أي مصداقية للأمم المتحدة؟/ د.محمد السعيد إدريس

الرئيس الأمريكي جورج بوش منزعج وقلق بشأن “مصداقية” الأمم المتحدة، ويقول في خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة إن هذه المصداقية “في خطر” بسبب دارفور، ويقصد بسبب عدم قيام الأمم المتحدة بالتعجيل بإرسال قوات دولية لإقرار السلام في ذلك الإقليم المضطرب. هل هذا يعني أنه راض عن تلك المصداقية بشأن الأحداث العالمية الأخرى، سواء في العراق أو فلسطين أو لبنان أو أفغانستان أو غيرها من المناطق المرشحة للتمتع ب”العناية الأمريكية”؟

أتصور أنه راض جداً عن تحول هذه المنظمة العالمية إلى مجرد أداة من أدوات أو مؤسسات السياسة الخارجية الأمريكية، فالمنظمة اكتسبت مصداقيتها بالنسبة له بسبب تحولها إلى كيان لا يرى ولا يسمع ولا يشم حتى رائحة البارود والأجساد المحترقة يومياً في فلسطين والعراق وأفغانستان، وبعدها تحول إلى شاهد زور بشأن أسلحة الدمار الشامل العراقية والجرائم “الإسرائيلية” اليومية ضد الشعب الفلسطيني، وهو راض أيضاً عن الشلل الذي أصابها وحال بينها وبين دورها الذي كان يجب أن تقوم به لوقف الحرب “الإسرائيلية” على لبنان والتي استمرت 34 يوماً من دون انقطاع بتخطيط ودعم وتسليح ورعاية أمريكية كاملة.

لكن ما هو أخطر من الرضا بالنسبة لمشاعر الرئيس الأمريكي نحو الأمم المتحدة هو الدور الذي يهيئ له بوش كي تقوم به الأمم المتحدة في دارفور، فالمصطلحات تكاد تكون نفسها والتحريض يكاد يكون نفسه بسبب ما حدث قبيل الغزو الأمريكي- البريطاني للعراق، والغزو الأمريكي المحتمل للسودان، وربما تكاد تكون الأسباب والدوافع والأطماع نفسها في النفط السوداني، والطموح إلى تقسيمه كي يتلاقى مع العراق المقسم لفرض واقع تقسيمي جديد للدول العربية وفق مشروع الشرق الأوسط الجديد، الذي أخذت خرائطه السياسية الجديدة تنتشر منذ أن أفصحت كوندوليزا رايس عن هذا المخطط في أوج الحرب “الاسرائيلية” على لبنان التي كان يراد لها أن تكون حرب إعلان الشرق الأوسط الجديد.

غزو السودان قادم إذن!

هذه حقيقة يجب أن يكون العالم كله واعياً بها، وان يسعى إلى منعها إذا كانت هناك نية حقيقية لإصلاح الأمم المتحدة، وإذا كانت هناك نية للحفاظ على مصداقية هذه المنظمة بتمكينها من العودة إلى شرعية الأهداف والمبادئ التي أقرها ميثاقها، وعدم الخضوع لهيمنة وسيطرة الإدارة الأمريكية التي لم يعد يشغلها غير مواصلة “الحرب على الإرهاب” حسب خطاب الرئيس الأمريكي أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، وهو الخطاب الذي جاء ليكرر السياسة الأمريكية الفاشلة في الشرق الأوسط.

تحقيق مصداقية الأمم المتحدة سيبقى رهناً بإصلاح هذه المنظمة، والإصلاح يكون بالانخراط في معركة ديمقراطية القرار الدولي، ومعالجة الخلل والإجحاف الهائل الذي يلحق بشعوب العالم جراء تمتع خمس دول كبرى بحق الاعتراض “الفيتو” داخل مجلس الأمن، الذي مكن بعض هذه الدول من سوء استخدامه، ليس فقط لتحقيق مصالحها، ولكن أيضاً لإفقاد الأمم المتحدة مصداقيتها.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018