إعلام في خدمة الحرب... قراءة أولى../ أحمد أبو عرب

تقوم الحرب بمفهومها العصري على عدة محاور وأهمها الميداني الدبلوماسي والإعلامي... هذه الحرب التي ما زلنا نشهدها بين حركة المقاومة الإسلامية في لبنان "حزب الله" وبين دولة إسرائيل تميزت بتكامل هذه المحاور وتوازنها وحتى في أوقات كثيرة بتفوق حزب الله على إسرائيل على أكثر من محور منها، وذلك بالرغم من تواضع إمكانياته مقابل الإمكانيات الهائلة التي تملكها إسرائيل.

حاولت إسرائيل جاهدة، من جانبها، أن تخترق، ولو في المرحلة الأولى من العدوان على لبنان، الإعلام الغربي وحتى الإعلام العربي الرسمي من خلال كتائب من المتحدثين باسم الجيش ووزارة الخارجية الإسرائيلية، عدا عن تطوع الكثير من الإسرائيليين للقيام بهذا العمل من خلال تعقيباتهم وردودهم في الصحف الأوروبية والأمريكية، ومواقع الانترنت العالمية. وقد أسهم هذا الجهد في كثير من الأحيان بتخفيف وطأة الانتقادات الموجهة لإسرائيل، ولو في المرحلة الأولى من الحرب، بسبب عدم وعي الأمريكيين أو الأوروبيين لحيثيات الصراع القائم بين إسرائيل وحزب الله.

وتعمدت إسرائيل توجيه جزء كبير من حملتها الإعلامية والدعائية ضد لبنان من خلال استعمال الخدعة الإعلامية "سبين" لزرع بذور الفتنة في أوساط الشعب اللبناني كالأخبار التي ذاعت في بداية الحملة عن دعم قوى لبنانية للحملة الإسرائيلية ضد حزب الله. وعندما أيقنت إسرائيل فشلها في ذلك عملت على توجيه رسائلها الدعائية مباشرة للبنانيين وذلك عبر طائراتها القتالية التي أسقطت مئات الآلاف من المنشورات التحريضية ضد المقاومة اللبنانية متيقنة أن ما لا تقوى الصواريخ الذكية على تحقيقه قد تنجح به هذه المنشورات، إلا أن آمالها سرعان ما تبددت.

واللافت أيضًا أن إسرائيل تعمدت تصوير قائد المقاومة الإسلامية، الشيخ حسن نصر الله، مرة بـ"الأفعى" وتارة أخرى بـ "الاخطبوط" من خلال الرسومات الكاريكاتيرية التي ألقتها المقاتلات الإسرائيلية وذلك لتعزيز الكلمات والرسائل التحذيرية المكتوبة أملا في إضفاء نوع من الترهيب على اللبنانيين، ليس فقط من قبل إسرائيل وإنما أيضًا من قبل صورة الشيخ نصر الله، إلا أنها فشلت فشلا ذريعًا وخصوصًا مع المشاهد التي عرضت في وسائل الإعلام المختلفة لمواطنين لبنانيين وهم يحرقون هذه المنشورات.

وعلى جانب آخر من هذه الحملة الإعلامية، بثت إسرائيل، ومن خلال موجة أثير مفتوحة، تحذيراتها ورسائلها الترهيبية لمواطني لبنان في محاولة لنزع الشرعية عن المقاومة إلا أن هذه المحاولة أيضًا باءت بالفشل. ولا بد هنا من ذكر الموقع الذي أطلقته إسرائيل في الشبكة العنكبوتية خصيصًا للمواطنين اللبنانيين أملا منها بالحصول على معلومات تجهلها عن حزب الله وعن قادته ومقراته وذلك كجزء من "حرب الشبكة " التي تدور بين الطرفين.

أما "حزب الله" فقد جهز نفسه لهذه الحرب الإعلامية جيدًا، وقد سطع نجمه الإعلامي في أكثر من حدث وأكثر من مناسبة خلال هذه الحملة على لبنان.

كان واضحًا لحزب الله أن إسرائيل لن تغفل استخدام وسائلها الدعائية من أجل الضغط على لبنان إلا أن حركة المقاومة الإسلامية أعدت هي الأخرى عدتها وجهزتها بشكل يتلاءم مع متطلبات المعركة على جميع جوانبها.

قامت إسرائيل منذ الساعات الأولى لعدوانها على لبنان بشن غارات استهدفت المؤسسات الإعلامية التابعة لحزب الله ومن أهمها بناية تلفزيون "المنار" ومقر إذاعة "النور". إلا أن هدم بناية كل من المؤسستين لم يثن حزب الله عن التواصل مع قواته ومع قاعدته الشعبية في لبنان وخارج لبنان. إذ أن قناة المنار واصلت بثها على الرغم من هدم استوديوهاتها ومكاتبها والأمر ذاته بالنسبة لإذاعة "النور"، الأمر الذي أربك القادة الإسرائيليين على طول المواجهة.

أما الرسائل الإعلامية والدعائية التي أطلقها حزب الله في مواجهته لإسرائيل فاعتمدت بالأساس على الانجازات التي حققها حزب الله ميدانيًا، وابتعدت في معظم الأحيان عن التضليل. فقد استوعب حزب الله أن القنوات الإسرائيلية وعبر "خبرائها" في الشؤون العربية يستندون في الكثير من الأحيان لما كانت قناة المنار تبثه الأمر الذي عزز من قوة اختراقها للإعلام العبري والمجتمع الإسرائيلي.

وكما هو الحال من جانب إسرائيل، فقد خصصت قناة المنار الكثير من "كليباتها"الدعائية للشارع الإسرائيلي الأمر الذي أربك قادة إسرائيل وخبراءها وحتى أن الكثير من الخبراء الإعلاميين تحدثوا عن مصداقية قناة المنار وإتباعها سياسة إعلامية توازن ما بين نقل الصورة الإعلامية بشكل مهني وبين تجندها التام إعلامياً للنطق باسم حزب الله.

أما الطريقة الأبرز التي اعتمدتها قناة المنار في رفع أسهمها فقد تمثلت في نقل كلمات الشيخ حسن نصر الله، بشكل حصري أو باتفاقات ثنائية مع قناة الجزيرة ، الأمر الذي تناقلته وسائل الإعلام العربية والإسرائيلية على حد سواء بشكل مباشر. مستغلة بذلك كون فحوى الرسائل التي نقلت من خلال كلمات وخطابات نصر الله أخذت على محمل الجد من قبل الإسرائيليين أنفسهم، وكسبت مصداقية أكبر من كلمات وخطابات القادة والزعماء الإسرائيليين.

ولا بد هنا من الإشارة إلى أن قناة "المنار" اعتمدت تغطية الأحداث الميدانية أولاً بأول، حتى أنها أضحت المصدر الأول للأخبار في جبهات القتال. وقد بثت القناة "البيانات العسكرية" ساعة وقوع الحدث لتأكد من جديد أهمية "السبق الصحفي" في العمل الإعلامي، ولتكسب شعبية ومصداقية أكبر حتى بين الفضائيات الكبيرة مثل "الجزيرة ". ولعل أبرز الأحداث التي مهدت لاحتلال هذه المنزلة المرموقة بين القنوات العربية والعالمية هو بثها بالصوت والصورة لحادثة إصابة السفينة الحربية الإسرائيلية قبالة شواطئ صور وكذلك لحدث إسقاط المروحية العسكرية الإسرائيلية بالقرب من بلدة ياطر في جنوب لبنان.

باختصار، يمكن القول إن حزب الله حقق في الجانب الإعلامي مكاسب أكثر من تلك التي حققها الجانب الإسرائيلي مقارنة بقدرات كل طرف من الأطراف. أما الدروس والعبر التي سوف تكتب عن هذه المعركة الإعلامية مستقبلا فسوف تدَرس حتمًا في كليات الإعلام لما فيها من تجديدات لم تشهدها أي ساحة أخرى من قبل.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018