حل الدولتين.. الصهيونيتين../ سمير كرم

تدل كل المؤشرات الصادرة من المفاوضات المباشرة بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية على أن إسرائيل تريد أن تستمر في حكم العشرين في المئة من أراضي فلسطين التاريخية التي ستكون نصيب الفلسطينيين من الأراضي في نهاية المطاف.

بمعنى آخر فإن إسرائيل تريد أن تفرض سلاماً صهيونياً كنتيجة لمفاوضات السلام. أي أنها تريد سلاماً تحكمه العقيدة الصهيونية ليس فقط في دولة إسرائيل كما نعرفها اليوم بحدودها الجغرافية ونظام الحكم وبهيمنتها الإقليمية والعالمية، وتريد أن تشمل العقيدة الصهيونية في الحكم أيضا الدولة الثانية، فيما يسمى "حل الدولتين".

وينبغي أن لا يفوتنا هنا أن العقيدة الصهيونية ليست في الأساس عقيدة دينية أو فكرية، إنما هي عقيدة في الحكم والسيطرة. وتمسّك إسرائيل بالصهيونية هو في أساسه تمسك بطريقة في الحكم. أفكار الصهيونية لا تتعلق بالمجتمع قدر ما تتعلق بالدولة التي تحكم هذا المجتمع، أي الطريقة التي تتم بها الدولة قمع الطبقات لقبول حكمها بينهم... حتى لا نقول قمع طبقة لباقي الطبقات المجتمعية.

كذلك ينبغي أن لا يكون خافياً أن الصهيونية الأميركية التي تضع نفسها في خدمة النخبة الحاكمة الإسرائيلية، أي في خدمة النخبة الصهيونية، تقوم بدور مساعد لا يمكن إغفال النظر عنه في المسعى الأميركي لإنجاح هذه المفاوضات المباشرة. فلقد تمكنت العقيدة الصهيونية بقوة من السيطرة على مجالين أساسيين في الحكم، أحدهما الاقتصاد وثانيهما السياسة الخارجية للدولة الأميركية, وفي هذين المجالين تحديداً تظهر هيمنة الصهيونية الإسرائيلية على الدولة الأميركية، على نحو يتجاوز كثيرا قدرات اللوبي الصهيوني الأميركي، الذي يلعب دورا مستمراً في توجيه السياسة الأميركية لمصلحة الصهيونية الأميركية.

من ثم فإنه ليس من العسير إقناع الدولة الأميركية بأن دولة فلسطينية "صهيونية" ستكون في خدمة الولايات المتحدة ومصالح الدولة الأميركية على غرار إسرائيل... حتى وإن بدا للمراقب العربي أن الأمر هو على العكس تماما من ذلك.. أي أن الدولة الأميركية هي في خدمة الصهيونية الإسرائيلية لأبعد مدى ممكن.

المهم أن ندرك أن ثمة تعاوناً أميركيا كاملاً في تنفيذ خطة "حل الدولتين. وهنا أيضا لا بد من إيضاح الفرق بين مجتمعين ودولتين. لا يمكن تحويل المجتمع الفلسطيني أيا كانت مساحة الأرض التي يعيش عليها إلى مجتمع صهيوني، فهو مجتمع عربي الثقافة والتاريخ والعقائد الدينية والأخلاقية وعربي النظرة للمستقبل... أما الدولة فهي شيء آخر. أنها أداة الحكم والسيطرة على الطبقات. وليس من قبيل الصدفة أن المجتمع الفلسطيني قد شهد في السنوات العشرين الأخيرة تبلور نخبة ثرية يمكن أن تلعب دور الطبقة الرأسمالية في التعامل مع العالم الغربي ـ أميركا أولا ـ لم تكن موجودة إلا في الشتات الفلسطيني.

أما الآن فان ثمة نخبة حاكمة فلسطينية في السلطة تملك وتحكم، تملك الثروة وتحكم بها ومن اجل صيانتها. وهذا وضع ساهمت الولايات المتحدة في خلقه وتجده ملائماً كثيرا لمصالحها.

ربما نتساءل إذا كانت السلطة الفلسطينية برئاسة عباس تعي ـ بوعي كامل ـ خطة إسرائيل لتحيل سلطته في الحل المنتظر إلى دولة صهيونية تدين بالتبعية للصهيونية الإسرائيلية. وأياً كان الجواب فإن نيات إسرائيل تبقى كما هي: أن تحكم الدولة الفلسطينية حكما مباشرا من خلال وجود المستوطنين اليهود في أراضي الدولة الجديدة... وهذا احد أهم أسباب تمسك اليمين الإسرائيلي الحاكم باستمرار الاستيطان في الأراضي التي ستصبح خاضعة نظرياً للدولة الفلسطينية. إن الدولة الفلسطينية التي تحكمها الصهيونية تشكل الضمان الكامل لسيطرة إسرائيلية عقائدية وفكرية وسياسية واقتصادية، بل وحتى نفسية، على الدولة الثانية.

إن إسرائيل الصهيونية ممثلة بشكل خاص في اليمين الحاكم الآن بزعامة نتنياهو لا يكتفي بأي قدر من التعهدات من جانب السلطة الفلسطينية بأن الدولة الفلسطينية لن تكون معادية للسامية أو لن تكون ذات سياسة قامعة للعداء للسامية. وهذا سبب آخر لإصرار دولة إسرائيل على أن تكون الدولة الثانية التي ستقوم إلى جانبها، إنما بسيادة محدودة ومنزوعة السلاح، ستكون صهيونية الاتجاه والسياسات. ولا نستطيع أن نغفل حقيقة أن إسرائيل حاولت في زمن سابق أن تطبق القاعدة نفسها على السلام مع مصر ثم على السلام مع الأردن ولكنها لم تستطع المضي في محاولتها إلى المدى الذي تهدف إليه الآن بالنسبة للدولة الفلسطينية.

قد يواجهنا عند هذا الحد من رؤية الهدف الإسرائيلي في المحادثات المباشرة تساؤل ـ وهو بالتأكيد تساؤل مشروع ـ عما إذا كان هذا الطرح غريباً في وقت تتراجع فيه الصهيونية بعد كل ما ارتكبته إسرائيل باسم الصهيونية من أخطاء، بعضها بحجم جرائم... ابتداء من حرب تموز 2006 في لبنان ثم الحرب على غزة في شتاء 2008-2009 ثم جريمة قتل تسعة من نشطاء السلام الأتراك على السفينة التي كانت متجهة بهم إلى غزة من اجل رفع للحصار الإسرائيلي عنها.

نعم السؤال مشروع ولكن تراجع الصهيونية في أنظار العالم ونشطائه المدافعين عن السلام وحقوق الإنسان إنما يشكل سبباً إضافياً لحقنها بقوة إضافية، علها تبدو كما بدت في بداية تأسيس الدولة الصهيونية: إسرائيل. إن الصهيونية في ظروف التراجع الحالي تطالب من يرعاها ويقدم الأدلة على نجاحها على أن يضع أختامها على أوراق تأسيس الدولة الفلسطينية تحت مظلة إسرائيل العسكرية والأمنية والسياسية.

إن العالم يمر الآن بلحظة تاريخية لم يعد فيها يرى أخطاء إسرائيل الإستراتيجية والأمنية مسؤولية إسرائيلية بحتة، إنما يردّ هذه الأخطاء إلى العقيدة الصهيونية ويوجه انتقاداته إلى الصهيونية وزعمائها والى مجموعة الأساطير ـ الأكاذيب التي بنيت عليها، منذ البداية، ثم تحولت إلى عقيدة تتبنى التطهير العرقي وتمارس سياسة القوة وسياسة الاستعمار الاستيطاني والتشريد ضد الفلسطينيين. وهذه هي بالتحديد اللحظة التي يعتقد زعماء الصهاينة في إسرائيل وأميركا أنها تتيح الفرصة لرد الاعتبار للصهيونية.

أما كيف يكون رد الاعتبار للعقيدة الصهيونية فإن التمسك بهذه العقيدة يفرض سلوكيات ونظريات معينة لا يمكن التخلي عنها من دون التخلي عن الصهيونية، وبالتالي التخلي عن سبب وجود إسرائيل حيث هي. إن المتمسكين بالصهيونية لا يستطيعون على أي نحو أن يغيروا نظرتها العنصرية للمسلمين والمسيحيين، الفلسطينيين بوجه خاص. فهؤلاء في نظر المعتنقين للصهيونية في مرتبة أدنى من المرتبة البشرية وبالتالي لا يمكن أن يمنحوا الحقوق التي تمنحهم العقيدة السماوية لليهود من دون غيرهم (..).

والعالم أيضا يمر بفترة إعادة نظر في الاعتقاد الذي رسخته إسرائيل بأنها دولة ديمقراطية بحكم كونها صهيونية. لقد كشف العالم بوضوح ازدواجية النظرة الإسرائيلية إلى من هو يهودي صهيوني ومن هو يهودي مناهض للصهيونية، ثم إلى من هو غير يهودي. هذه مستويات ثلاثة للتعامل مع البشر حتى من هم مواطنون إسرائيليون، وهذا مناقض تماماً لزعم الديمقراطية.

إن استخدام إسرائيل لمعايير دينية في التمييز بين الناس، يتناقض كلية مع مبادئ الديمقراطية، ولكنه لا يتناقض إنما يتفق تماما مع ما تمليه العقيدة الصهيونية بنظرتها العنصرية التي لم تعد تخفى على المعنيين بقضايا السلام وحقوق الإنسان، فضلا عن ميلها الجارف لاستخدام القوة المفرطة والعنف حتى ضد المدنيين غير المسلحين. وقد شهدت على ذلك حتى الصور التي وزعها الجيش الإسرائيلي لعمليات قذف غزة بالقنابل الفوسفورية البيضاء، والتفاصيل عن هذا العدوان الواسع أكثر من أن تحصى.

ولا تزال إسرائيل تبدي حرصاً لم تتوقف عنه أبدا في أي مرحلة منذ تأسيسها على أن تبعد الأمم المتحدة عن "القضية الفلسطينية". ليس هذا فقط لأنها تفضل الولايات المتحدة على الأمم المتحدة كطرف ينحاز لها بصفة دائمة، إنما لأن الأمم المتحدة تمثل بالنسبة لإسرائيل المنظمة التي تابعت الصهيونية من بداية تأسيس الدولة اليهودية واتخذت منها مواقف سلبية في أقل الأوصاف. وما إبعاد الأمم المتحدة عن مفاوضات يفترض أن هدفها تأسيس دولة جديدة هي الدولة الفلسطينية إلا دليل إضافي على أن إسرائيل تريد لهذه الدولة أن تكون تابعة لها قبل أن تكون عضوا في الأمم المتحدة فضلا عن أن تولد في داخل المنظمة الدولية.

فضلا عن هذا كله فان إسرائيل تريد دولة فلسطينية تسيطر هي على مستقبلها، ترسم هي حدود علاقاتها مع العرب والدول العربية، على أساس من منها، أقام علاقات سلام مع إسرائيل ومن منها لم يدخل السلام مع إسرائيل من أي من أبوابه.

إن إسرائيل تريد أن تكون الدولة التي تحكم الجزء اليسير من فلسطين الذي سيكون تحت حكم السلطة دولة تستطيع أن تضمن أحداث اليوم التالي ليوم توقيع معاهدة السلام أو معاهدة الدولتين. ولنا أن نتصور نوع التعهدات التي ستلزم إسرائيل بها الدولة الثانية لكي تضمن أمنها...تعهدات ضد المقاومة، تعهدات ضد مناهضة الصهيونية أو التعاون مع المنظمات والجمعيات المناهضة لصهيونية إسرائيل، وتعهدات ضد التعاون أو حتى التعامل مع المنظمات والجمعيات اليهودية التي سبق لها أن ارتكبت خطايا تأييد حقوق الشعب الفلسطيني، أو تلك التي تظاهرت يوماً ضد الترسانة النووية الإسرائيلية في أوروبا أو في أميركا أو آسيا أو في أي مكان.

ولن تستطيع إسرائيل أن تحتمل دولة فلسطينية تقيم صلات مع المنظمات الأميركية التي تناهض الصهيونية، أو التي تعتقد ان كل ما تعاني منه الولايات المتحدة من عداء أو كراهية من جانب المسلمين أو أنصار السلام وحقوق الإنسان، إنما يرجع إلى تحيّز أميركا التام واللامبدئي واللاأخلاقي لإسرائيل ضد العرب وضد المسلمين. ولا يضمن هذا الامتناع الفلسطيني عن التعامل مع منتقدي إسرائيل إلا أن تكون الدولة الفلسطينية نفسها دولة صهيونية.. أي جهاز قمع لكل ما هو ومن هو ضد الصهيونية ومبادئها وممارساتها.

ولا يمكن أن يغيب عن أذهان المفاوضين الإسرائيليين وسط هذا كله أن الحل البديل المطروح من قبل كل القوى التقدمية فلسطينية وعربية ويهودية وعالمية هو حل الدولة الواحدة الديمقراطية التي يعيش فيها اليهود والفلسطينيون مسيحيون ومسلمون على قدم المساواة. هذا هو الحل المناهض للصهيونية فعلا الذي يمكن أن تنتهي إليه القضية الفلسطينية نهاية عادلة من وجهات النظر تلك، عدا وجهة النظر الإسرائيلية الصهيونية. ولا يكاد يكون هناك شك في أن إسرائيل تريد المفاوضات المباشرة من اجل حل الدولتين لتتخلص من حل الدولة الواحدة أكثر من أي احتمال آخر.

إنه التمسك بالصهيونية والحل الصهيوني الذي يجعل إسرائيل تريد حل الدولتين وتريده بصفة أساسية أن يكون حل الدولتين الصهيونيتين.

قوة إسرائيل وراء حل الدولتين بهذا المعنى. وقوة الولايات المتحدة وقدراتها وراء حل الدولتين أيضا بهذا المعنى. تؤيده الصهيونية الإسرائيلية وتعمل بكل جهدها لانجازه. وتؤيده الصهيونية الأميركية وتعرض إمكانياتها لتحقيقه.
وفي هذا الإطار المحفوف بالمخاطر، لا يتمتع حل الدولتين بتأييد حقيقي خارج إطار الدولة الإسرائيلية وخارج إطار الدولة الأميركية. فلقد أصبحت الصهيونية حصانا خاسرا في سباق السلام حتى وإن كانت لعبت دور الحصان الفائز في سباق الحرب.

وأصبح من الضروري خوض المعركة الآن باعتبارها المعركة ضد الصهيونية... وضد خطط الدولتين الصهيونيتين الإسرائيلية والفلسطينية.