تصريحات ليبرمان العنصرية ليست جديدة، فما العمل؟../ د. جوني منصور

لم تأت تصريحات وزير خارجية إسرائيل أفيجدور ليبرمان من فراغ. إنها تصريحات متجذرة في صلب المجتمع الإسرائيلي المعسكر في غالبيته العظمى. فمن جهة أولى هذه ليست المرة الأولى التي يُطلق فيها مثل هذه التصريحات، بل إن منطلق حزبه مؤسس على فكر الترحيل (الترانسفير)، ومصدره يعود فيما يعود إليه إلى تحالفه في السابق مع حزب زئيف غاندي الترانسفيري، وإلى رؤيته الخاصة بكراهية العرب الفلسطينيين، وضرورة التخلص منهم.

ولكن السؤال المطروح هنا: لماذا الآن بالذات؟ في محاولة منا لسبر غور الأسباب والدواعي لإطلاقه مثل هذه التصريحات، يتبين لنا أنه يريد أن يؤكد لبيبي نتنياهو أنه ـ أي ليبرمان ـ كوزير خارجية ليس غائبا عن ساحة المفاوضات. ونحن نعلم علم اليقين أن نتنياهو قد أقصاه بعيدا عن هذا الملف، كي لا يثير قيادة السلطة الفلسطينية ولا الرئيس المصري أو الجهات الأخرى المعنية.

وثانيا ليؤكد لنتيناهو أن مسلكه التفاوضي لن يكون مزروعا بالورود في إسرائيل وفي حكومته، إذ أن المجتمع الإسرائيلي الذي يمثله ليبرمان، أي اليمين ، غير راض عن إي "تنازل" من المحتمل أن يقدمه نتنياهو في مفاوضاته مع الفلسطينيين.

ولكني أذهب إلى أبعد من هذا، فطرحه لفكرة تبادل سكان مع أراض، وقد يكون هذا الأمر مختلفا عن فكرة الترحيل نفسها لأول وهلة، ولكنها في أساسها ترحيل، فإنه يضع عراقيل أمام المفاوضات الإسرائيلية ـ الفلسطينية برعاية أمريكية.

ومن ينتبه إلى المفاوضات يلحظ أنه بمجرد البدء بها قام سلاح الجو الإسرائيلي بقصف عدة مواقع في غزة، وقامت وحدة الاغتيالات في جيش الاحتلال بتنفيذ اغتيال قيادي من حماس في طولكرم، وها هو ليبرمان يطلع بعقبة جديدة. هذه "حركات" سياسية لتظهر للمفاوض الفلسطيني أن مسألتي أمن إسرائيل ووضعها الديمغرافي في سلم الأولويات. فالأمن لا تفاوض بشأنه مطلقا. والخطر الديمغرافي يهدد مستقبل إسرائيل.

والورقة الأصعب هنا، ومنذ اتفاقيات أوسلو، هي عرب 48 أي الفلسطينيين في الداخل. فمنظمة التحرير الفلسطينية بحال أنها وقعت على اتفاقية أوسلو قد وضعت فلسطينيي الداخل خارج إطار التسوية. وإسرائيل أصرت أنهم مواطنون فيها ولا تفاوض بشأنهم. فما بال ليبرمان يطرح هذا الأمر حاليا؟ إنه رافض لأوسلو كرئيس حكومته نتنياهو الذي أعلن انه دفن أوسلو نهائيا، وانه ـ أي ليبرمان ـ ينقل مشاعر وأحاسيس بل قرارات الطغمة السياسية في التخلص من فلسطينيي الداخل على حساب التسوية.

والسؤال المطروح هنا: هل ستفاوض السلطة أو المنظمة على فلسطينيي الداخل؟ أم أن على فلسطينيي الداخل الالتفاف حول بعضهم البعض ودراسة تصريحات ليبرمان وما يدور قبلها ومن حولها بعين الجدية ويتداولوا في موقف واحد حازم، وهو معروف لنا جميعا: أننا نحن فلسطينيي الداخل أبناء البلاد الأصليين نرفض رفضا قاطعا أي طرح لتبادل سكان بأراض، أو تبادل سكان (تبادل فلسطينيي الداخل بالمستوطنين في الضفة الغربية)، بل نحن متمسكون بحق العودة لكل الفلسطينيين إلى ديارهم. وأننا لسنا ضيوفا لنكون دمية بيد هذا السياسي أو ذاك في إسرائيل أو غيرها. وليبرمان ذاته ومن حوله هم حالة طارئة حلت على وطننا وكانت سببا في نكبة شعبنا.

ولكن الطرح السليم هو في توجه قيادات فلسطينيي الداخل إلى التمسك بالدولة الديمقراطية التي تتعامل مع كل مواطنيها على أساس من المساواة وليس على أساس عرقي. لهذا، فتصريحات ليبرمان ليست عابرة، وإن كان قد طرحها مرارا وتكرارا، ولكن يجب عدم العبور عنها والانتقال إلى قضية ثانية، باعتقادنا أنه بات على القيادات السياسية والفكرية الفلسطينية في الداخل دراستها والخروج بموقف واضح وصريح يتم بواسطته التوجه إلى السلطة الفلسطينية والى الحكومة الإسرائيلية والى الجامعة العربية والهيئات الدولية الأخرى بما يحتويه.

إننا، وفي خضم الضغط الإسرائيلي والأمريكي على قيادات في السلطة الفلسطينية بهدف التوصل إلى تسوية تفقد القضية الفلسطينية من جوهرها، علينا أن نخطو خطوة سياسية واضحة تساهم في إعادة القضية الفلسطينية إلى محورها الأول، وهو أنها قضية شعب وليست قضية مساومات.