الانتفاضة ليست دواء( أبوفاس)!../ رشاد أبوشاور

الانتفاضة ليست دواء( أبوفاس)!../ رشاد أبوشاور

يدعو بعض الفلسطينيين لتفجير انتفاضة ثالثة، تحت ضغط الشعور بفداحة المأزق الخانق، وأمام تفاقم سرقة الأرض الفلسطينيّة، وضياع القضية في متاهة المفاوضات، مباشرةً، وغير مباشرة.

 

أيام زمان كنا نسمع بدواء عجيب معبأ في زجاجات صغيرة، اسمه (أبوفاس) - لاحظوا أنه أبو.. قبل أن يهّل علينا زمن الأبوات! - وكان يستعمل لكافة الأمراض: للمفاصل، للظهر، لتدليك البدن اتقاء لنوبات البرد، للصدر علاجا للنزلات، وكانت العجائز يتعاملن معه بمنتهى الاحترام، ويحرصن على امتلاكه لأنه يشفي من أي مرض، وهو رخيص.

 

أبوفاس كان جاهزا دائما، وفي الخدمة، وهو غير معروف المصدر، لكنه محترم رغم أصله المجهول، وهو إن لم يُشف فإنه لا يضر.

 

شعبنا أبدع انتفاضتين، فاجآتا الصديق قبل العدو، وأدخلتا مصطلح الانتفاضة إلى لغات العالم، و.. لكن الانتفاضتين قوضتا، وضيعتا، وبددت منجزاتهما، بل إن انتفاضة الأقصى آلت في ختامها إلى أفراد استعراضيين، تمهيدا لإنهائها، وتسخيفها، وإحباط الناس من ( الزعرنات)، وعراضات الطخ في الهواء، ناهيك عن ممارسات مخزية أدت إلى نفور الجماهير، بسبب تلك الممارسات المفتعلة المدبرة.

 

تتردد كثيرا هذه الأيام الدعوات لتفجير انتفاضة ثالثة، والكلام ليس مكلفا لأصحابه، فليقولوا كلاما كبيرا غير آخذين بعين الاعتبار ما انتهت إليه الانتفاضتان. الانتفاضة الكبرى أنهيت في عتمة مفاوضات أوسلو، والثانية أنهيت في القاهرة، وشرم الشيخ، وطابا، والحصيلة مزيد من الاستيطان، والنهب، والسجناء.

 

يقول لي صديقي القادم من رام الله: قبل أن تأتينا السلطة، لم يكن المستوطنون يجرؤون على الاقتراب من زيتوننا وتيننا وعنبنا، ودروبنا في الجبال والتلال، وشوارع مدننا. كنّا نعيش مرتاحين اقتصاديا، أبناؤنا في الجامعات والمدارس، وليسوا في السجون، ولا متبطلين في الشوارع. وعدونا بالسلام والدولة، والازدهار الاقتصادي!..انظر إلى الخراب في زمن السلطة! . أين أرضنا؟ أين حقولنا؟ ألم نكن في حالة اشتباك مع العدو يوميّا؟! كنّا نعيش رغم احتلاله، وكان احتلاله مكلفا له. في زمن السلطة ارتاح الاحتلال من الإنفاق المالي، من حالة الوهن التي عاناها جنوده. اليوم باتت الضفّة سوقا اقتصادية له، يكب فيها نفاياته، ويشفط لاقتصاده أكثر من ثلاثة مليارات دولار سنويا!

 

عنده أجهزة فلسطينيّة متعاونة، منفذة، وهو ينقّض على المقاومين بسهولة، وبلا تكلفة.

سألني الصديق العتيق، صديق الطفولة، وملامح وجهه مزيج من الغضب والحزن: أتريد أن تنصحنا بالانتفاضة؟ وانخرط في الإجابة دون أن يسمع ردّي على جوابه: انتفاضة للبيع ستكون الانتفاضة الثالثة إن لم يعرف شعبنا إلى أين، من يقوده، وما الأهداف التي لا محيد عنها، ولا تنازل!

 

أنا لبثت ساكتا، فالذي يتكلّم لم يكن يلعب، وخسائر أسرته كبيرة، وهو لا يباهي بتضحيات تلك الأسرة، لكنه يتساءل: لمن ضحينا؟ لفلسطين أم لأصحاب السيّارات، واللصوص، ومن يسهرون مع ضبّاط الاحتلال، ويستضيفونهم في بيوتهم، على مقربة من بيوت الشهداء والأسرى الذين يذوون في معتقلات عدو لا يرحم!.

 

يواصل صديقي القديم: يتجعّص القادة أمام الكاميرات ويتحدثون بوقار عن ( شعبنا) ، شعبهم!..ويحكمون عليه بأنه في غير وارد الانتفاضة حاليّا، لأنه ملّ، وتعب، وأرهق، ويحتاج لالتقاط الأنفاس.

 

أترى: إنهم يُشفقون على شعبنا، وإنهم مُحللون موضوعيّون!

هم لم يتعبوا، ولماذا يتعبون؟ هم مرفهون، أسرهم مرتاحة، الأموال تسيل بين أيديهم، حتى مرافقوهم مرتاحون ومبسوطون!

هم يخافون من تفجّر الانتفاضة الثالثة، ويتربصون بها، ويهيئون أنفسهم للمساومة عليها. ونحن لا نثق، لا بالمفاوضين، ولا بأدعياء مقاومة  يُزاحمون على السلطة!

 

أنا غرقت في الصمت، وطبعا لم أزعجه بتحليل مستفيض عن ضرورة الانتفاضة، فأنا أعرف أن شعبنا الخبير، المُجرّب، يريد الانتفاضة الثالثة، ولكنه حذر فقد لُدغ مرارا، وهو لن يسلّم مقاديره لقيادات برعت في التفريط بمنجزاته، ترهلت وباتت أسيرة ضعفها ومصالحها.

 

ليست الانتفاضة ( أبوفاس) علاج العجائز اللواتي لم يزرن طبيبا، اللواتي لفرط ما يعانين من أوجاع فإنهن يتوسلن من أبي فاس تخفيفا ولو طفيف من أوجاع تحرمهن من النوم!

يعرف شعبنا أن مرضه المعوّق داخلي: ذاتي.. وأنه لن ينتصر ما دام هذا المرض معششا متغلغلاً في داخله.

كيف يفجّر شعبنا انتفاضة ثالثة والفصيلان( الكبيران) يمزقان صفوفه، واحد فقد الطريق منذ أوسلو، والآخر أغلق على نفسه القطاع، ويعيد نفس خطاب من سبقه: دولة في حدود ال67؟!

 

كيف يفجّر شعبنا انتفاضة ثالثة والفصيلان ( الكبيران) - وكبرتهما على خازوق الاحتلال!- يشغلانه بمفاوضات المصالحة، هو الذي ما عاد يصدقهما.

شعبنا يغلي كالمرجل، وهو يخسر أرضه، وقدسه، وحقوله، ومساجده، وهو محروم من زيارة أبنائه وبناته وأطفاله في معتقلات العدو، وهو يستباح من المستوطنين!

 

شعبنا يتألّم من الفساد والفاسدين، ومن تفاهة من يمتهنون كرامته بالاستقواء بالاحتلال.

شعبنا اعتاد اقتسام الرغيف وجرعة الماء، في الانتفاضتين، وهو ينظر باشمئزاز لسلوكيات متعصبين لفصائلهم، ومحازبيهم!

شعبنا لا يثق، ولن يثق، إلاّ بمن ينزلون إلى الميدان، يسبقونه في الميدان، يحددون النهج ولا يحيدون عن المبادئ، يخسرون كما يخسر، ويعيشون كما يعيش المعاناة بكافة صنوفها. شعبنا سيثق بقيادات ليست vip، تفخر بأنواع سيّاراتها أكثر مما تفخر بأيّام نضالها!

 

هل سمعتم عن إضراب كبار الموظفين في السلطة احتجاجا على سحب السيّارات منهم وتقنين البنزين على أساطيل سيّاراتهم؟!

هنا يأتي دور أصحاب الكلمة الشريفة الشجاعة، والمناضلين المُجربين، وكل من فقدوا الرهان على الفصائل التي فقدت مبررات وجودها، والتي تخلّت عن تحرير فلسطين، وباتت تسخر من المؤمنين بتحرير وعروبة فلسطين.

من تخلّوا عن الأهداف، وجنحوا (للواقعية)!.. أوقعوا شعبنا في الهاوية، وتركوه ليفاوضوا العدو، أو ليتفاوضا مع بعضهم على مصالحة كاذبة، بدلاً من الاتفاق على برنامج الوحدة الوطنيّة.

 

ليست الانتفاضة علاجا مُرتجلاً، إنها حدث كبير تاريخي مصيري، يبدعه شعب مُجرّب، يتوّج كفاحه بقيامة عارمة، هدفها استراتيجي تغييري، وليست فعلاً تكتيكيّا يقايض عليه قادة بائسون طامحون، يأخذون مواقعهم وأدوارهم بالتنازلات!

مبعث حيرة شعبنا.. هما الفصيلان (الكبيران)، والقيادات التي باتت أسيرة كاميرات الفضائيات وأضواء الشاشات، في حين تغرق قضيتنا في تآمر إدارة أوباما ونتينياهو وعصابته.

 

استيقظت على صوت صديقي: شعبنا سينتفض، ولكنه يريد أن يضمن عدم سرقة انتفاضته، وهذا لن يكون بغير تطهير الداخل الفلسطيني..أم لك رأي آخر؟!

وجدتني أجيبه: نحن نحتاج لعلاج غير( أبوفاس) لإنقاذنا من المرض الذي استوطن جسدنا الفلسطيني، علاج يُطهرنا ويعقمنا ويزرع المناعة في عُمق بدننا، ويمكننا من القضاء على كل أنواع الجراثيم والطفيليات المُصدّرة إلينا لتبتلينا بالأمراض المزمنة!