في يُتم أمّة../ كمال خلف الطويل

شاعت طويلاً مقولة أن إحدى أبرز خصائص العرب إبراز دور الفرد غلاباً ومهيمناً على صنع الحوادث وسيرها قياساً لباقي الأمم ـ في الغرب خاصة ـ التي يخفت فيها دور الأفراد لمصلحة المؤسسات، فلا تعرف السياسات تبديلاً إلا بتبدل بُنى المؤسسات بالانتخاب، لا بصعود أو هبوط فردٍ مهما علت قيمته أو شمخت قامته... أو هكذا الشائع!

لكنّ استعراضاً سريعاً لتاريخ أفراد طبعوا القرن العشرين ببصماتهم، يرى فيه أي ناظر كيف كان لروزفلت الأميركي وستالين السوفياتي وتشرشل البريطاني وماو تسي تونغ الصيني وديغول الفرنسي وهتلر الألماني وتيتو اليوغوسلافي أكبر الأثر في صنع التاريخ وفق رؤاهم، وكيف أن نهج جلّهم تبدّل وفق زوايا تباين انفراجُها وتفاوت أوقات قربها أو بعدها، بغيابهم عن المشهد.

لقد استطاع روزفلت، بجلَد مشهود، أن يرسي عقداً اجتماعياً جديداً في أميركا التي اعتادت قبله نهج آدم سميث دون قيد أو شرط، ثم انكبّ على تغيير مزاج أمته الانعزالي ليلج بها إلى حرب كونية وفق توقيته الذي استوفى شرط وصول حليفه البريطاني لحافة الجثوّ توسلاً للإنقاذ.

لم يعلم مسبقاً بهجوم بيرل هاربر الياباني ليتركه دون اعتراض حتى يوفر ذريعة الانخراط... كما يتهمه البعض. لكنه، بالمقابل، أوصل المؤسسة اليابانية إلى مخرج واحد من حصاره الاقتصادي الخانق لبلدها، هو امتشاق السلاح، ظاناً أنها ستضرب في الفيليبين، وفي قدْرها كفاية من تعلّة، فإذا بالضربة تأتي على أيقونة فخر البحار: أسطول الهادئ. كان روزفلت في الحالتين هو الذي اختط نهجاً سبق أن تناءت عنه المؤسسة، منذ غزوة الفيليبين ثم الحرب العالمية الأولى، مفضلةً الاكتفاء بنصف الكرة الغربي: حديقتها الخلفية.

في حالة ستالين، لم تمض أعوام ثلاثة على رحيله إلا وجدنا نهجه لا يتعرض للتغيير فقط، بل للتشهير، وعلى يد صنائعه من أعوان.

أما تيتو، فقصة بذاتها: لقد وحّد سلافاً متبايني الإثنيات في كينونة سلافية ظنّها استقرت على مبدأ الوحدة معه بل وبعده. لكن لم يمضِ عقد على رحيله، إلا تبعثرت تلك الكينونة أشلاءً وتلاشت مِزقاً.

وديغول الذي استهلّ عودته للحكم عام 58 بشنِّ أعتى حرب مسلحة على ثورة الجزائر أوصلتها إلى الهزيمة العسكرية مع بدء العشرية السابعة من القرن، كان هو ذاته من عرف حدود الفوز، مفضلاً استبدال الاحتلال العسكري بثقافي يستلب الهوية ووعي الذات. تعرض للاغتيال مرتين من متطرّفي بلاده، ومن كولونها الجزائري، دون أن يُلين ذلك عريكته أو يفتَّ من عضد عزمه على إخراج فرنسا من وهدة الاحتلال. لا بل مضى لينأى بها عن مظلة الأطلسي وتبعاته، مفضلاً استقلاليةً متعاظمة مسنودة بظهير أوروبي، ثم ليتناءى عن ربيبٍ كان ذات يوم رفيق سلاح ـ أي إسرائيل ــ اعترافاً منه بحقائق القوة العربية ووعدها، فقطع إمدادات السلاح عن الربيب إلى حين خروجه من الحكم عام 69.

أما ماو تسي تونغ، فما أن رحل عن الدنيا إلا كان الخروج عن النهج في الأثر عبر ضرب ما دعي بعصابة الأربعة، وضمنها أرملته. والشاهد أن الصين بعده هي غير ما كانت عليه أيامه، وإن بقي احترام رمزيته التاريخية محفوظاً.

ثم هناك تشرشل الذي، بمفرده تقريباً، استطاع تغيير مزاج المؤسسة البريطانية من عدم الاشتباك مع ألمانيا ـ بين الحربين، بل والسعي إلى تفاهم معها، فضلاً عن استبطان رغبة تحالف عند بعض شرائح المؤسسة ــ إلى الانخراط في حرب ضروس معها وفق معادلة صفرية لا تقبل التهاود (أودت بالإمبراطورية إلى الهاوية، ولا سيّما أنها تراكبت على حرب كونية سابقة اندفعت إليها بريطانيا دون لزوم). تَغيّر النهج بتشرشل من «السلام في أوقاتنا» إلى «الحرب الآن الآن وليس غداً».

في كل تلك الحالات، كان لمغادرة أولئك العظام مسارح بلدانهم وأقاليمها والعالم، بالموت أو بالتغييب أو بالتقاعد، وقع هائل في نفوس بني أوطانهم، بل والبشرية جمعاء في حالة بعضهم.

لكن الوقع لم يتطور إلى يُتم إلا في حالة العرب مع... جمال عبد الناصر.
لا يحتاج عربي فوق الأربعين من العمر لجردة تاريخ عن الرجل، لكن فرادة حالته حاكماً لوطن من أوطان أمته وقائداً لأمة عابرة لتلك الأوطان متخطياً سلطات حاكميها، تستحق وقفة محمّلة بالدلالات:

1. إنه المصري الأول الذي خرج من حدوده، بعد انحباس داخل تلك الحدود دام قرناً وسدسه، متوجهاً شطر الشام، ثم انداح سلطان قيادته عبر العالم العربي كله متجاوزاً سلطات أقطاره، لا بالقسر بل بالنموذج، ولحينٍ استمر خمسة عشر عاماً (55 ـ70) لم تستطع حتى هزيمة 67 أن تبتره كما أمِل شانّوها.

2. وبرغم محاولات نخبوية مبكرة لتبيان ــ بعد تبيّن ــ عروبة مصر (أحمد زكي وعلي علوبة وصالح حرب وعبد الرحمن عزام، بل وأحمد حسين)، إلا أنه هو الذي أتى بمصر إلى العروبة وأدخل العروبة إلى مصر.

3. إنه في انتشاره العربي ارتطم بحائط صلد من عداء الإمبرياليتين، القديمة منها والجديدة، عداءٌ تراوحت موجاته وأساليبه وأدواته لكنها كلها أجمعت على طلب رأسه، لما في داخل ذاك الرأس من مشروع نهضة وتوحيد يربط القطري بالقومي.

4. إن اختلال موازين القوى بين قدرات مصرِه وتلك القوى، كان كفيلاً في نهاية المطاف بإضعافه بالنقاط، ثم طرحه أرضاً بما لاح كأنه ضربة شبه قاضية.

5. إن قلة خبرة المصريين (وهم من طال قبوعهم داخل حوض الوادي ما ينوف عن قرن) في شؤون محيطهم العربي، أسهمت في سوء إدارة ملفات خاض فيها عبد الناصر بصائب عزم: قرار الوحدة مع سوريا كان في ميزان الجيوستراتيجيا ضربة معلم، لكن إدارة شؤونها سلِّمت لمن لم يكن بها جديراً، ووصلت معه الأمور إلى تيسير فصم عراها... قرار مساندة ثورة اليمن عسكرياً كان في معيار الجيوستراتيجيا صحيحاً بالتمام والكمال، لكن تسيير شؤون الحرب سُلِّم للرجل نفسه فأدارها بطريقة استعراضية مكلِفة وغير ذات جدوى لم يستفق منها إلا بعد انقضاء ثلاث سنوات ونصف من تبديد القوة... قرار المصالحة مع آل سعود 59 ــ 61 كان شديد الخطل تحت ظنِّ أنهم تابوا واستتابوا ولم يعودوا مكمن خطر، فدفع الثمن غالياً في سوريا... قرار قبول اعتذار حسين الأردن عام 61 صبَّ في قناة خسران سوريا بعدها بشهور... قرار نفض اليد من عبد الكريم قاسم، حتى بعدما قلّم أظفار الشيوعية مع مطلع عام 60 وأعاد التوازن القومي ــ الشيوعي للعراق، كان قراراً غير حكيم: لقد كان قاسم وطنياً بامتياز، وإن استبدت به تهاويم أهمية فوق ــ مستحقة له خارج الحدود وغيرة لابدة في لاشعوره من عبد الناصر، لكن تَحمُّل ذلك كان في المقدور ما دام هو يخوض ببسالةٍ معارك شرّفته وتاريخه مع أخطبوط النفط الأطلسي وصولاً للقانون 80. ما كان أمثلَ من عام 60 فرصةً لوصلِ ما انقطع، بما فيها من مراعاة حساسيات تستوجبها الحال.

قرار التصعيد في أيار/ مايو 67 استجابة لتحدي وصول إسرائيل لامتلاك السلاح النووي وقتها كان الصواب ذاته، شرط أن تكون على قمة جيشه قيادة محترفة تفهم قواعد العلم العسكري وتطبّقها. وبعلْمِ أن التصعيد يحمل في طياته احتمال حرب مسلحة يتفاوت من 20% إن اقتصر على الحشد إلى 50% إن اقترن بسحب القوات الدولية... إلى 80% إن أغلق خليج العقبة... وصولاً إلى 100% إن دخلت القوات العراقية الضفة الغربية.

6. إن هزيمة 67ــ وهي التي كانت فداحتها ممكنة التوّقي حتى على الحال التي كانت عليها مصر عشيتها ــ لم تَحُتَّ من صخرة مقاومة عبد الناصر لمفاعليها، بل شحذت همته ليقود مواجهةً ضرب فيها طوق نار حول إسرائيل من الناقورة إلى الزعفرانة، تواصل سنوات ثلاثاً كانت بالحقيقة والبرهان سنوات مجده الكبرى، التي عبرها وصلت واشنطن إلى الاقتناع الجازم بأنه لا خلاص من خصومته إلا بالتخلص منه فعلاً وحقاً، ولا سيّما أنه أتى بالسوفيات جيشاً إلى سماء مصر ومائها وأرضها، ثم وفّر لنفسه عمقاً في الأرض والبحار، فضلاً عن قدرة مضافة بوصول أنصاره إلى الحكم في ليبيا والسودان، ثم أحكم تحقق تنسيق فاعل مع الجبهة الشمالية في سوريا استعداداً لحرب قادمة، معطوفاً على حمايته للمقاومة الفلسطينية من حسين الأردن، بل ومن نفسها. وبرغم شوشرة المزايدين الذين أرادوا إفهام الخلق أن مبادرة روجرز بوابةُ استسلام، لم يترك ذلك أثراً على سمعة قيادته يذكر.

لم يكن 5 حزيران/ يونيو قد أضحى مع عام 70، إلا فصلاً بائساً من تاريخ أمّة طُويت أكثر من نصف صفحاته، وبقي أقلّها للطيّ عند معركة لن يطول أوانها عن عام أو قربه.
دخلت الأمة طقس اليتم عند الرحيل، رغم ما توالى عليها من أطوار مسح الذاكرة وتتفيه الماضي وتشويه السيرة وتزيين نواقضها بما يكفي لتخريب الذهن الجمعي لأمم بحالها فضلاً عن واحدة.

بدت غلالات نجاح هنا وهناك لم تلبث إلا أن تناثرت مع خدشها بأظفار الحقيقة. والأهم أن القعر الذي أوصلت «التبعية العربية» الأمة إليه، كان وما فتئ الحاضن الرئيسي لتجدد ــ بل تواصل ــ طقس اليتم، لمجرد انعقاد المقارنة بين وعدِ ما كان وعُهرِ ما هو حاضرْ.

والحال أن الشعور الدافق باليتم وصل إلى ذراه عند بداية العشرية الثانية للقرن مع وصول محمود أحمدي نجاد ورجب طيب أردوغان للحكم في كل من إيران وتركيا.

هنا توقفت أمة جزعة عند سؤال الأسئلة: ما الذي دهانا، وكيف سمحنا لزمرة من الفاشلين أن يودوا بنا إلى الدرك الأسفل، وما الذي ينقصنا مقارنةً بجيراننا، ونحن الذين كنا قبل ثلث قرن قادة العالم الثالث، بل وممثليه في سلطة القرار العالمي... حسب وصف أندريه مالرو؟ تلاه سؤال أمرّ: إلى أين يمضِ حس اليتم بأمة العرب؟

لم تعد هناك دولة ـ قاعدة... ولن تكون واحدة بمفردها بعد. ليس هناك قائد فرد في الواقع أو في المنظور. ثم هناك رواسٍ من صنيع حكامها انتصبت ما بين بعضٍ من شعوب هذه الأمة وبعضها الآخر: بين العراق وجيرانه ومصر... بين الجزائر وكل من المغرب ومصر... بين اليمن والخليج... بين سوريا ولبنان... بين مصر والسودان... بين ليبيا ولبنان، وهلمّ جرا.

وهناك ـ وهو أهم المهم ـ عصبةُ من أعوان الاستعمار تحكم معظم ديار العرب، لا لمصلحتها كأسر حاكمة فقط بل لمصلحة معبودها، حامي الحمى ومقدّر الأقدار.

والحاصل أن حس اليتم المتراكم أفضى بمجموعات متزايدة الاتساع من الشباب العربي إلى إحساس بالعجز متعاظمٍ دلف بها إلى «قبوٍ» بدا أكثر أماناً وتمكيناً من الخروج إلى «الشارع» للتعبير عن قهره وطلباً لردّه. ذهبت تلك الجموع إلى جهاديةٍ باقتناع أنها قد تجدي فتيلاً يصدّ غوائل الاحتلال وعودة الاستعمار الخارجي، فضلاً عن خانوق الاستعمار الداخلي بأدوات «التبعية العربية». والشاهد أن حرب 91 على العراق كانت بالذات خميرة جنوح مزاج الشباب العربي نحو العنف الجهادي، ولا سيّما أن في الخلفية منها انتفاضة 88 ـ90 الفلسطينية واجتياح لبنان 82.

والحال أنه ليس من بديل لـ«رسمية عربية» جديدة تأخذ العالم العربي إلى مدارج الاستقلال الوطني والقومي، وتجمع أشطاره في مرجعية مركزية قادرة تصنع قراراً استراتيجياً واحداً.

هل لذلك من سبيل؟ الحق أن مشاهد التغيير تتفاوت من وطن لآخر. فصراعات السلطة داخل بنيان بعض أنظمتها تفتح كوةً في جدار أمانها... ووصول المزاج الشعبي إلى ذروة احتماله يشقّ قنوات عصيان واسع النطاق في بعضها... وتكلس الأوضاع في غيرها قد يكون لمصلحة توالٍ عائلي على السلطة... فيما اندلاع فوضىً عارمة هو الراجح في أخرى.

والحاصل أن معظم الكيانات القطرية العربية مقبلةٌ على براكين تتفاوت من خامد موقوت إلى محموم لا يهدأ إلا بجرف ما في دربه... وأن قدرة الكبير على ضبط عزف مقطوعات التغيير على نوتته، بما يفي بالتدجين والاحتواء، ليست بالضرورة أمر اليوم... أو الغد. والله أعلم.
"الأخبار"