الدولة لا تعني التفريط بالثوابت!!../ د.فايز رشيد

تصريح الرئيس عباس للتلفزيون الإسرائيلي والقول بأنه سيتخلى عن المطالب التاريخية للفلسطينيين إذا ما وافق الإسرائيليون على إقامة دولة على كامل حدود 1967، وضع النقاط على الحروف، وبيّن بما لا يقبل مجالاً للشك استعداد السلطة الفلسطينية للتخلي والتفريط بالثوابت الوطنية الفلسطينية، والتي هي حقوق وطنية ثابتة لشعبنا غير قابلة للتصرف وغير قابلة للمقايضة، ولا يجوز لأي قائد فلسطيني حتى ولو كان الرئيس عباس أن يمسحها بتوقيع أو بجرة قلم أو بتصريح صحفي.
 
الآن، نؤكد وأيضاً بما لا يقبل مجالاً للشك أن التصريح الذي أدلى به أمين سر اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير ياسر عبد ربه لصحيفة "هآرتس" الإسرائيلية عن استعداد السلطة الفلسطينية للاعتراف بيهودية دولة إسرائيل إذا ما وافقت الأخيرة على إنشاء دولة فلسطينية في حدود الرابع من حزيران عام 1967، هو تصريح صحيح ومقصود رغم نفي عبد ربه بعيد ذلك بسبب الضجة التي أثيرت حول التصريح.
 
ما نقوله للرئيس وأمين سر اللجنة التنفيذية ولقيادة السلطة الفلسطينية أيضاً: إن الحصول على دولة فلسطينية بحدود 67 لا يعني التخلي عن الحقوق الوطنية الفلسطينية في العودة وحق تقرير المصير، فقبل عام 67 لم يكن احتلال الضفة الغربية وقطاع غزة قائماً، ومع ذلك أقرّت الشرعية الدولية بحق اللاجئين الفلسطينيين في العودة إلى مدنهم وقراهم وإلى وطنهم التاريخي. في عام 1948 اقترفت إسرائيل تطهيراً عرقياً وأجبرت ثلاثة أرباع المليون فلسطيني على ترك وطنهم والمغادرة إلى الدول العربية المجاورة لفلسطين، وقامت في سبيل ذلك باقتراف المجازر الكثيرة بحق الفلسطينيين وهي أكثر من أن تُعدّ أو تحصى، وما تزال بعض هذه المجازر يتكشف في وقتنا الراهن، وما زال بعضها وحتى اللحظة مخفياً! هل المقصود من كلام الرئيس وتصريحاته أن نمحو هذه المجازر؟ وأن نتخلى عن حقوق هؤلاء اللاجئين (الذين أصبحوا أكثر من ستة ملايين فلسطيني) في العودة؟ من ناحية أخرى: هل يمتلك الرئيس الحق في إسقاط هذا الأمر؟.
 
لعلم الرئيس وأركان السلطة أن فلسطينيي الشتات ما زالوا يتمسكون بحقهم في العودة، هذا الحق لا يسقط بالتقادم، وأنهم ما زالوا "يحتفظون بمفاتيح بيوتهم وكواشين أراضيهم في فلسطين"، وكيف سينظر الرئيس عباس مستقبلاً (بافتراض الموافقة الإسرائيلية على اقتراحه) في عيني طفل فلسطيني في إحدى مخيمات الشتات والشقاء عندما يوجه إليه هذا الطفل سؤالاً: أنا من قرية لوبية ولماذا أضعت حقي في العودة؟ ما نسأله أيضاً: هل فكّر الرئيس عباس قليلاً في اقتراحه قبل طرحه؟.
 
للعلم فالرئيس عباس حاصل على درجة الدكتوراة من موسكو على رسالة حول (الحركة الصهيونية) ما نسأله: هل أن الرئيس يدرك حقيقة الصهيونية وإسرائيل؟ الرئيس عباس هو مهندس اتفاقيات أوسلو، وهو صاحب خيار المفاوضات، ثم المفاوضات، ثم المفاوضات، وأحد أخلص تلاميذه ومريديه وتابعيه وهو صائب عريقات الذي يسمى بكبير المفاوضين الفلسطينيين، قال جملته المشهورة (الحياة مفاوضات)، وكتب كثيراً تحت هذا العنوان وهذا المسمى!
 
الرئيس عباس يعتبر أن المقاومة هي تدمير للفلسطينيين، نسأله: بعد عشرين عاماً من التفاوض مع إسرائيل أثبتت عقم وفشل وعبثية هذا النهج، أتقول ما قلته؟ أتعتقد أن إسرائيل ستوافق على دولة فلسطينية كاملة السيادة على حدود عام 1967؟ هذا في الوقت الذي تدرك فيه الاشتراطات الكثيرة والكبيرة واللاءات العديدة التي تضعها الدولة الصهيونية أمام قيام هذه الدولة، والتي تجعل منها ليست أكثر من حكم ذاتي هزيل منقوص السيادة والكرامة! ثم على الرئيس أن يدرك: أن التنازل يقود إلى المزيد من التنازلات، فأمام التنازلات الكثيرة التي قدمتها السلطة الفلسطينية ازداد الإسرائيليون تعنتاً في التنكر للحقوق الوطنية الفلسطينية، وفي فرض المزيد من الاشتراطات على السلطة الفلسطينية، وآخرها الشرط باعتراف الفلسطينيين بيهودية دولة إسرائيل، والذي يعني طرد إسرائيل لما تبقى من فلسطينيين في منطقة 48، ومصادرة حق العودة للاجئين، بما يعني بشكل أوتوماتيكي: مصادرة حق تقرير المصير للفلسطينيين. فإذا استثينا فلسطينيي 48، وفلسطينيي الشتات، وفلسطينيي الضفة الغربية وقطاع غزة من المساهمة في تقرير مصيرهم، فما الذي يتبقى من هذا الحق؟.
 
السلطة الفلسطينية عملياً تقع تحت الاحتلال، وهي ليست أكثر من إدارة مدنية تشرف على بعض القضايا الحياتية للسكان في الضفة الغربية وقطاع غزة (بعد الانقسام أصبحت تشرف فقط على الضفة الغربية)، فأين آراء باقي الفلسطينيين يا سيادة الرئيس؟.
 
هذا في الوقت الذي ندرك فيه تماماً أن سكان الضفة الغربية بلا استثناء لا يتفقون مع طرح الرئيس، وأنهم لا يقبلون بتحقيق دولة فلسطينية لهم حتى لو كانت على كامل حدود 67 وكاملة السيادة (وهذا ضرب من المستحيلات) مقابل التخلي عن حقوق شعبهم الأخرى.
 
ما نقوله أيضاً للرئيس أن الحقوق الفلسطينية ثابتة ولا تتجزأ، وهي ليست سلعة للمقايضة أو التخلي عنها بجرة قلم في سوق النخاسة! نعم للفلسطينيين الحق الكامل في كل الأرض الفلسطينية من النهر أو البحر، وإذا كان الرئيس عباس على استعداد للتخلي عن حقوق شعبه الوطنية فإن هذا الشعب عن بكرة أبيه يرفض التخلي عنها.
 
جملة أخيرة نقولها للرئيس: إذا تعبت فاسترح!!!!.