لبنان الصغير- الكبير../ عوض عبد الفتاح

بمعزل عن التحليلات الغزيرة حول قرب أو احتمال أو عدم احتمال انفجار حرب في المدى القريب، فإن الاشتباك المسلح المحدود بين الجيش اللبناني والجيش الاسرائيلي ظهر الثلاثاء الماضي (03/08/2010)، ونتائجه بالتحديد، تنضاف الى صيرورة التآكل في قوة الردع الاسرائيلية على المدى الاستراتيجي.

وهذه الصيرورة كما هو معروف، بدأت وهي مستمرة بتأثير تجدد حركة المقاومة العربية بمضمون (اسلامي)، انطلاقًا من لبنان (وبعدها في فلسطين). أو لنقل، فإن إقدام أصغر جيش عربي في محيط فلسطين، على التصدي للاعتداء الاسرائيلي، هو معطى نوعي جديد مرشح لأن يكون له تأثير معنوي إيجابي على الداخل اللبناني، ومصدر قلق للمؤسسة الاحتلالية الاسرائيلية، وهذا ما عبّر عنه قادة الدولة العبرية.

ففي العقد الأخير، تراكمت خيبات الأمل لدى الدولة العبرية بسبب الإخفاقات العسكرية المتتالية، خاصة وأن استعمال عقيدة „الصدمة والترويع” الأمريكية وما تتركه من دمار هائل بين المدنيين والبنى التحتية لم تقد الى استسلام لا المقاومة في لبنان ولا المقاومة في فلسطين.

ليس هذا فحسب بل إن صمود المقاومة اللبنانية في وجه الوحشية الاسرائيلية، وكذلك المقاومة الفلسطينية (مع اختلاف ظروف الأخيرة وأدائها)، مضافًا الى ذلك المقاومة العراقية التي فرملت مشروع الهيمنة الأمريكية على المنطقة، كل ذلك أحدث تغييرات نوعية في المناخ الشعبي العربي، لأن أداء المقاومة حرر جزءًا من الإرادة العربية المعطلة. وليس تحدي قوة من الجيش اللبناني، وبدعم وتأييد من قيادة الجيش والجمهورية، هو أحد نتاجات هذه التغيرات.

إن أهمية هذا الحادث، أنه جاء في ظرف تمكن نتنياهو وبالتعاون مع المتعاونين العرب، من فرض استئناف المفاوضات مع السلطة الفلسطينية في ظل مواصلة المشروع الإستيطاني الصهيوني في الضفة والقطاع، والقدس، والحصار على قطاع غزة. كما جاء في ظرف الترقب والتوتر في انتظار صدور القرار الظني المسيّس من المحكمة الدولية، بخصوص اغتيال رئيس الحكومة اللبنانية الأسبق رفيق الحريري.

لقد اختارت اسرائيل أن تتحدى السيادة اللبنانية والجيش اللبناني لفرض هيمنتها واستعادة قدرتها في التحكم بما يجري على الحدود، ولكنها لم تتوقع هذه النتائج. وربما أيضًا تصرفت على هذا النحو لأسباب أخرى تتعلق بالتحركات العربية لتجنيب لبنان انفجارا داخليا.

هناك من داخل المؤسسة الاسرائيلية من يعتقد أن ردّ الجيش الاسرائيلي بقصف القوة اللبنانية كان ضروريًا ومناسبًا ورسالة للبنان أن لكل حركة من الجانب الآخر سيكون رد حازم.

ولكن الدهشة الاسرائيلية من الردّ اللبناني، وقتل ضابط اسرائيلي، يعكس سقوط الافتراض الاسرائيلي بخصوص التوقعات من الجيش اللبناني، وقيادته ورئاسة الجمهورية.

الآن إسرائيل تقرأ التحولات في عقيدة أو ذهنية الجيش اللبناني تجاه الاعتداء الاسرائيلي، وهي بطبيعة الحال تدرك تمامًا أن ذلك نابع من تفاعلات صمود المقاومة عام 2000 وانتصاراتها. وهو أمرٌ قرأته منذ فترة ولكنها سعت وتسعى الى احتواء هذه التفاعلات.

لا يعني هذا الكلام أن الجيش اللبناني قادر على محاربة اسرائيل، فهو جيش قليل العدد والعدة ولكن إفرازات الحادث ونتائجه، أحدثت التفافًا شعبيًا ورسميًا حول الجيش، ودوره الوطني.

ليتصور المواطن العربي لو لم يكن حصار لإرادة المقاومة، ولو لم يكن تواطؤ وتآمر على قوى المقاومة. ليتصور المواطن الفلسطيني، لو أن أصحاب نهج المفاوضات العبثية والتمسك بخيار واحد وحيد، هو خيار التعويل على الإدارة الأمريكية، لو قالوا لا لاستئناف المفاوضات، وباشروا بالمراجعة الشاملة لكل هذا النهج. هل يعقل أنه في ظل انبعاث إرادة التحدي المقاومة في شرائح هامة من الطلائع العربية، أن يتواصل التواطؤ والهروب من الصراع ضد الاحتلال.

إذًا الأمور ليست سهلة، بل في غاية التعقيد والتركيب، وزاخرة بالمفارقات. ولكن قد تطول المراهنات، وقد يمتد التواطؤ لفترة أخرى، وسيدفع شعبنا الفلسطيني، وشعوبنا العربية أثمانًا أخرى جراء ذلك، ولكن في المقابل وبموازاة ذلك، فإن بذور الإرادة الجديدة، والثقافة المتجددة، ثقافة المقاومة، مستمرة في النموّ بوتائر متفاوتة، بين شرائح واسعة من الأمة.

هناك بطبيعة الحال من يبني على هذه الرؤية الاستراتيجية ويعتمد في خطاه عليها، وهناك من يسعى علنًا وسرًا لوأد هذه البذور، والعمل على استباق انبلاجها وقطف تسويات مهينة. ولكن في حادثة الاشتباك الحدودية، درس آخر حتى لو بدا متواضعًا. فهل يتعلم منه التائهون.