أسئلة ما بعد الاتفاق الفلسطيني../ فهمي هويدي*

لأن المسألة أكبر من فتح وحماس، فإنني أدعو إلى الحذر في التفاؤل بتوقيع قادة الفصيلين الكبيرين على اتفاق مكة، زاعماً أن تحقيق السلم الأهلي في الأراضي المحتلة لا يزال يحتاج إلى معجزة لم تتوفر شروطها بعد.

معلوماتي أن قياديي حماس وفتح توجهوا إلى مكة وهم متفقون تقريباً على جميع العناصر الجوهرية التي عطلت تشكيل حكومة الوحدة الوطنية، باستثناء بعض القضايا الهامشية. بل انهم اتفقوا في المباحثات المسبقة التي جرت في غزة على توزيع الحقائب الوزارية، بما فيها «معضلة» وزارة الداخلية، التي ظلت عقبة حالت طويلاً دون إنجاح جولات الحوار السابقة، أكثر من ذلك فإنهم ذهبوا وهم يحملون نصاً متفقاً عليه لكتاب تكليف إسماعيل هنية بتشكيل حكومة الوحدة الوطنية، الذي سيسلمه اليه محمود عباس رئيس السلطة.

معلوماتي أيضاً أن الاتفاق حول هذه الأمور ليس جديداً، ولكن تم التوصل إليه قبل ثلاثة أسابيع من انعقاد مؤتمر مكة، وهي ذاتها الأسابيع الأخيرة التي شهدت انفجار المواجهة المسلحة بين عناصر الحركتين، مما أدى إلى سقوط عشرات القتلى ومئات الجرحى، الأمر الذي جاء دالاً على أن هناك أطرافاً حريصة على نسف كل اتفاق يتم التوصل إليه، سواء لتشكيل حكومة الوحدة الوطنية، أو لتحقيق السلم الأهلي في الأراضي المحتلة. وبدا واضحاً أن الهدف من عمليات التفجير هو عرقلة الاتفاق، وتأكيد فشل الحكومة.

في اتصال هاتفي مع سعيد صيام وزير الداخلية في الحكومة الفلسطينية، قال إن الذين جرى اعتقالهم في العمليات المسلحة التي شهدتها غزة في الآونة الأخيرة، كان معظمهم من عناصر الحرس الرئاسي وجهاز الأمن الوقائي. وقد اعترفوا في التحقيقات بأن ما قاموا به من تفجير أو مداهمة خطف تم تنفيذاً لتعليمات صدرت إليهم من رؤسائهم في الجهاز.

هذه الملاحظة سجلها وزير الداخلية في خطاب رسمي أرسله في 22/1/2007 إلى الدكتور محمد عوض الامين العام لمجلس الوزراء في أعقاب خطف أحد الصحافيين الأجانب (من بيرو) ذكر فيه ما نصه: أن معظم عمليات الخطف تتم من قبل عناصر الأجهزة الأمنية المحسوبة على الرئاسة. وقد طالبنا قادة الأجهزة باعتقالهم، ولم يحدث شيء .. وللأسف فإن عدداً من المسؤولين في مكتب رئيس السلطة يعرفون تماماً من الذي يقف وراء هذه الاعتداءات المتكررة، حيث فاوضوا الخاطفين قبل ذلك، وعرضوا عليهم مبالغ مالية. والخطف الأخير للصحافي البيروني تم الإفراج عنه مقابل كمية من الذخيرة تم تسليمها للخاطفين، الذين تربطهم علاقة وطيدة مع أحد رموز حركة فتح المتنفذين في قطاع غزة.

كل المعلقين في تل أبيب اعتبروا قمة مكة شأناً إسرائيلياً. فطوال الأسبوع الماضي كان اللقاء الذي وصفته صحيفة هآرتس بأنه «كامب ديفيد سعودي»، عنواناً رئيسياً في قنوات التلفزيون والصحف والإذاعات والمواقع الأخبارية على شبكة المعلومات (الإنترنت). وخلال أيام التحضير للقاء وأثناء انعقاده، ظل الخبراء والمستشرقون الإسرائيليون يناقشون احتمالات نجاحه أو فشله والتداعيات التي سوف تترتب على الاحتمالين. الصحافي الإسرائيلي آفي سيخاروف المختص بتغطية الشأن الفلسطيني في العديد من وسائل الإعلام الإسرائيلية، رجح كفة نجاح الاتفاق، لكنه أضاف أن أبو مازن في موقف أصعب من غيره. لأن تشكيل حكومة الوحدة الوطنية سيغضب الأميركان عليه، والفشل في التوصل إلى اتفاق سيغضب السعودية. وهو لا يحتمل هذا الغضب أو ذاك.

من ناحية أخرى، فإن رئيس جهاز المخابرات الإسرائيلية (الشاباك) يوفال يسكين، الذي يوصف بأنه الأقوى تأثيراً على القرار السياسي. صرح لصحيفة هآرتس (عدد 7/2) بأن نجاح الفلسطينيين في تشكيل حكومة وحدة وطنية يعني أنه يتعين على إسرائيل أن تتحرك فوراً للقيام بعمل عسكري في القطاع ضد حركة حماس. وهو الذي قال لموقع الصحيفة باللغة العبرية، انه طالما ظل الفلسطينيون يقاتلون بعضهم البعض، فلا مبرر على الإطلاق لأي تدخل عسكري إسرائيلي. في الوقت ذاته فإن أولمرت ألقى خطاباً أمام رؤساء المنظمات اليهودية في الولايات المتحدة قال فيه انه يتمنى ألا يسفر لقاء مكة عن أي اتفاق بخصوص الوحدة الوطنية، إلا اذا التزمت الحكومة المذكورة بشروط اللجنة الرباعية (التي في مقدمتها الاعتراف بإسرائيل ونبذ المقاومة).

من الملاحظ في هذا السياق أن أحد السياسيين البارزين، يوسي ساريد، وزير التعليم العالي الاسبق وزعيم حركة ميرتس، وجه انتقادا لاذعا لحكومة أولمرت لأنها سمحت بإجراء الحفريات في محيط المسجد الاقصى، معتبراً أن من شأن ذلك توقف الاقتتال الفلسطيني الداخلي، وتوجه الفلسطينيين مرة أخرى لمحاربة اسرائيل، نظراً لحساسية موضوع المسجد الاقصى وقضية القدس لديهم.

جدير بالذكر في هذا الصدد أن الحكومة الاسرائيلية كانت قد قررت عدم القيام بأي رد عسكري على عملية إيلات الاستشهادية التي تمت في 20/,1 وتبنتها حركة الجهاد الاسلامي (قتل فيها ثلاثة من الاسرائيليين)، حتى لا تؤدي خطوة من ذلك القبيل الى وقف الحرب الدائرة بين حركتي فتح وحماس.

حين زارت السيدة كوندليسا رايس وزيرة الخارجية الاميركية رام الله في منتصف شهر يناير الماضي، فإنها نقلت الى رئيس السلطة الفلسطينية مطلبين أساسيين، اولهما أن تمتنع حركة فتح عن المشاركة مع حماس في حكومة جبهة وطنية، وثانيهما أن يلغي زيارته إلى سوريا. وحسبما سمعت من أحد الذين حضروا الاجتماع فإن ابو مازن وعد ببحث المطلبين، وكان استغرابه من المطلب الثاني أكبر، لأنه في الوقت الذي تحفظت فيه السيدة رايس على زيارته لسوريا، فإن الرئيس العراقي جلال الطالباني، وهو حليف مهم لواشنطن في المنطقة، كان قد قام بزيارة دمشق، وأمضى أسبوعا هناك!
لم يعد سراً أن مقاطعة حكومة حماس طالما لم تقبل بالشروط الاسرائيلية (التي صارت شروطاً للرباعية)، موقف ثابت للإدارة الاميركية، التزمت به دول الاتحاد الاوروبي، و«أصدقاؤها» في العالم العربي.

كذلك لم يكن سّراً ان الادارة الاميركية أعربت طيلة الاشهر الماضية عن «رضاها» عن الفلتان الأمني في غزة، والمعارضة المسلحة التي واجهتها حركة حماس. هذا المعنى نقله بعبارات صريحة شموئيل روزنير مراسل صحيفة «هآرتس» في واشنطن، الذي نشرت له الصحيفة (في عدد 4/2 الحالي) تقريراً بهذا الصدد نقله عن المصادر الاميركية، التي أخبرته بأن السيدة رايس تستمد التشجيع مما يجري في القطاع، من أجل تكثيف الضغط على حركة حماس وحكومتها. أحد هذه المصادر ـ موظف كبير في الادارة حسب تعبيره ـ قال له أن واشنطن تتمنى أن يخرج ابو مازن منتصراً من المواجهة المسلحة مع حماس. أضاف الموظف الكبير قوله للمراسل: ان لواشنطن موقفاً واضحاً من الحاصل في غزة، ونحن يجب أن لا نكون وسطاء نزيهين بين الفلسطينيين.

في هذا الاطار فإن الصحافي الاسرائيلي البارز الوف بن ذكر في مقالة له نشرت يوم الثلاثاء 8/2 في صحيفة هآرتس معلومات مثيرة عن الموقف الاميركي من الملف الفلسطيني. إذ قال ان التقارير التي يتلقاها مكتب رئيس الوزراء ايهود أولمرت في واشنطن، تؤكد أن وزيرة الخارجية الاميركية كوندليسا رايس تضلل ابو مازن بشأن مستقبل وعدها له بالتزام الادارة الاميركية بإقامة دولة فلسطينية، وان إدارة الرئيس بوش غير ملتزمة بوعود رايس لأبو مازن. أضاف بن أن عدداً من كبار موظفي الادارة الاميركية أبلغوا تل أبيب بأن بوش يعي جيداً أنه اذا قدر للدولة الفلسطينية أن تقوم يوما ما، فإن ذلك لن يتحقق في عهده. وأشار هؤلاء الموظفون إلى أن كل ما يعني بوش حاليا هو العراق، ومحاولة الخروج من مستنقعه، في حين تحل ايران في المرتبة الثانية للاهتمام الاميركي. وفي ذلك فإن الرئيس غير مستعد لاستثمار ولو لحظة واحدة في الجهود التي يجري الحديث عنها لدفع التسوية بين اسرائيل والسلطة الفلسطينية.

لا يستطيع أحد أن يقلل من أهمية الاتفاق الذي تم في مكة، ولا في الجهد الذي بذلته الدبلوماسية السعودية النشطة، في مسعاها للقيام بدور يملأ الفراغ الحاصل في الساحة العربية في ظل حالة الانكفاء المخيمة، التي أفقدت عدداً من الاقطار المهمة قدرتها على الحركة وأثرت على حساباتها الاستراتيجية. مع ذلك فإن هذه الخطوة تطرح بعض التساؤلات التي من بينها مثلا:

٭ هل المشكلة بين حركة فتح وحماس كانت حول تشكيل حكومة الوحدة الوطنية، أم انها تكمن أصلا في المشروع السياسي لكل منهما، وتتركز حول الموقف من المقاومة بشكل أخص. واذا صح ان الاختلاف حول المشاركة في الحكومة هو بين أصداء الخلاف حول النهج السياسي، فإلى أي مدى يمكن أن يؤثر ذلك على عمر الحكومة التي تم الاتفاق عليها.

٭ لأن مجرد وجود حماس في السلطة هو المصدر الاساسي للقلق ومن ثم اعتراض الولايات المتحدة والرباعية واسرائيل، فإلى أي مدى يمكن للاتفاق الذي تم أن يؤدي الى إنهاء الحصار والمقاطعة الاقتصادية والسياسية التي فرضتها تلك الاطراف على الشعب الفلسطيني، وما العمل اذا استمرت المقاطعة في ظل الوضع المستجد؟ وهل يستطيع العالم العربي في هذه الحالة ان يتبنى موقفا ايجابيا لصالح الشعب الفلسطيني، خصوصا ان ثمة قراراً لمجلس جامعة الدول لعربية ـ لم ينفذ ـ بكسر الحصار المفروض.

٭ هل ستستمر في ظل الحكومة الجديدة عمليات التعبئة والتعزيز والتمويل التي تقدم إلى الحرس الرئاسي وجهاز الأمن الوقائي، من جانب الحكومة الاميركية، وبعض الدول العربية المتعاونة مع واشنطن في الموضوع. وما مصير ملايين الدولارات التي دفعتها تلك الجهات لترجيح كفة «جيش الرئاسة» في مواجهة حكومة حماس وقوتها التنفيذية.

٭ لماذا غاب الغطاء العربي عن الاتفاق الذي تم، خصوصا مصر، التي كان لها دورها البارز طوال الوقت في رعاية الملف الفلسطيني، وأعلن في وقت سابق أن إعلان حكومة الوحدة الوطنية سيتم في عاصمتها؟ وسوريا التي تحتضن قيادات المقاومة الفلسطينية طوال الوقت؟ وألا ينبهنا ذلك إلى أهمية استعادة العلاقات الوثيقة بين المحور الذي يضم الدول الثلاث (السعودية ومصر وسوريا) لصالح استقرار العالم العربي وضمان الدفاع عن مصالحه العليا. وهو مطلب يبدو الآن أكثر ضرورة وإلحاحاً، لأن الخلل الحاصل في موازين قوى وخرائط المنطقة، بعد هزيمة اسرائيل في لبنان، وفي ظل الضعف الشديد في الموقف الاميركي، يوفر فرصة نادرة للعالم العربي لكي يستعيد ـ اذا أراد ـ بعضاً من زمام المبادرة، ويسترد شيئاً من حقوقه المستلبة والمهدورة.

إن تسكين الوضع المتفجر في فلسطين إنجاز مهم لا ريب، حققه اتفاق مكة، لكننا نتطلع الى توظيف ذلك التسكين لصالح تحقيق السلم الاهلي، الذي يحشد قوى الشعب الفلسطيني لصالح مواجهة الاحتلال الوحشي الذي يرزح تحته. و الرد الايجابي على الاسئلة التي أشرت اليها بفتح الطريق لبلوغ السلم المنشود. وتلك هي المعجزة المرتجاة.


"السفير"

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018