امرأتان وكلمة سر واحدة../ فواز طرابلسي

ما الذي يجمع هيلين طوماس بحنين الزعبي؟
كلمة سر واحدة
كلمة السر أفشت بها هيلين طوماس يوم 27 أيار الماضي. المناسبة: احتفال الرئيس الأميركي بـ«يوم الذكرى اليهودي الأميركي» تكريماً لمن ماتوا في سبيل إسرائيل.

عند مدخل «البيت الأبيض»، داهمها أحد الصحافيين بالسؤال: ما الذي لديها تقوله لإسرائيل. أجابت: «أقول لهم: أخرجوا من فلسطين». وأردفت «هذا الشعب (الفلسطيني) شعب محتل. والأرض أرضه». ولما سُئلت إلى أين يخرج اليهود الإسرائيليون؟ أجابت «ليعودوا إلى بلادهم»، إلى «بولونيا، ألمانيا، أميركا، وأي مكان آخر».

هيلين طوماس (89 سنة) الملقبة «السيدة الأولى للصحافة» الأميركية عملت لنصف قرن أو أزود مندوبة لوكالة «يونايتد بريس إنترناشيونال» في البيت الأبيض.

عايشت عشرة رؤساء من جون كينيدي إلى باراك أوباما. عُرفت بجرأتها في طرح الأسئلة المحرجة، وبنقدها القاسي للسياسات الرسمية من فيتنام إلى فلسطين مروراً بالعراق وأفغانستان واشتهرت بسخريتها اللاذعة. بعد 11 أيلول 2001، دعت إلى تفهّم ما يدفع الشباب إلى العمليات الانتحارية بدلاً من غرغرة الأفواه بتهمة «الإرهاب».

وهي أول من سأل إدارة بوش عن التعذيب في العراق. ونشأت أزمة بينها وبين البيت الأبيض عندما نُقل عنها وصفها جورج بوش الابن بأنه «أسوأ رئيس جمهورية في تاريخ الولايات المتحدة». ومن آخر الأسئلة التي وجهتها إلى الرئيس أوباما سؤال عن أسلحة إسرائيل النووية «السرية» وعن سبب عدم إدانته الجريمة الإسرائيلية ضد مدنيي «أسطول الحرية».

للمناسبة، هيلين طوماس من أبوين لبنانيين يتحدران من طرابلس، لبنان.
بعد أقل من أسبوع من إدلائها بهذا التصريح، أُجبرت هيلين طوماس على تقديم اعتذار عنه على مدوّنتها وإشهار فعل إيمان بالسلام في الشرق الأوسط. لم يروٍ الاعتذار غليل منظمي حملة شنتها هيئات وقوى صهيونية ومناصرة لإسرائيل وكلها تحت تهم «الإرهاب» ومعاداة السامية. حرّض آري فايشر، الناطق الصحافي في إدارة جورج بوش الابن، على طردها من العمل. وهكذا حصل. فسخت إحدى دور النشر عقد نشر كتاب موقع معها. واضطرت طوماس إلى الاستقالة من عملها الصحافي ومن وظيفتها بما هي مندوبة صحافية لدى «البيت الأبيض».

تجرّأت هيلين طوماس على أن تضع الإصبع على الجرح. نطقت بالمسكوت عنه والمحرّم. وقد بات محرماً حتى في عالم السلطة الفلسطينية والأنظمة العربية. جهرت بالحقيقة في وجه الحكّام: فلسطين محتلة والفلسطينيون هم أصحاب الأرض. وعلى المحتلين الإسرائيليين العودة من حيث أتوا.

ماذا حدا بهيلين طوماس إلى مثل هذا التصريح، وهي تعرف أكثر من سواها كلفة ما تفوّهت به؟ مهما تكن دوافعها، كأن الصحافية المخضرمة أرادت أن تلخص تجربة عمر من العمل الصحافي في تلك العبارات المقتضبة وتركت وصيتها الجارحة في وجه النفاق الإعلامي التبريري والصمت الجبان أمام السلطات والكيل بمكيالين وقد خبرتها طويلاً في أروقة الحكم والصحافة في عاصمة الإمبراطورية.

في تعدادها الهجرات إلى إسرائيل، لم تأتٍ هيلين طوماس على ذكر آخرها: الهجرة الروسية. ذكّرتها بها حنين الزعبي.

شاركت المناضلة الفلسطينية، وعضو الكنيست عن التجمع الوطني الديموقراطي، في «أسطول الحرية». ولما اعتلت منبر الكنيست لتلقي كلمتها عن جريمة البحرية الإسرائيلية، حاول نواب أقصى اليمين منعها من الكلام وهجمت عليها نائبة روسية عن حزب «إسرائيل بيتنا» في محاولة لضربها. ببرود وثقة كاملة بالنفس، التفتت العربية الوسيمة إلى الروسية الشقراء وقالت لها: «عودي إلى روسيا».

قامت الدنيا ولم تقعد بعد على حنين الزعبي. يجري العمل على حرمانها امتيازات عضوية الكنيست تمهيداً لإسقاط عضويتها فيه. ويستمر التهديد بحظر التجمع الوطني الديموقراطي.

حذار! حنين الزعبي خطر على أمن إسرائيل.
في غضون أسبوع واحد، أو أزود بقليل، التقت امرأتان، لا تعرف واحدتهما الثانية وتفصل بينهما بحار ومحيطات، على الجهر بالحقيقة، حقيقة عادة ما تجهر بها النساء. في ما يتعدى مدريد وأوسلو وأنابوليس والقمم العربية وقرارات الأمم المتحدة ومبادرة السلام العربية وتوزيع فلسطين وشعبها الثلاثي بين 48 و67 وشتات، وخرائط الطرقات واللجان الرباعية، وسجال الدولة الواحدة والدولتين، وما يجوز ولا يجوز قوله تأدباً حتى لا ننفّر الرأي العام العالمي، هذه هي الحقيقة:

إسرائيل «واقع كولونيالي»، على ما وصفها المستشرق الماركسي الفرنسي مكسيم رودنسون.
وفي مواجهة بذاءة العنصرية الإسرائيلية والصهيونية، المتفشية أيضاً في أوساط عديدة من أوروبا وأميركا، تدعو يومياً إلى قتل العرب والمسلمين عموماً وإلى تهجير الفلسطينيين، وتقضم الأرض والزرع، وتسرق المياه والتراث الشعبي والأطعمة، وفي الضد من الجدار، وحصار غزة، والحروب الدورية، ومهل تجميد بناء المستوطنات، ومهزلة التحقيق الدولي في الجرائم الإسرائيلية، والتغطية الأميركية والأوروبية المخزية عليها، هذه الحقيقة:
إن إسرائيل هي آخر واقع كولونيالي استيطاني في عالم اليوم، المفترض أنه تحرّر في معظمه من الأشكال المباشرة والاستيطانية للكولونيالية.

وإلى الآن عرف الاستعمار الاستيطاني في العالم واحداً من مصيرين لا ثالث لهما: إما نموذج الجزائر، وعودة المستوطنين إلى بلادهم، وإما نموذج جنوب أفريقيا: تفكيك دولة الاستيطان والتمييز العنصري شرطاً لبقاء الأقلية البيضاء.

الحالة الثانية في فلسطين والعالم العربي، تعني تفكيك مؤسسات دولة الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين، الفارضة نفسها باسم «الدولة اليهودية»، وإلغاء «قانون العودة» ليهود العالم، ونزع سلاح إسرائيل النووي، في إطار شرق أوسط منزوع السلاح، وإقرار حق الشعب الفلسطيني في العودة إلى بلاده.

إلى هذه وتلك من الحقائق، يجب أن يبقى السؤال الذي طرحته هيلين وحنين لأنه هو السؤال وهو الجواب:
لماذا لا يعودون إلى بلادهم؟
"السفير"