ديمقراطية "الأسياد" ودكتاتورية "العبيد"../ زهير أندراوس

مع افتتاح الدورة الشتوية للكنيست الـ18 طفا على السطح نقاش داخل الأحزاب الصهيونية حول طابع الديمقراطية الاثنية في إسرائيل. رئيس الكنيست، رؤوفين ريفلين، هاجم في كلمته رئيس الوزراء، بنيامين نتنياهو، قائلاً إنّه من غير المعقول أنْ تقوم الحكومة بتفريغ الكنيست من وظيفتها ومنعها من ممارسة مهامها في إطار ما أسماها بالديمقراطية البرلمانية، مشددًا على أنّ الدولة العبرية لا يمكنها أنْ توافق على إمعان الحكومة الحالية بالسيطرة على مشاريع القوانين.
 
ريفلين، كما هو معلوم، صهيوني وحديثه ينبع من غيرته على الدولة اليهودية وقلقه من مستقبلها، وتحذيره من تحول إسرائيل إلى دولة شبه رئاسية، هو تحذير منطقي، من وجهة نظر من يتبنى الصهيونية ويتماشى وفق تعاليمها، فهذه الحركة وصنيعتها إسرائيل هما وجهان لعملة واحدة: الكولونيالية الاستعمارية، التي سلبت منّا فلسطين، وأقامت على أنقاضها دولة، ولم تكتف بذلك، بل أنّ أطماعها اجتازت حدود فلسطين التاريخية، لتصل إلى العالم العربيّ.
 
نرى أنّ هذا النقاش داخل المؤسسة الصهيونية في إسرائيل هو نقاش داخلي بينهم، لا أنّه لا يعنينا، بل بالعكس، علينا دراسته وتحديد أبعاده وتداعياته على الفلسطينيين في الداخل. مع ذلك نقول إنّ هذا التطور في ما يُسمى بالديمقراطية الإثنية، هو تطور طبيعي لنظام حكمٍ قائم على أسس كولونيالية وأدوات استعمارية، أيْ أنّ ما نتلمسه اليوم من خطر حقيقي، على الديمقراطية البرلمانية، بحسب منطق رئيس الكنيست، وحفنة من مؤيديه، هو تحصيل حاصل، فتحول نظام الحكم في إسرائيل إلى نظامٍ شبه رئاسي، أو بكلمات أكثر وضوحًا، إلى نظام شبه فاشي، هو لبنة إضافية في وصول إسرائيل إلى مرحلة ما بعد العنصرية، وما قبل الفاشية.
 
مضافًا إلى ما ذكر أعلاه، نقول جازمين إنّ الدولة العبرية منذ إقامتها في العام 1948 لم تكن ديمقراطية بالمعنى الحرفي للكلمة، لقد كانت وما زالت ديمقراطية الأكثرية اليهودية، أو الأكثرية الأوتوماتيكية، هذه الديمقراطية المزيفة كانت الأداة الرئيسة لسلب ما تبقى للعرب في فلسطين من أراضٍ، لفرض الحقائق على أرض الواقع بهدف منع عودة اللاجئين الفلسطينيين، الذين شُردوا من وطنهم خلال النكبة، لممارسة القمع على جميع أشكاله وأصنافه ضدّ من تبقى مرابطًا على أرضه وفي وطنه، وبالتالي فإنّ ما نشهده اليوم من طوفان القوانين العنصرية هو الأمر الطبيعي في أيّ مجتمع يُحكم من قبل نخبة يمينية متطرفة تؤمن قولاً وفعلاً بأنّ الوصول إلى العزل العنصري، على كل ما يحمل في طياتّه من سلبيات، على الساحة الدولية، يُحتّم التخلص من الديمقراطية البرلمانية، التي يعتقد ريفلين ومن على شاكلته، بأنّها الحصن المنيع أمام تحول نظام الحكم في إسرائيل إلى شبه رئاسي.
 
الديمقراطية الإسرائيلية هي ديمقراطية "الأسياد"، أيْ الأكثرية، وديكتاتورية "العبيد"، أيْ العرب في هذه الديار. فعلى سبيل الذكر لا الحصر، يزعم البيض في الولايات المتحدة الأمريكية بأنّهم الأكثرية في البلاد، وبأنّ القرارات تتخذ بالأغلبية. صحيح، أنّ البيض هم الأكثرية، ولكن هل هذا لا يفسح المجال أمام المثقفين وصنّاع القرار لدراسة وضع حدود معينة لديمقراطية الأكثرية، بهدف منح الأقلية حيًزا معينًا للمشاركة في عملية صناعة القرار وتحديد طبيعة النظام، وهذا الأمر ليس متوفرًا لا في من تُطلق على نفسها بلد الحريات، أمريكا، ولا في دولة ربيبتها، إسرائيل، التي تتشدق صبح مساءً بأنّها واحة الديمقراطية في الشرق الأوسط.
 
وحتى إذا سلّمنا بنقاط نيلسون الشهيرة، بعد الحرب العالمية الأولى، والتي سُميت بالإمبريالية التقدمية، والتي شملت في ما شملت الدبلوماسية المفتوحة، الحرية الإعلامية، حرية التجارة، خفض التسلح، تقرير المصير وإنشاء عصبة الأمم، وما إلى ذلك، وحتى مقولة أول رئيس إسرائيلي، حاييم فايتسمان، بإنّ امتحاننا الأول أمام العالم سيكون كيفية تعاملنا مع الأقليات، حتى لو قبلنا ذلك، فلا يُمكن بأيّ حال من الأحوال اعتبار إسرائيل ديمقراطية، فمن المستحيل أنّ تصبح إسرائيل يومّا ما ديمقراطية، لأنّ ما سُميت بالديمقراطية خرجت إلى النور ميتة، وكائنًا من كان على هذه البسيطة، لا يُمكنه إعادتها للحياة، فكم بالحري عندما يكون أصحابها على قاب قوسين أوْ أدنى من الفاشية.