اقتحام أسطول التضامن جريمة حرب بامتياز../ راسم عبيدات

إسرائيل ليست بحاجة إلى شهادة من أحد على ما ترتكبه من جرائم وما تقوم به من زعرنات وعربدات وممارسات خارجة عن القانون الدولي، بل هي تحتل المرتبة الأولى على هذا الصعيد، وهي ربما أول من دخل كتاب "غينيس" من حيث عدد ما ارتكبته من جرائم وأعمال وأفعال خارجة عن القانون الدولي. وهي بأعمالها الإجرامية والبربرية هذه تجد دائماً من يشكل لها حاضنة ومدافعاً وحامياً من أية عقوبات قد تفرض عليها جراء تلك الجرائم والأفعال.

فأمريكا وأوروبا الغربية كانتا دائماً تختلقان الحجج والذرائع لما تقوم به إسرائيل من جرائم وممارسات همجية ووحشية ومخالفة للقانون الدولي بحق المدنيين العزل، في ازدواجية وتعهير واضحين للمعايير والقوانين الدولية وانتقائية في التطبيق.

ولعل المثال الساطع والواضح في هذا المجال هو ما ارتكبته إسرائيل من جرائم في حربها العدوانية على قطاع غزة في كانون أول/2008،حيث استخدمت الأسلحة المحرمة دولياً، وقتلت الأطفال والشيوخ والنساء من المدنيين العزل، واستباحت كل شيء ولم توفر لا مشفى ولا مسجد ولا مدرسة، حتى مقرات الأمم المتحدة تم قصفها وتدميرها. ورغم أن تقرير هيئة الأمم المتحدة أو ما عرف بتقرير غولدستون أدان إسرائيل بتلك الجرائم، إلا أننا وجدنا أمريكا ودول أوروبا الغربية، استخدمت كل ثقلها ونفوذها لمنع تلك الإدانة أو إحالة التقرير إلى مجلس الأمن الدولي من أجل محاكمة قادة إسرائيل وجلبهم للمحاكم الدولية بتهم ارتكاب جرائم حرب.

إن هذه الاستباحة والخروج عن القانون الدولي والفرعنة غير المسبوقة والصلف والعنجهية ليست نتاج الدعم اللامحدود الذي تتلقاه إسرائيل من أمريكا وأوروبا الغربية فقط، بل هو نتاج حالة ضعف وانهيار عربي شامل لم يرتق ولو مرة واضحة إلى مستوى الحدث، بل في أكثر من مرة كانت دول النظام الرسمي ليس فقط في موقف المتفرج، بل الداعم والمؤيد لما تقوم به إسرائيل من جرائم وممارسات خارجة عن القانون الدولي والإنساني. وكلنا يستذكر جيداً مواقف العديد من دول النظام الرسمي العربي إبان الحروب العدوانية التي شنتها إسرائيل على لبنان في تموز/ 2006 وقطاع غزة كانون أول/2008، كيف شكلت دعماً وغطاءً لإسرائيل في مواقفها المنتقدة للمقاومة لكي تستمر وتتمادى في عدوانها.

واليوم وإسرائيل ترتكب جريمة واضحة وبينة بحق أسطول التضامن الدولي الذي ضم المئات من المتضامين العزل والذين جاؤوا من أكثر من بلد ودولة لكسر الحصار الظالم المفروض على قطاع غزة منذ أكثر من أربع سنوات، وتقديم مساعدات إنسانية لهؤلاء المحاصرين، وفي رسالة واضحة للعالم أجمع بأنه يجب وضع حد لمعاناة أكثر من مليون ونصف مليون فلسطيني، ليس لهم أي ذنب أو جريمة اقترفوها إلا أنهم يطالبون ككل بني البشر بالحرية والاستقلال والعيش بكرامة، يأتي الرد الإسرائيلي على ذلك بالاقتحام والرصاص والقتل، حيث استشهد حوالي عشرين متضامناً وعشرات الجرحى.

إن هذه الجريمة الإسرائيلية بحاجة إلى أكثر من بيان شجب واستنكار ولازمة "الجعجعات" الكلامية والشعارات الفارغة والطنانة، فهي بحاجة إلى فعل جاد وحقيقي، وحذار من مواقف المنهارين والمتخاذلين من دول النظام الرسمي العربي، والذين سيتحفوننا بلازمة الواقعية والعقلانية والمصلحة العربية، والقائلة بأن طرد سفراء إسرائيل من العواصم العربية وإغلاق مصالحها وممثلياتها التجارية ليس في الصالح العربي، فهؤلاء كانوا العراب دوماً لمثل هذه الممارسات وهذه المواقف المخزية والمذلة، وهي التي جعلت إسرائيل تتمادى ووتفرعن وترتكب جرائمها دون حسيب أو رقيب أو تتوقع رد عربي مؤلم وموجع.

وعلى الجماهير والحركة الشعبية وكل القوى والأحزاب العربية الممسكة بخيار المقاومة بمختلف ألوان طيفها السياسي أن تخطو خطوات نوعية للضغط على هذه الأنظمة بشكل جدي لتتخذ مواقف عملية ترتقي إلى مستوى الحدث والمسؤولية، وان تغادر موقع الذل والعار الذي جعلته يلف هذه الأمة، وحولتها إلى مستجدين على عتبات الأمم المتحدة والبيت الأبيض.

وأيضاً على المتشدقين بحقوق الإنسان وما يسمى بالقانون الدولي، أن يخرجوا عن إطار صمتهم، ليس فقط بإدانة واستنكار ما أقدمت عليه إسرائيل من جريمة حرب بحق المتضامنين العزل، بل بملاحقة مجرمي الحرب الإسرائيليين الذين ارتكبوا هذه الجريمة وغيرها من الجرائم من أجل جلبهم ومحاكمتهم أمام المحاكم الدولية كمجرمي حرب.

كما أنه على العالم أن يخرج عن صمته وعماه وطرشه، وأن يقول كلمة حق ولو مرة واحدة بأن الحصار على غزة يجب أن ينتهي، وإسرائيل يجب أن يوضع حد لغطرستها وعنجهيتها وخروجها السافر على القانون الدولي، وأيضاً على من يشارك من العرب في هذا الحصار أن يعود ويثوب إلى رشده، ويعلن عن فتح المعابر إلى قطاع غزة المحاصر، بدلاً من بناء الجدران الفولاذية على حدودها من أجل تشديد الحصار، فالتاريخ والشعب لن يغفر مثل هذه المواقف، فمثل هذه المواقف تشجع العدوان والغطرسة الإسرائيلية.

إن ما ارتكبته إسرائيل من جريمة حرب بحق أسطول المتضامنين يجب أن يكون ضوءا أحمر وناقوس خطر لكل ألوان الطيف السياسي الفلسطيني وبالذات حركتي فتح وحماس، بأن هذا الاحتلال العنجهي والمتفرعن يستهدف شعبنا الفلسطيني كشعب وليس كموالاة أو معارضة، وهو يريد لشعبنا وفصائلنا أن تبقى في حالة ضعف وانقسام، من أجل أن يستمر في تنفيذ مشاريعه ومخططاته وتكريس الأمر الواقع على الأرض بتأبيد وتخليد الاحتلال.

ومن هنا فإن المطلوب العمل بشكل فوري على إنهاء ظاهرة الانقسام، وتوحد كل فصائل شعبنا الفلسطيني على برنامج واحد وإستراتيجية موحدة، تمكن شعبنا الفلسطيني من الصمود والمقاومة والتصدي لكل ما يقوم به الاحتلال من مخططات وممارسات تستهدف شعبنا في كل مناحي حياته ووجوده وحقوقه.

الجريمة كبيرة وواضحة ولا تحتاج إلى أدلة وإثباتات، ولكن ستجد إسرائيل من يدافع عنها ويحميها من معهري القانون والمعايير الدولية، فأمريكا وأوربا الغربية جاهزتين لهذه المهمة وهذا الدور باستمرار، فهما لم تواجهان بمواقف عربية وصلبة تهدد مصالحهم في المنطقة، بحيث تجعلهم يحسبون ألف حساب لأي موقف منحاز لإسرائيل يتخذونه، ولكن ما هو مطلوب منه حسم الأمور ومغادرة نهج التفاوض من أجل التفاوض، هم ما يسمى بدعاة نهج الاعتدال والواقعية، فإسرائيل بجرائمها وممارساتها لم تترك أي مجال لمثل هذا الخيار في النجاح، وعليهم أن يجربوا الخيارات الأخرى التي كانت دائماً وأبدً قاطرة الشعوب للحرية والاستقلال.

"العاصمة"... القدس والفعل الثقافيّ | ملف خاص