"أمطار الصيف"- الحملة والغايات- والرأي العام الإسرائيلي/ أنطوان شلحت

"أمطار الصيف"- الحملة والغايات- والرأي العام الإسرائيلي/ أنطوان شلحت

بعد أكثر من أسبوع على البدء بها يتفق العديد من الكتاب والمعلقين الإسرائيليين على أن غايات حملة "أمطار الصيف" العسكرية الإسرائيلية المستمرة في قطاع غزة تتجاوز بكثير تحرير الجندي الأسير غلعاد شليط، وإن اتخذت من عملية أسره ذريعة تندرج في خدمة الترويج للحملة إسرائيليًا ودوليًا.

كما يتفق هؤلاء على أن هذه الغايات أوسع نطاقًا، من الناحية الإستراتيجية الصرفة.

وبقراءة ما يقوله معظم هؤلاء نستطيع الإشارة إلى أن الغاية، التي قد ترتسم بكونها رئيسة، تتمثل في إيجاد "أصول لعبة جديدة" يتم في إطارها احتساب إطلاق صواريخ في اتجاه بلدات ومدن جنوب إسرائيل من القطاع خارج نطاق "أصول اللعبة" التي اعتمدت في أعقاب تنفيذ خطة "فك الارتباط" عن غزة في صيف 2005. وذلك في أعقاب سقوط قدرة الردع الإسرائيلية، وهو سقوط يفضي إلى نقاشات أخرى يرتبط الجانب الأهم منها بمستقبل الصراع الإسرائيلي- الفلسطيني.

ويلمح الباحث شلومو بروم، من "مركز يافه للدراسات الإستراتيجية" في جامعة تل أبيب، في هذا الشأن، إلى أن الموديل الذي تسعى إسرائيل إلى تطبيقه على جبهة الحدود مع القطاع هو الموديل "الذي أصبح قارًّا في الحدود الإسرائيلية- اللبنانية".

"هناك- يضيف هذا الباحث موضحًا- ورغم أن المواجهة مع حزب الله لم تضع أوزارها بعد، إلا أنها تدور عادة بموجب أصول لعب جليّة، وبينها عدم المسّ بالسكان المدنيين والتمركز في جبهات (قتال) معينة".

أما الوسيلة التي يتم إتباعها في سبيل بلوغ هذه الغاية وغيرها من غايات الحملة المذكورة فإنها تتحدّد، في القراءات الإسرائيلية للتفاصيل الظاهرة من العمليات العسكرية، في ممارسة الضغط المكثف على حركة "حماس" والفصائل الفلسطينية الأخرى الناشطة ضد إسرائيل. ووفق تقارير البعض فإن هذا الضغط مخطط له أن يتصاعد تدريجيًا، وبواسطته يتم تمرير رسالة مؤداها أن "وضع الفصائل سيصبح أكثر سوءًا، وسيزداد الثمن الذي يدفعونه إذا ما واصلوا رفض التكيّف مع أصول اللعبة الجديدة"، التي على ما يبدو ستمضي إسرائيل قدمًا في سبيل فرضها.

في موازاة ذلك ثمة من يرى أن طريقة العمل هذه تنطوي على عدة أفضليات من ناحية إسرائيل. ومنها أن إسرائيل تؤكد عبرها أنها ليست في عجلة من أمرها، فيما يختص تخصيصًا بإطلاق سراح الجندي الذي يظل أسره بمثابة "ذريعة سهلة ومريحة" لمواصلة العمليات العسكرية. وثانيًا أن هذه الطريقة تجعل الرأي العام العالمي والأسرة الدولية لا يخفّان إلى إدانة إسرائيل وممارسة الضغوط عليها، نتيجة أن هذين الطرفين سيريان في الحملة أصلاً "ردًا مناسبًا على عملية" أسر الجندي. ويتم إسناد هذه الأفضلية بغياب أو شبه غياب ردود الفعل الحازمة من العالم قاطبةً على ما تقترفه إسرائيل في غزة من ممارسات قتل وتدمير تطول المدنيين العزل وممتلكاتهم. كذلك يتحدّث البعض عن أفضلية ثالثة تفيد بأن طريقة العمل هذه من شأنها أن تقلل الخسائر البشرية في صفوف الجانب الإسرائيلي.

لكن علاوة على طرح الغايات البعيدة المدى، الإستراتيجية، لحملة "أمطار الصيف"، لا تنفك التعليقات الإسرائيلية تتناول السؤال المتعلق باحتمالات النجاح والإخفاق.

ودون خشية الوقوع في المبالغة أو الرغبية بالإمكان تسجيل أن هناك شبه إجماع يرجّح احتمالات الإخفاق على النجاح.

وإن عوامل تغذية شبه الإجماع هذا تحيل كافتها إلى الطرف الفلسطيني، بما يؤشر إلى أن حقيقة كون الطرف الإسرائيلي، بمستوييه السياسي والعسكري، لا يأخذ الطرف الأول في حسابه تشكّل الثغرة الأكبر التي من شأنها جعل احتمال نجاح "أمطار الصيف" نجاحًا محدود الضمان أو غير محمود العواقب.

والأمر الأساس في هذا الجانب غير متعلق فقط بممكنات المقاومة التي تملكها الفصائل الفلسطينية وإنما يتعلق، بصورة جوهرية، بمقدرة الصمود التي لدى الشعب الفلسطيني "الذي مرّ خلال الانتفاضة وقبلها بعملية مكثفة من التكيّف مع ظروف حياة صعبة"، على ما يقول شلومو بروم، مثلاً.

وعلى ذكر عدم أخذ أمور جوهرية في الاعتبار ثمة ضرورة للتنويه بأن وسائل الإعلام الإسرائيلية تنزع نحو التقليل من قيمة التأثير الذي ينبغي أن يعزى للرأي العام الشعبي في إسرائيل في المسألة الأمنية. غير أنه برزت في الآونة الأخيرة مؤشرات إلى بداية تشكل رأي عام كهذا وقوده أهالي الجنود المفقودين والأسرى السابقين بالإضافة إلى الأسرى السابقين أنفسهم، مع ضرورة مراعاة أن غاية الضغط- إذا كان هناك ضغط من هذا القبيل- الذي يمارسه رأي عام كهذا تتحدّد الآن في إطلاق سراح الجندي الأسير حتى ولو بثمن صفقة تبادل أسرى ترفض إسرائيل أن تتفاوض حولها "بكل إباء وشمم"...
وقد ورد في بعض وسائل الإعلام في هذا الخصوص أخيرًا ما يلي: يبدو أن نوعام شليط، والد الجندي الأسير، يخوض نضالا، ما زال على نار هادئة، مقابل الحكومة الإسرائيلية ورئيسها ايهود أولمرت، الذي يعلن صبح مساء رفضه التوصل إلى صفقة لتبادل أسرى يطلق بموجبها سراح أسرى فلسطينيين مقابل الجندي شليط، فيما لا يخفي والد الجندي قلقه على حياة ابنه مع مرور الوقت.

في واقع الأمر فقد أثارت عملية أسر شليط تداعيات لدى معظم الجنود الذين تم أسرهم في دول ومنظمات عربية خلال الحروب التي شنتها إسرائيل. وأثارت ذكريات لدى المجتمع الإسرائيلي عموما حول عمليات تبادل الأسرى. وقال الكثيرون من هؤلاء الجنود وآبائهم وأمهاتهم لعائلة شليط إن إطلاق سراح ابنها يتعلق بالأساس بمدى علو صوت العائلة المجلجل، خصوصا في وسائل الإعلام.

أما غاية مناهضة الاحتلال ذاته والاحتجاج على ممارساته فعلى ما يظهر لا تزال تنتظر من يرفع رايتها شعبيًا بمستويات أعلى مما هو حاصل حتى الآن.

عطفًا على ما تقدّم بشأن مناهضة الاحتلال إسرائيليًا، تشهد إسرائيل في السنوات الأخيرة، وتحديدًا منذ انفجار الانتفاضة الثانية في أيلول/ سبتمبر 2000 وما عنته في قراءة إسرائيل من "انقلاب" على "برنامج أوسلو"، بعض المحاولات لتقييم أداء ما يعرف باسم "اليسار الصهيوني" المناصر للسلام عبر مناصرة جهود التسوية والمفاوضات مع الشعب الفلسطيني، كما تجلّت على وجه التخصيص في المفهوم الذي وقف خلف اتفاق أوسلو.

1. مهما تكن هذه المحاولات فإن ما هو مثير فيها هو توجيه عدد منها النقد الشديد إلى ذلك "اليسار الصهيوني" الذي على الرغم من تأييده الترويجي للسلام، فإن هذا التأييد لم يصرفه قيد أنملة عن مواصلة "التمسك بالاحتلال"، على حدّ تعبير إحدى الباحثات (تانيا راينهارت في كتابها "أكاذيب عن السلام- حرب باراك وشارون ضد الفلسطينيين"، إصدار: منشورات "سفري تل أبيب"– تل أبيب، 2005). وإذ تؤكد الباحثة نفسها أن "القيادة السياسية لمعسكر السلام الإسرائيلي صاحبة تجربة ومراس طويلين في تسيير وجهة معظم المعارضين للاحتلال نحو طريق الحفاظ على الوضع القائم"، فإنها تلفت إلى أن هؤلاء الأشخاص هم نفسهم الذين بشّروا في أثناء سنوات أوسلو بأن الاحتلال انتهى عمليًا وأن ما تبقى هو بضع سنوات من المفاوضات فقط. وهم خبراء في إقناع كل من هو مستعد للإنصات لهم بأن "الملك ليس عاريًا" وأن "المشكلة كامنة فقط في عيوننا". وإذا لم تقف الأكثرية في إسرائيل لهؤلاء بالمرصاد فالاحتمال الأقوى هو أن ينجح هؤلاء الخبراء في مهمتهم مرة أخرى. مع ذلك- تضيف- فإنه للمرة الأولى منذ أوسلو نشأت حركة سلام إسرائيلية آخذة في التوسع وهي عصيّة على طوع القادة السياسيين لمعسكر السلام التقليدي.

النواة الصلبة لهذه الحركة مؤلفة من مجموعات احتجاج محلية عديدة أصبحت فاعلة منذ بدء الانتفاضة في 2000، وفي مركزها نساء ناشطات. وتذكر الباحثة من هذه المجموعات حركات "يوجد حد" و"شجاعة الرفض" و"نيو بروفايل" و"تحالف النساء من أجل السلام" و"تعايش" و"كتلة السلام" و"الغسيل الأسود". وتؤكد أن المبدأ الأساسي الهادي لهذه المجموعات هو أن "الكفاح من أجل السلام وضد الاحتلال هو كفاح إسرائيلي- فلسطيني مشترك".

2. إذا كانت راينهارت قد تناولت الموضوع من وجهة نظر اليسار الإسرائيلي الراديكالي، الذي تنتمي إليه، فإن باحثًا إسرائيليًا آخر هو جولان لاهط من المؤسسة الأكاديمية الإسرائيلية سبق له أن تناول، بصورة رئيسة، أداء اليسار الإسرائيلي (الصهيوني) حيال عملية السلام مع الفلسطينيين، وتوصل إلى النتيجة نفسها تقريبًا، وذلك في كتابه "الإغراء المسياني- صعود وسقوط اليسار الإسرائيلي" (صدر عن منشورات "عام عوفيد"- تل أبيب في 2004). وقد رأى أن احتضار هذا اليسار واندثار الجهود السياسية للوصول إلى السلام (على أثر محادثات كامب ديفيد- 2000) يرجعان، أساسًا، إلى ما يسميه "المفهوم المسياني- العلماني الذي تبناه اليسار خلال عقد أوسلو".

ويؤكد لاهط أنه فجأة (عقب محادثات كامب ديفيد) تبين له أن اليسار المذكور، الذي يعد نفسه كمن يدفع حقوق الإنسان إلى الأمام وكمن يتبنى تفكيرًا علمانيًا، أقرب عمليًا في شكل تفكيره إلى "الحركة الشبتائية"، حتى أنه أقرب إلى الحركات التوتاليتارية (الشمولية) مثل الشيوعية.

يرى لاهط أن هناك أربع خصائص للتفكير المسياني. والخصيصة الأهم بينها هي إدارة الظهر للراهن القائم.

وفي رأيه فإن "برنامج أوسلو (اتفاق أوسلو) يخلو من العمى المسياني، ذلك أنه تدرّجي، واع للعقبات الكثيرة في الطريق ومتشكك"، على حد قوله. ويضيف: "كما أن إسحق رابين، رئيس الوزراء الإسرائيلي المقتول، تمعن في الواقع بعينين شاخصتين. غير أن اليسار الإسرائيلي لم يقرأ الحروف الصغيرة وأصبح أسير السحر المسياني للسلام. لقد تغاضى هذا اليسار عن حقيقة أن غالبية (عناصر) السلام بقيت في الأدراج، وأن الاحتلال استمر كما لو أنه لم يحدث شيء يذكر. كما تعامى عن أن أية مستوطنة (كولونيالية) لم تتحرك من مكانها وأن العنف الفلسطيني، نتيجة لذلك، لم يتوقف. لقد كان الواقع الإسرائيلي نفسه عقبة في الطريق إلى الشرق الأوسط الجديد (حلم شمعون بيرس) وإلى الثمار الكبيرة التي وعد بها. هذا الواقع كان عقبة أمام الوصول إلى خاتمة المطاف".

إلى ذلك يعتقد لاهط أن المسؤولية عن المناخ المسياني، الذي تطور بعد (اتفاق) أوسلو، يتحملها مباشرة شمعون بيرس ويوسي بيلين. وهو يؤكد أن بيرس هو ذلك الذي بلور، بصورة عامدة، وعيًا إلى ناحية "أن السلام أصبح قائمًا" (أي أضحى حقيقة واقعة). وقد ذهب بيلين في عقبيه. ويضيف أن المسيانية التي تتطلب مسيحًا كاريزميًا هي جزء من التفكير الديني. أما المسيانية العلمانية فإنها لا تستوجب مسيحًا شخصانيًا، اذ أن المسيح في هذه الحالة هو السلام. وأعاد إلى الأذهان، في هذا الشأن، إحدى المقابلات مع شمعون بيرس، حيث تحدث في سياقها عن الحاجة والضرورة إلى الدفاع عن جسد السلام. "كما لو أن السلام هو شخصية تتجوّل في الشوارع"، قال لاهط.

ويتطرق لاهط أيضًا، في كتابه المذكور، إلى العمليات الانتحارية الفلسطينية فيؤكد أن اليسار الإسرائيلي (الصهيوني) يتغاضى عنها أيضًا. ويقول في هذا الشأن: "بعد السلام بدأ الشارع الإسرائيلي يمتص المزيد من العمليات (الانتحارية) والمزيد من الثكل. فهل أدى هذا إلى إيقاف شطط اليسار؟ هل أدى هذا إلى فتح أبصاره؟ كلا بالطبع. لقد واصل اليسار النظر إلى الأمام، إلى المستقبل الوضّاء، بإصرار حصان السبق. وعلى طريق المسيانيين المخلصين ادعى أفراد هذا اليسار أن كل ذلك هو جزء من ثمن السلام.. إن التعامل (من قبل هذا اليسار) مع العمليات هو التجسيد الأكثر ملموسية لذلك الوعي المسياني".

وبالنسبة لموقف هذا اليسار من الفلسطينيين عمومًا يشير لاهط إلى أن هؤلاء الأخيرين ينظرون إلى النزاع (مع إسرائيل) من وجهتي نظر غريبتين تمامًا عن خطاب اليسار المسياني (الإسرائيلي). وجهة النظر الأولى هي الاتكاء على الماضي وبالأساس على نكبة الشعب الفلسطيني في 1948 وفيما بعد في 1967. والثانية هي البعد الديني، خصوصًا في كل ما يتعلق بالمسجد الأقصى. وإن اليسار المسياني محا هذين العنصرين تمامًا وظل يتحدث فقط عن المستقبل.

أما إيهود باراك فهو المسياني بامتياز أو "بالمفهوم الكامل للمصطلح"، في تعبير لاهط، وذلك على مستوى وعيه وفي المستوى العملي. ويضيف: "لقد رفض باراك الجانب العملي التدرجي لأوسلو، وبدل ذلك اقترح علينا قمة واحدة وحلاً حادًا وسريعًا يضع نهاية للنزاع مرة واحدة وأخيرة" ناسيًا (أي باراك) أن السياسة ليست معادلات رياضية، وأن مائة سنة من النزاع لا يمكن حلها بقمة تمتد أسبوعًا ولا باتفاق واحد. غير أن باراك تمسك بالرأي القائل إما كل شيء وإما لا شيء. وهذا كان بمثابة الخطأ القاتل الذي ارتكبه، والذي انهار عنده هو وانهار معه معسكر السلام كافة.

البديل الذي يقترحه لاهط هو ببساطة، على مستوى التجريد، الحوار بين الشعوب المتنازعة بصورة مختلفة، تدرجية ومتصلة، خصوصًا في مستوى الوعي ومن خلال الفهم بأن هناك أزمات تعترض الطريق وستظل تعترضها على الدوام.

بيد أن جانبًا هامًا من هذا البديل، الذي يتطلع إليه، يكمن في الالتفات أولاً ودائمًا إلى الاحتلال الإسرائيلي كسبب تترتب عليه نتائج كثيرة.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018