الدولة العبرية المتهم الدائم../ عوض عبد الفتاح

أتناول في هذه المقالة مستجدّين خطيرين استجدا في الأسابيع الأخيرة، وبالتحديد تداعياتهما على المواطنين العرب وعلى مسار الصراع ضد نظام القهر العنصري وكذلك كيفية التعاطي مع هذه التداعيات.

الأول: حملة الاعتقالات والتحقيقات الأمنية مع عدد من قادة ونشطاء العمل الوطني بين عرب الداخل.
والثاني؛ المؤامرة ضد لجنة المتابعة العليا (القيادة التمثيلية لعرب الداخل) ورئيسها.

بالنسبة للموضوع الأول: ما يلفت النظر في كل حملة اعتقالات أو فبركة ملفات ضد عرب في الداخل، سواء كانوا مواطنين عاديين أو قادة ونشطاء، هو ميل بعض ممثلي الجمهور العربي من النأي بأنفسهم عن حملة الاحتجاج ضد هذه الإعتقالات وذلك رغبة في الظهور بمظهر المعتدل أمام المؤسسة الإسرائيلية أو بمظهر العاقل أمام الجمهور العربي.

بهذا السلوك يحققون موضوعيًا هدف المؤسسة الإسرائيلية وأبواقها بإشاعة الخوف وتقسيم القيادات بين معتدل ومتطرف. والحقيقة أن حملة التحريض المرافقة لكل اعتقال، تنضح بالروح المعادية للعرب ولوجودهم.

ليس الحديث هنا من باب المزايدة، ولا هو حديث مغامر، فالأحزاب السياسية كلها حسمت أمرها منذ زمن بأن نضالها ضد نظام القهر العنصري الإسرائيلي هو سياسي وشعبي، وجارٍ في ظروف المواطنة الإسرائيلية رغم محدودية هذه المواطنة وتآكلها المستمر.

إن تضامن القوى السياسية الوطنية مع المعتقلين، لا يعني تبنيها لمضامين التهم الموجهة إليهم؛ مع أنه ثبت بالملموس فبركة الملفات الأمنية للعديد من المعتقلين وتضخيم ملفات أخرى، بل إقدام المخابرات الإسرائيلية على توريط بعض النشطاء السياسيين بتهم أمنية بهدف القضاء على دورهم السياسي. ومن هنا يأتي التضامن والإحتجاج المشروعان على هذه الإعتقالات. كما أن الهدف من التهويل والحملة التحريضية المرافقة هو إشاعة الخوف بين العرب وردعهم عن النشاط السياسي المشروع الآخذ في التطور على مستوى الجوهر وعلى مستوى الشكل.

وبناءً على ذلك هناك حاجة أكبر لأن يتصدى العرب في الداخل لنهج المؤسسة الإسرائيلية المتمثل باستعمال هذه الإعتقالات أداة لتصعيد حملات التحريض على العرب وقياداتهم وأحزابهم القومية والإسلامية، لتمرير سياسات صهيونية مرسومة سلفًا منذ عام 1948، قوامها إبقاء هذا الجزء من شعبنا ضعيفًا ومفككًا؛ إقتصاديًا وثقافيًا واجتماعيًا وسياسيًا، حتى لا يقوى على مقاومة النهب المنظم لأرضه ولموارده.. وحتى لا يكون عنصرًا فاعلاً في مجابهة الصهيونية وأيدلوجيتها العنصرية والإقتلاعية، ولا سندًا للنضال من أجل تحقيق العدالة لشعبه الفلسطيني.

يُنتظر من قادة الجمهور العربي الفلسطيني في الداخل أن يواجهوا بقوة وبدون تلعثم، هذه الحملات التحريضية وإعادة الكرة إلى ملعب الدولة العبرية؛ باعتبارها قوة قهرية وعنصرية تعمل على مدار الساعة على رسم وتنفيذ مخططاتها المعادية للمواطن العربي كما تقوم بسنّ المزيد من القوانين العنصرية السافرة التي تستهدف العرب حصرًا.

وبعض هذه القوانين جعل من التواصل مع العالم العربي جريمة وأمرًا محظورًا. الدولة العبرية تتهم القيادات بالتطرف، وتمالئ الجمهور العربي بأنه معتدل ويريد أن يعيش، والسؤال إذا كان الأمر كذلك، لماذا لا تترك هذه الدولة الفرصة لهذا المواطن البسيط أن يعيش بكرامة! لماذا تقوم جرافاتها كل أسبوع تقريبًا بهدم بيته بعد منتصف الليل! لماذا تحاصر المدن والقرى العربية بالمستوطنات وتسلب أرضهم، لماذا تقوم كل يوم بمطاردة وتهجير أهالي النقب وتهدم بيوتهم وخيامهم وتتركهم في العراء! لماذا حوّلت أكثر من نصف عرب الداخل إلى أناس يعيشون تحت خط الفقر بعد أن سلبتهم الأرض والزراعة وحرمتهم من الصناعة! هل كل هؤلاء ينتمون إلى منظمات فلسطينية وعربية محظورة في إسرائيل؟ لماذا يقوم نظام الأبارتهايد الصهيوني يوميًا، ومنذ عام 1967 بتنفيذ مخطط الطرد والتهويد الإجرامي في مدينة القدس؟ لماذا لا نطرح، كسياسيين، السؤال باستمرار على إسرائيل، إنه حتى من اتهم ويتهم بالإنتماء إلى منظمات محظورة، هو نتاج هذا الصراع الذي خلقته الحركة الصهيونية والذي تكرسه إسرائيل خاصة وأن هذا الإنتماء أو النشاط المزعوم أو الصحيح هو خيار فردي لهؤلاء الإخوة وليس خيار أحزاب.

لماذا لا نذكرهم باستمرار بما قاله شموئيل طوليدانو الذي شغل مستشار خمسة رؤساء لحكومات إسرائيل، الذي عبّر في مقابلة لصحيفة عربية محلية عام 1989 عن مفاجأته من قلة العدد من المواطنين العرب الذين لجأوا إلى المنظمات المحظورة، رغم حجم الظلم الهائل الواقع على الفلسطينيين في إسرائيل. طبعًا هناك من قادة الجمهور العربي من يعتقد أنه ربما كانت إسرائيل تتمنى أن يلجأ هؤلاء الفلسطينيون، حاملي المواطنة الإسرائيلية إلى السلاح ليكون حجة لتنفيذ البطش بهم وطردهم.

إذًا لماذا هذا الغضب الإسرائيلي على عرب الداخل، والذي يتصاعد مؤخرًا ويتخذ وتائر جنونية. ليس لأن بعض العرب تواصلوا مع نشاط وطني محظور إسرائيليا، بل لأن عرب الداخل ظلّوا متمسكين بهويتهم القومية. وبمطالبهم الشرعية، عبر نضالهم السياسي والشعبي والذي تطور مضمونه وشكله بصورة لافتة في العقدين الأخيرين. لأنه لم يعد بمقدور إسرائيل مواصلة عملية النهب والقهر لأصحاب الأرض الأصليين، وتسويق نفسها في الوقت ذاته كدولة يهودية وديمقراطية.. ذلك لأن الخطاب العربي الجديد في الداخل أصبح يسمع هديره في إسرائيل وداخل أروقة الكنيست الإسرائيلي وفي منابر دولية عديدة، ويساهم في قضم صورة إسرائيل وزعزعة مكانتها الدولية كنظام أبارتهايد من نوع خاص. هذه هي المساهمة النوعية الهامة التي يقوم بها عرب الداخل ليس فقط كسبيل للبقاء في الوطن بل أيضًا كمساهمة في محاصرة نظام الأبارتهايد الصهيوني في العالم وتحقيق العدالة والإنصاف للجميع.

مؤامرة ضد لجنة المتابعة العليا (القيادة التمثيلية لعرب الداخل)، من يقف وراءها؟

تتعرض لجنة المتابعة العليا، ورئيسها السيد محمد زيدان لمؤامرة خطيرة منذ حوالي الشهرين من جانب أعضاء فيها. وتجلت بعض خيوط هذه المؤامرة أثناء تشكيل الوفد إلى ليبيا. ومن مظاهرها تكالب أحد أعضاء الكنيست المعروف بارتباطاته وعلاقاته الودية مع أوساط إسرائيلية عديدة. وهناك تواطؤ من قبل البعض ممن يحمل توجهات سياسية تعارض توجهات التجمع الوطني والحركة الإسلامية الوطنية والقومية.

بغض النظر عن التفاصيل؛ ما يجب أن يعرفه المواطن العربي هو أن هناك فعلاً مؤامرة ضد السيد محمد زيدان ليس لشخصه بل لمواقفه السياسية الصلبة التي أظهرها منذ توليه الرئاسة. هناك من يسعى لضرب الرئاسة لأسباب سياسية واضحة، وهناك من يمالئ هذا المسعى الخطير، إما عن سوء نية أو حسن نية. ليس السيد زيدان فوق النقد، ولا هو شخص خاص، ولكن تم الاتفاق عليه من الجميع بعد أن كان هناك معارضون، وأنا كنت أول هؤلاء المعارضين، لأن موقف التجمع تبنّى مبدأ تناوب الأحزاب على الرئاسة إلى حين إجراء انتخابات مباشرة. ولكن عندما طرحت الفكرة قوى مركزية، فضلنا التوافق من منطلق المسؤولية لما قد يوفره ذلك من فرص لتحسين التعاون بين مركباتها ورفع مستوى أداء المتابعة، وتطوير خطابها السياسي.

لم يكن متوقعًا أن تشهد المتابعة قفزة في أدائها في فترة قصيرة نظرًا لانعدام الموارد. ولكن مع ذلك شهدت روحًا جديدة في العمل من حيث قدرتها على الإستجابة لتحديات ومستجدات داخل الخط الأخضر وعلى الجانب الآخر من هذا الخط. باختصار قدّم السيّد زيدان نفسًا سياسيًا يتسق مع المناخ الوطني العام، الذي يطالب بالتصعيد والتحدي – تحدي سياسة القهر والتحريض المتمثلة بالممارسات اليومية وسيل القوانين العنصرية.

وفي هذا السياق، اعتقد أن من حق المواطن العربي أن يعرف المعلومات التي يعرفها جميع أعضاء لجنة المتابعة، المتعلقة بالضغوط الممارسة على زيدان من مكتب رئيس المخابرات الإسرائيلية، من مكتب يوفيل ديسكن مباشرة منذ أكثر من خمسة أشهر. إن الشاباك منزعج جدًا من لهجة السيد محمد زيدان وخطابه ولهجته المتحدّية، والسؤال الذي يُسأل؛ هل هذه الضغوط هي وراء محاولات بعض أعضاء المتابعة تهميش محمد زيدان.

أي هل أجواء التهديد والوعيد والتحريض تدفع البعض لإعادة النظر في قرار تنصيب شخصية وطنية ذات مواقف سياسية جلية وواضحة مثل محمد زيدان على رأس المتابعة.

أعتقد أن زيدان ملتزم بالخط العام وبالقواسم المشتركة بين القوى السياسية، وهو يُعبّر عن ذلك بطريقته الخاصة وبما يلائم المناخ العام.

ليست المشكلة يا سادة بمحمد زيدان ولا بنبرته السياسية. المشكلة تكمن في سياسات الدولة العبرية الآخذة بالإنتقال السريع إلى مستويات أقل ما توصف بالجنون سواء على مستوى عرب الداخل أو على مستوى القضية الفلسطينية بشكل عام.

إن معركة عرب الداخل هي ضد هذه السياسة الجهنمية، ومهمتنا الداخلية هي كيف نـُقوي "لجنة المتابعة" وكيف نجعلها القيادة الوطنية الموحدة لعرب الداخل بكل معنى الكلمة، كيف نعيد بناءها، كيف نبني مؤسسات فاعلة لها، كيف نبني صندوقا ماليا قوميا لها، وكيف نصل إلى انتخابها مباشرة من الناس، أي كيف ننظمهم. لا أعتقد أن تلك الأوساط تستطيع أن تفرمل أو تمنع تطور النفس السياسي للجنة المتابعة، فالقوى السياسية المنضوية فيها والتي تؤمن دون تردد بانتخابها مباشرة، وبنائها على أساس قومي ومستقل، لن تسمح بذلك. والمطلوب تعاون كل الوطنيين.

في سبيل ذلك، ربما أصبحت فكرة مؤتمر الجماهير العربية داخل الخط الأخضر حاجة ملحة. فالجنون الإسرائيلي لا يتوقف، ونحن نحتاج إلى مواجهة هذا الجنون المنظم، بمؤسسات وأطر منظمة وقوية وصلبة وذات رؤية وطنية شاملة، تكون قادرة على مواصلة مسيرة البقاء وتحدي المشروع الصهيوني الكولونيالي العنصري.