المفاوضات المباشرة: إنهاك أو تحضير لمسرح العمليات../ ظافر الخطيب

لم يكن اتفاق أوسلو ومنهجه اقل من شرك يراد منه إيقاع الحالة الفلسطينية في عملية طويلة، ذلك أنها بكل تفاصيلها هي الرافعة الفعلية للنضال الفلسطيني، وبناءً عليه فإن أسرها و إنهاكها عبر حرمانها من كل نقاط قوتها والضرب في منطقة القلب، المدخل لتصفية القضية الفلسطينية، ضمن مسار يقود حكماً إلى تطبيع الواقع والاعتراف به (إسرائيل) بجوهرها العنصري القائم على يهودية الدولة و تفوقها.

فالقضية الفلسطينية هي عقدة يجب معالجتها، ولأنها مستحكمة في الوعي الفلسطيني، و تشكل ركيزة المقاومة وثقافتها، منها تستمد اوكسيجينها، فإن تبهيتها من خلال تحولها إلى قضايا متفرعة، والتحكم بمسار الوقائع الميدانية، إنما يقود حكماً إلى سقوطها من الوعي أولا وقبل كل شيء. وعليه، فان المفاوضات الأخيرة تخالف كل معطيات الواقع، فكيف ذلك ؟

تعيش الإدارة الأوبامية مأزقها، وما تراجع شعبية اوباما كما تبينه استطلاعات الرأي إلا دليلا على ذلك، يمكن رصد الأداء الأمريكي في السياسية الدولية لتلمس هذا المأزق، الذي يتعمق جراء عدم قدرة اوباما على تحسين الاقتصاد الأمريكي بما يمكنه من إقناع الناخب الأمريكي، خاصة انه أمام محطة انتخابية و هو يتخوف من خسارة الغالبية في الكونغرس.

كذلك الأمر بالنسبة للحالة في العراق، والتي تشكل تعبيراّ عن الفشل الأمريكي، وربما من المبكر الحكم عليه بالفشل و التعامل معه على أساس أنه مقدمات فشل، و من الواضح أن أمريكا بكل عظمتها تعجز عن تثبيت دعائم النظام السياسي فيه بدون التعاون مع سوريا وإيران، اللتين اعتبرتا في منزلة الخصم للمشروع الأمريكي، و فشلها الذريع في أفغانستان، و الخسائر الفادحة التي تلحق بها و بسمعة جيشها وهي تعجز عن مواجهة تصاعد العمليات العسكرية ضد قوى التحالف الغربي.

أما إسرائيليا فهناك مقولة يصدقها البعض و يتخذ من سنة كامب ديفيد مصداقاً لقوله، بأنه وحده اليمين الإسرائيلي القادر على الدفع بالكيان الصهيوني نحو تقديم تنازلات "مؤلمة"،لأنه يمثل الشريحة الأكثر تطرفاً، وبالتأكيد سيحصل على تأييد أحزاب كاديما والعمل وغيره.... هذه المقاربة لا تنفع هي ومصداقها، ذلك أن اليمين الحالي يختلف عنه في العام 1978، كما أن نتنياهو لا يمتلك شخصية و حيثية مناحيم بيغن، الذي يسجل له مشأمة كامب ديفيد،يضاف إلى ذلك أن بيغن كان يمتلك أريحية في حكم اليمين آنذاك، ولم تكن هناك ثنائية التأثير والزعامة كثنائية نتنياهو ليبرمان والتي يتضح يوماً أنها ليست وهمية.

هذا يعني أن إيقاع نتنياهو مضبوط وفق هاجس تماسك الائتلاف الحكومي، وهو تماسك تقف له ليفني و كاديما بالمرصاد خاصة أنها ما زالت تملك كتلة كبيرة في الكنيست ويمكن أن تأتلف مع شاس والعمل لتحقق الغالبية النيابية، والبديل عند نتنياهو هو الدخول في مفاوضات معها لتشكيل حكومة وحدة وطنية برأسين أو بحضور كبير لكاديما، وليس هناك ما يجبره على تجرع هذه الكأس المرة إلا فرضية واحدة، هي أن دولة الكيان الصهيوني مقدمة على استحقاق كبير من نوعي الحرب والتسوية.

فلسطينيا: دخل أبو مازن إلى المفاوضات وهو عارٍ تماماً، من كل عناصر القوة، فالشرعية التي كان يمثلها انهارت أو تكاد، وما يحكى عن نيته بالاستقالة هي تجلي واضح لمأزقه، فلا هو يستطيع ادعاء الشرعية الدستورية بعد انتهاء فترة "رئاسته"، ولا الشرعية الشعبية، فسلوكه السياسي هو سلوك انقسامي، و حتى فكرة منظمة التحرير برغم أهميتها فإنها تسقط أمام استباحتها و ما قول الجبهة الشعبية في هذا الإطار عن الأداء السيئ والخارج عن قرارات (المجلسين الوطني والمركزي) سوى دليل إضافي، وهناك موضوع اللاجئين و إدخاله في حالة من الغموض السلبي على ضوء مقولة أبو مازن(الحل العادل) بدلاً من حق العودة، وهو استخدام ينزع عنه شرعية التصرف باسم الشعب الفلسطيني.

هذه الأوضاع المأزومة، لا تعطي الأطراف المهيمنة على المفاوضات، القدرة على فرض حل من نوع الحل العادل أو الشامل، ويبرز هنا معطى هام يتجلى في المقاومة، و بالرغم من كل ما يتعرض له هذه المحور من حصارٍ و ضغوطات، فإنه ما زال يمسك بأوراق قوة تسمح له بقدر هام من المناورة والصمود، بما يوجه الصراع نحو التعقد ويطرح معه فرضية الدخول في دورة جديدة من المواجهة أعقد من سابقاتها، بمقدار ما تحمل من رهانات. وعليه يمكن استخلاص التالي:

حاجة الأطراف المأزومة إلى انجازات تقدمها لمجتمعاتها، وربما نكون أمام قنوات سرية بما يشبه مخاض أوسلو، وهناك يصبح ما يحدث حاليا عبارة عن تنفيذ لسياسة تمويه وإلهاء متعمدة قد يتبعها دورة عنف محدودة، ربما باتجاه غزة اضعف حلقات المواجهة يليها الحل الممكن والمقبول، وبطبيعة الحال فإن تنازلات الطرف الأوسلوي حتمية و حاسمة.

إن الأطراف المأزومة تعرف مقدار العقد الموجودة و تعي صعوبة تحقيق تقدم كبير، لكنها تحتاج إلى المفاوضات من أجل كسب الوقت أو استثماره كلٌ في مساحته، و وهنا أيضا يصبح الطرف الفلسطيني الخاسر الأكبر خاصة إذا اتضح انه لدى الفريق الفلسطيني الأوسلوي الاستعداد للدخول في مغامرة جديدة.

إن المنطقة مقدمة على حرب، فرضية مؤكدة لا جدال فيها، لكن توقيتها ينتظر تحديد مقدار الكلفة المحتملة، في هذه الحالة نحن أمام تحضير مسرح العمليات المفترضة، وعليه تكون النتيجة أن الطرف الأوسلوي الفلسطيني مستعد كلية لاتخاذ إجراءات تدابير ومواقف لا تنسجم مع التاريخ الفلسطيني و ثقافة الشعب الفلسطيني،كما أنها غير منسجمة مع مصلحته العليا.

لقد بات واضحاً، أن التناقض بين النخبة الأوسلوية ومصلحة الشعب الفلسطيني يزداد، ومعها الهوة تتسع بحيث أن إعادة قراءة المشهد الفلسطيني برمته،تاريخاً وحاضراً، هو مطلب يجب أن تبادر إليه كل القوى الديمقراطية الفاعلة والمتفاعلة، ولا يجب أن يكون هناك مقدسات في هذه القراءة، خاصة في حالة العلاقة العابرة لديالكتيك الوحدة الوطنية التي رسخها جورج حبش، لكنها لم تستوعب جيداً من قبل قوى الهيمنة على النظام السياسي الفلسطيني.