كارثة المفاوضات../ عوض عبد الفتاح

قد يكون صحيحًا أن رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس، تعرض لضغط، وصفه للمقربين بأنه لا يحتمل، لاستئناف المفاوضات المباشرة مع إسرائيل، بدون شروط مسبقة.

في الوقت ذاته قد يكون رئيس السلطة غير منزعج من هذه الضغوط فهو وإن كان يرغب بتجميد الاسيتطان وبتحديد مرجعية للمفاوضات كشرط لاستئنافها، فهو ربما يحتاجها، أي الضغوط، بعد أن تم تجريد أو إسقاط أو سقوط معظم نقاط القوة الأساسية للحركة الوطنية الفلسطينية ألا وهي: البعد العربي القومي الفعال؛ الوحدة الوطنية الفلسطينية، التمسك بالبرنامج الوطني وبالثوابت وحق العودة والأخيرة خيار المقاومة.

بكلمات أخرى بقيت السلطة الفلسطينية عارية تمامًا من كل نقاط القوة، وربما أحدث مثال على ذلك هو الهجوم على تجمع لمناهضة استئناف المفاوضات في قاعة البروتستانت في رام الله والذي كان مشاركًا فيه معظم مركبات منظمة التحرير باستثناء ممثلين عن فتح. السلطة عارية من التأييد الشعبي.

إن الضغوط الممارسة على رئيس السلطة ليست عسكرية إنما اقتصادية. أي التهديد بسحب الدعم الاقتصادي للسلطة ومؤسساتها والذي يُعيل 16500 موظف، وربما أكثر من النصف في الأجهزة الأمنية.

إن من استبعد خيار المقاومة كليًا، وأدانه منذ البداية، ومن خضع لشروط الرباعية وأهدافها من وراء الدعم الاقتصادي، ومن حوّل الطبقة الممسكة بزمام الأمور في رام الله إلى رهينة هذا الدعم المشروط، ورهينة المفاوضات ورهينة „العملية السلمية” التي أصبحت مصدر رزق للطبقة السياسية، لا يستطيع أن يقاوم هذا الضغط.

إن النموذج الاقتصادي-الأمني (نموذج نتنياهو) الذي تقوم بتطبيقه حكومة سلام فياض، يهدف الى خدمة مشروع الاحتلال ولا يتحداه.

ويهدف المانحون من وراء دعم هذا المشروع إلى التأثير على المجتمع ايضاً وليس على النخب فقط، حتى يسهل تمرير التسويات، أو إلهاء الناس عن متطلبات حل القضية الفلسطينية على أسس عادلة، كما ان الحصار في قطاع غزة يهدف الى قلب حماس وإضعاف المجتمع ليصبح مهيئًا لتقبل أو للخضوع لأية تسوية بدون مقدرة على المقاومة..

إن المفارقة هي أن الطرف الفلسطيني يعرف في قرارة نفسه أن هذه المفاوضات لن يخرج منها شيء إلا إذا كان سيقبل تسوية غير عادلة، وهذا مستبعد. كما أن الطرف الاسرائيلي يعرف تمامًا أنه لن يخرج تسوية من هذه المفاوضات. ولكن إسرائيل وأوباما هما الرابحان. أوباما بحاجة لها لأسباب داخلية، تتعلق بحظوظ حزبه في الانتخابات النصفية (للكونغرس)، ونتنياهو بحاجة لأن يظهر في الداخل والخارج أنه يخوض عملية سلام. أما الطرف الفلسطيني فهو الخاسر، لأنه الضعيف، ولأنه غير قادر على مقاومة أو وقف المشروع الاستيطاني الصهيوني في القدس وأراضي الضفة الغربية.

نحن أمام نفس الفيلم ونفس التسويغات ونفس الذرائع والحجج. لا يجني الشعب الفلسطيني من الذهاب الى هذه المفاوضات سوى الخسارة والكوارث لأنها تأتي لتكرس الشقاق الداخلي، ولتواصل منح الغطاء للاحتلال الاسرائيلي وجرائمه وموبقاته، وتُفرمل حملة فلسطينية شعبية ورسمية واسعة لمحاصرة اسرائيل والانخراط الجدي في الحملات العالمية الجارية من قوى مدنية أجنبية وفلسطينية في الشتات.

لا يوجد بديل أمام الحركة الوطنية الفلسطينية سوى العودة الى الأصول؛ والبدء أولاً بمراجعة التسوية والانطلاق من حقيقة أن لا تسوية في الأفق، حتى لا تقع القيادة الفلسطينية في الأوهام مرة أخرى، وما تجلبه من كوارث، والعمل على التحرر من كل القيود التي تعرقل إعادة بناء الحركة الوطنية مثل الارتهان للدول المانحة وسياساتها، وثم العودة الى تفعيل البعد العربي الفاعل (الشعبي) وخوض الصراع ضد الاحتلال بدل التعاون معه، هذه هي قيم حركة التحرر التي بدونها تفقد القضية الفلسطينية طابعها كقضية احتلال واستعمار استيطاني، وتصبح قضية صراع حدود آخر بين كيانين، أحدهما حقيقي والآخر افتراضي.