية والبريطانية، لم يدرس قضية شعبه على نحو صائب، وهو أمر ينسحب على باقي قطاعات المنظمة والسلطة وهرمها وقاعدتها. وهو أيضا متصل بعمل الفصائل المتمسكة والممسكة بعضويتها بالمنظمة كشاهد زور على ما يجري.

والسؤال المطروح من الشارع الفلسطيني لها: هل إصدار بيانات الرفض بالتفريط بالحقوق الفلسطينية هو ما يتطلبه العمل الوطني؟ ومن جهة أخرى اليد ممدودة للدول المانحة لتقبض مرتباتها كل آخر شهر، من حكومة فياض التي عملت على تدجين هذه الفصائل ضمن البيانات الصادرة عنها، واختيار لغة مدروسة بعناية فائقة كي لا تتهم بالتحريض على العنف و"الإرهاب"، اللغة الفصائلية المتحولة لغوا وهرجا في بياناتها، لم تعد تشكل حائط صد أمام الهجمة الصهيونية، وأمام الدور الوظيفي للسلطة والمنظمة اللتين ابتعدتا عن الشعب الفلسطيني، وبالتالي فقدتا قاعدتهما الشعبية. وأنا لا اقصد إقامة المهرجانات والمسيرات الغاضبة، التي استبدلت بيافطات وبيانات تتلى من وراء الميكروفونات لتوزعها وكالات الإنباء، لتصل للشارع الفلسطيني من خلال شريط الأخبار وكفى الله المؤمنين شر القتال.

مع حال كهذه أصبحت الرائحة الكريهة، للمفاوضات، ومن يديرها، ومن يدعمها، ومن يدعو لها، تزكم العقول
والتصدي للمشروع الصهيوني ومخططاته، لا تحتاج لبيانات التحفظ و"التحفض" حتى بأغلى أنواع الـ"بامبرز"
المستورد، فإن عقولنا قادرة على تحسس رائحة المؤامرة من عقول وضعت عليها "حفاضات"، للتحفظ على ما يجري.