اللاجئون لن يعودوا، وكذلك النازحون أيضا../ زكريا محمد

بوضوح، ربط نتنياهو أخيرا بين الاعتراف بإسرائيل كدولة يهودية وبين مسألة اللاجئين. فالاعتراف بإسرائيل كدولة يهودية يعني من وجهة نظره، ويعني عمليا، إلغاء حق العودة.

عليه، فالمطالبة بالاعتراف بإسرائيل كدولة يهودية لم تكن أبدا مماحكة ولا تعطيلا للمفاوضات. كما أنها لم تكن أبدا كلاما فارغا. نقول هذا لأن هناك في قمة الهرم السياسي لمنظمة التحرير مَنْ تهكّم، أيام مؤتمر أنابولس، على من حذّر من الاعتراف بإسرائيل كدولة يهودية بقوله: "والا شو هي إسرائيل، مهي دولة يهودية؟!". وكان هذا يعني استعداد المتهكم للقبول بإسرائيل كدولة يهودية، غير مدرك لمعنى هذا الأمر، في ما يبدو.

حق العودة هو المستهدف بشعار: إسرائيل دولة يهودية. حق العودة أولا.

لكن هذا المطلب لا يستهدف حق اللاجئين فقط، بل يستهدف من بقي على أرضه من أهالي 48. فأن تكون إسرائيل دولة يهودية يعني وضع الأساس النظري لطرد غير اليهود منها، أي الفلسطينيين. فوجود هؤلاء فيها وجود طارئ، من حيث المبدأ. وإذا كان وجودهم طارئا، فكيف يمكنهم المطالبة بأراضيهم المصادرة، أو بتعويضهم عنها؟!

لكن القبول بإسرائيل كدولة يهودية يصل إلى ما هو أبعد من هذا. فهو يفترض تقليص عدد غير اليهود في أرض فلسطين التاريخية كلها. إذ أن زيادة أعدادهم تهدد بحصول ميزان ديمغرافي لا يجعل اليهود أكثرية فيها. وهذا ما يجب منعه.

وهنا، وانطلاقا من هذا، نصل إلى مسألة النازحين.
وكنا في مقال قديم لنا قد أوضحنا أن مسألة عودة نازحي العام 1967 هي التي ستكون المطروحة على جدول المفاوضات، لا لاجئي 1948. فاللاجئون خارج نطاق البحث أصلا عند إسرائيل. لكن أحدا من المفاوضين الفلسطينيين لا يقول لنا هذا. أي لا يخبرنا أن المفاوضات الفعلية ستدور حول عودة النازحين، إما لأنهم لا يريدون لنا ان نعرف، وإما انهم لا يدركون ذلك حقا.

والحال ان تقدم المفاوضات سيصل بنا إلى مسألة عودة النازحين. وسوف ترفض إسرائيل عودة اعداد غفيرة منهم. وسوف تصر على ان تتحكم في حق العودة إلى الضفة الغربية. هذا أمر لا تساهل فيه من وجهة نظرها. لذا فهي لن تتخلى عن التحكم في المعابر والحدود الدولية في أي تسوية ضمن موازين القوى الحالية. وأيا كان من يقف على المعبر، فإن إسرائيل هي التي ستقرر من هو الفلسطيني، أي من الذي يحق له عبور الجسر. أي أنها في الواقع ستحدد عدد سكان الدولة الفلسطينية المأمولة.

وقد حاول المفاوض الفلسطيني أن يوهمنا دوما أن مسألة عودة النازحين محسومة. هذا ليس صحيحا. لا شيء محسوما هنا. كذلك حاول هذا المفاوض إقناعنا أن مسألة عودة اللاجئين إلى الدولة الموعودة محسومة أيضا، وأن إسرائيل تعارض عودتهم إلى مناطق 1948 فقط. وهذا ليس صحيحا أيضا. فإذا كانت مسألة النازحين مسألة ستخضع للتفاوض، فكيف يكون الأمر بالنسبة للاجئين؟ يمكن السماح وبقرار من إسرائيل لأفراد، أما الكتل الكبيرة فأمر غير مسموح به أبدا، سواء كانت كتل لاجئين أو نازحين. سيظل الميزان الديمغرافي بيد إسرائيل. وهي ليست قادرة على أن تقبل حتى بتوالد الفلسطينيين على أرضهم، وتراه كابوسا يخل بالتوازن الديمغرافي، فكيف يمكن لعاقل أن يصدق أنها ستتيح للنازحين وللاجئين عبور الجسر إلى الضفة الغربية.

لا يطرح الإسرائيليون مسألة النازحين الآن، لأنهم يريدون تبليغ المفاوض الفلسطيني مسألة التخلي عن حق عودة اللاجئين. هذه هي المهمة المباشرة بالنسبة إليهم. وحين يتم إنجازها، سوف تطرح مسألة النازحين. وسوف تطرح بحدة تصدم حتى الشيطان نفسه. سيقولون: لا، لن يعود نازحو 67. ستعود قلة منهم بموافقتنا فقط. ولن يعود لاجئو 48 إلى الضفة. سيعود أفراد منهم فقط، وضمن لمّ الشمل أو ما شابه.

من لا يدرك ذلك فهو لا يعرف إسرائيل، ولا يدري معنى المشروع الصهيوني.