الأزمة "إسرائيلية" وطوق النجاة عربي../ الياس سحّاب

من أسوأ ما يتلهى به العرب في ممارساتهم السياسية عامة، خاصة على صعيد الثقافة السياسية للجماهير العربية، مواجهة أزمات الجهات المعادية لنا سياسياً بالفرح والشماتة، بدل مواجهتها بمحاولة الفهم العميق، حتى نتمكن من تحويلها إلى رصيد ايجابي لنا، نضيفه إلى رصيد المواجهة الطويلة عادة بيننا وبين هذه الجهة.

هذا الكلام النظري ينطبق أكثر ما ينطبق عملياً، على التاريخ الطويل للطريقة التي تعودنا أن نواجه بها السلسلة الطويلة من الأزمات الخطيرة التي مر بها الكيان الصهيوني، في أكثر من محطة من تاريخ اغتصابه لفلسطين. ولنأخذ مثالاً عملياً على ذلك، الأزمة الأخيرة التي ما زالت تتخبط فيها “إسرائيل”، منذ فشلها في تحقيق أهداف عدوانها على لبنان في الصيف المنصرم. وهي كما يبدو بالعين المجردة، وعلى صفحات الجرائد “الإسرائيلية”، ودونما أي حاجة للاستعانة بالوثائق السياسية السرية المخبأة في إدراج واشنطن وتل أبيب، أزمة مستمرة ومتصاعدة، ما زال الظاهر منها على السطح لا يتجاوز رأس جبل الجليد (أي جبل الأزمة)، المرشح لتطورات درامية مدوية في رأس القيادة العسكرية “الإسرائيلية” (كما حصل حتى الآن فعلاً) ورأس القيادة السياسية، كما سيحصل عاجلاً أم آجلاً.

وبما أن أولمرت وحزبه الحاكم لم يعد لديهما في جعبة الحركة السياسية الداخلية في “إسرائيل” أي رصيد، كما تصرح بذلك يومياً الصحف “الإسرائيلية”، فقد استدار يبحث ذات اليمين وذات اليسار عن طوق نجاة ينقذه (مع حزبه) من الغرق، فتذكّر المبادرة العربية، التي أقرت في قمة بيروت منذ خمس سنوات، والتي أجهضها شارون وهي جنين، ودفنها عملياً، فتحولت إلى مومياء في خزانة الأرشيف العربي، لا يعيرها أحد في الداخل أو الخارج أي قيمة، حتى حان الآن وقت سحبها من الخزانة، لاستخدامها طوق نجاة.

طبعاً، إذا حصرنا البحث في الناحية النظرية، فإن الانصاف يقضي بالاعتراف أن النص المتكامل لمبادرة بيروت، إذا ما طبق بحذافيره، وبكل بنوده، دون حذف أي بند منها، يمكن أن يكون أساساً صالحاً للبحث في تسوية سياسية للصراع العربي “الإسرائيلي”، بشرط ضروري لا يعود للمبادرة أي قيمة دونه، هو أن يتوحد العرب كلهم، شعوباً ودولا، بكل طاقاتهم الاقتصادية والسياسية والمعنوية، كتلة واحدة متراصة تضع ثقلها كله في كفة المبادرة، وإلا تحولت المبادرة إلى ريشة في مهب الريح، لا تزن أكثر من وزن الورق الذي كتبت عليه. وهذا ما يبدو في الأفق، إذا تحولنا من البحث النظري في المسألة، إلى البحث العملي.

إن ما يحدد المصير العملي للمبادرة: هل تتحول إلى طوق نجاة لزعماء “إسرائيل” من أزمتهم، وأزمة الكيان “الإسرائيلي” كله، أم تتحول إلى مدخل معقول لتسوية معقولة، هو التصرف العملي لكلا الجانبين: العربي، و”الإسرائيلي”.

في الجانب “الإسرائيلي”، نرى أولمرت (رغم أنه أكبر المحتاجين لهذه المبادرة كخشبة خلاص وحيدة متاحة امامه) يتدلل إلى آخر مدى، ويلعب دور “المحتاج المستغني”، فيصرح علنا بأن بعض بنود المبادرة ايجابية، أما البنود الأخرى فسلبية. طبعاً، يعني أولمرت بالبنود الايجابية، تلك التي تحقق مصالح “إسرائيل”، أما السلبية فهي التي تحمي بعض الحقوق التاريخية للفلسطينيين والعرب. إنه يصرح ويتصرف، باتجاه قبول البنود التي تعجبه، ورفض تلك التي لا تعجبه.

أما السيدة ليفني، البولندية الأصل، فمغرمة على ما يبدو بتقليد السيدة الأمريكية رايس في مواقفها العنترية، فتطلق تصريحات نارية ضد ما لا يعجبها من المبادرة، وتؤكد للعرب أن ليس أمامهم، إذا أرادوا الحل، سوى تطبيع علاقاتهم أولا مع “إسرائيل”، وبعد ذلك فقط يجري البحث في احتمالات السلام.

هكذا بتصرف بعض قادة “إسرائيل”، وبعضهم الآخر يقف له بالمرصاد، لأنه يعتبره بهذه التصريحات متجها إلى التفريط. فكيف يتصرف قادة العرب؟

* بعض العرب اعترف منذ سنوات طويلة ب “إسرائيل”، وطبّع العلاقات معها تطبيعاً كاملاً، حتى من قبل أن تعترف “إسرائيل” لفظياً (لا عملياً) بحقوق الفلسطينيين. ونحن لا نتحدث طبعاً عن الحقوق التاريخية، بل فقط عن تلك التي تنص عليها وتكفلها قرارات الأمم المتحدة ذات العلاقة.

* بعض العرب الآخر يمارس التطبيع منذ سنوات من دون إعلان، سوى بند واحد هو الاعتراف الدبلوماسي الكامل، الذي اخترع له بدائل تجارية واقتصادية وسياحية للتمويه والتعمية.

* مسؤول عربي، يصرح علنا بأن معرفته بالسيد أولمرت تجعله يؤكد، على ضمانته، أنه رجل طيب.

فإذا أضفنا إلى هذه الشواهد الجزئية، جردة سريعة لواقع القوى العربية الحقيقية، ومواقع توظيفها اقتصادياً وسياسياً وعسكرياً وثقافياً وإعلامياً، فإن علينا التوقف عن البحث النظري في بنود المبادرة العربية، والالتفات إلى مواصفات التطبيق العملي الجاري حالياً، والتي لا مجال فيها للأوهام والتمنيات، ولا حتى الصلوات والدعوات الصالحة، حيث لا شيء يغني في هذا المجال عن الوضع الحقيقي لميزان القوى بيننا وبين “إسرائيل”.

صحيح أن “إسرائيل” في أزمة متصاعدة منذ عدوانها الفاشل على لبنان في الصيف الماضي، وهي أزمة كيان وليست فقط أزمة زعامة سياسية، لكن الأوضاع العربية من الركاكة بمكان لدرجة أن تحريك المبادرة العربية سيكون أقرب إلى تحويلها لخشبة خلاص للكيان “الإسرائيلي” والزعامة “الإسرائيلية” في أزمتهما، منها إلى أي احتمال آخر.

اللهم اننا لا نسألك رد القضاء، بل اللطف فيه. أي اننا إذا لم نكن قادرين على توظيف أزمة الكيان والقيادة في “إسرائيل” لصالحنا، فلنمتنع (على الأقل) عن القاء طوق النجاة العربي، لإخراج “إسرائيل” من أزمتها المزدوجة.

"الخليج"

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018