إسرائيــل.. دور وظيفي يتـآكــل../ د. يوسف رزقة

هل بدأت إسرائيل تفقد دورها الوظيفي في الوسط العربي وفي منطقة الشرق الأوسط بعد فشل حربها السادسة ضد لبنان وحزب الله؟

بعض الخبراء في الصهيونية المعاصرة وطبيعة العلاقة القائمة بين إسرائيل والغرب أمثال الدكتور عبد الوهاب المسيري في موسوعته يرى أن العلاقة قائمة بين الأنظمة الغربية وإسرائيل على أسس وظيفية أكثر منها أيديولوجية توراتية، وأن إسرائيل ستبقى مقربة للغرب ومدعومة من أميركا طالما استطاعت القيام بواجباتها الوظيفية في خدمة المصالح الغربية والأمريكية في المنطقة، والتي تتمثل في إضعاف البلاد العربية ومنطقة الشرق الأوسط وإخضاعها إلى الإرادة الغربية، ومن ثم فإسرائيل كما يعبر عنها بلغة عسكرية (رأس حربة للغرب الاستعماري) في المنطقة.

لقد أسهمت إسرائيل في تمزيق العالم العربي، ومنع توحده، أو تلاقيه في سوق اقتصادي مشترك، أو دفاع أمني قومي مشترك، ودخلت طرفاً في تأجيج الصراعات الإقليمية والحدودية في البلاد العربية، وهنا يمكن مراجعة الحالة العراقية وكردستان، ويمكن مراجعة العدوان الثلاثي وحرب 67 وتدمير المفاعل النووي العراقي، والحرب العراقية الإيرانية وحرب 82 لبنان.

هذه الأحداث وغيرها تؤكد في مجموعها على نجاح الدور الوظيفي للدولة الإسرائيلية مما يبرر التأييد الغربي والأمريكي، ويبرر ملايين الدولارات التي تقدم لها كمساعدات ومنح ومساعدات عسكرية إضافية.

غير أن هناك مؤشرات بدأت تحكي قصة تآكل هذا الدور الوظيفي لإسرائيل في المنطقة، ولعل آخرها وأبرزها تصريحات الرئيس بوش حول البرنامج النووي الإيراني، حيث يرصد الإسرائيليون، بقلق، ليناً في خطاب بوش حيث أشار إلى الدور الكبير الذي تلعبه إيران في المنطقة بوصفها (دولة عظمى في المنطقة) (هكذا قال) وقوله مخاطباً الإيرانيين إننا نحترم تاريخكم وثقافتكم، وأنا أتفهم رغبتكم في تطوير برنامج نووي، وأنا أرغب بجدية في القيام بكل شئ من أجل إيجاد حل لهذه القضية لا حاجة لي ولا رغبة بنزاع معكم ولا بد من العمل على تطوير برنامج خاص لتبادل المعلومات والثقافة مع إيران).

هذه اللغة اللينة اكتشف فيها المراقبون الإسرائيليون القلقون رغبة أميركية للتوافق مع إيران، فهل هذا التوافق يكون على حساب الدور الوظيفي لإسرائيل في المنطقة؟ أم أنه توظيف موازٍ يقايض الإيرانيين في العراق دون المساس بوظيفة إسرائيل؟ وهل زيارة رايس الأخيرة للمنطقة بعد أسبوعين من عقد الجمعية العمومية ولقاء دول الخليج ومصر والأردن في مصر هو نوع من تطمين القادة العرب، أم رغبة في حشد مواقفهم في تضاد مع إيران؟

أسئلة مشروعة يمكن أن يجيب عليها المعنيون بها، غير أني معني هنا بالدور الوظيفي المتآكل تدريجياً لدولة إسرائيل في خدمة المصالح الغربية، حيث كشفت التطورات التقنية والحرب السادسة تآكل هذا الدور، وثمة قطاعات مدنية عريضة في أوروبا أخذت تنظر إلى إسرائيل على أنها مصدر قلق وسبب لآلام في أروبا نفسها، ومن ثمّ أخذوا يطالبون بإزالة الاحتلال وحل القضية الفلسطينية حلاً مقبولاً على الفلسطينيين والعرب، حتى لا تبقى الحالة الفلسطينية مصدر إلهام لكل تفجير في أوروبا وأميركا، ولكل تمرد على أنظمة الحكم الموالية لأميركا في المنطقة.

إن تآكل الدور الوظيفي وتململ الرأي العام الغربي هو في الثقافة الإسرائيلية والتخطيط الإستراتيجي موقوت بزمن معلوم لديهم، وهم يشعرون أنه سيأتي يومياً في ظل تطورات تحكمها المصالح أكثر مما تحكمها الأيديولوجيات. لذا نجد في الغرف المغلقة يتحدثون قادة الصهيونية على ضرورة الاعتماد على الذات على جيش الدفاع وعلى قوة ردع إسرائيلية وعدم إشراك العالم الغربي بفاعلية في قضايا المنطقة والحلول المقترحة.

إن تآكل هذا الدور هو حقيقة واقعة عاجلاً أم آجلاً، وإن متابعة هذا التآكل فلسطينياً وعربياً من شأنه أن يعزز تيار استنهاض الأمة العربية، ويدفعها إلى عدم القبول بأقل من حل عادل ومنصف يرضي الجماهير ويقنع الإرادة الشعبية العربية.

ومن ثم قد تشهد السنوات القادمة حديثاً عن حاجة عربية لامتلاك قدرات نووية في مواجهة ما تمتلكه إسرائيل، وهو ما يؤشر عليه بلغة التضاد المبطن تصريحات مصرية بالحاجة إلى امتلاك قدرات نووية عربية لأغراض سلمية، ودعوتها إلى شرق أوسط خال من الأسلحة النووية، ودعوتها لإخضاع البرامج النووية الإسرائيلية للمراقبة، ويؤشر عليه ارتفاع مؤشر انحياز المجتمع الإسرائيلي إلى اليمين بعامل الخوف والخلق على المستقبل إثر ضعف إنجازات الحرب السادسة في لبنان وضد حزب الله، حيث زاد التأييد (لليكود وإسرائيل بيتنا)، كما أن نسبة 23% بحسب استطلاع مركز داحاف 22/9/2006م في "يديعوت أحرونوت" يعربون عن عدم ثقتهم باستمرار وجود دولة إسرائيل على المدى البعيد.

إن قراءة هذه التحولات التي تشكل ربما أحد سيناريوهات المستقبل تجابه الفلسطينيين والعرب بسؤال حول كيفية تنمية هذه التحولات واستثمارها لصالح فلسطين والعرب في ظل حركة الزمن التي لا تتوقف؟!!

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018