الأطلسي على بوابات الشرق الأوسط.. فماذا يريد؟../ أحمد الحيلة*

أرسلت فرنسا (23/1) فرقاطة تحمل طائرات هليكوبتر لمراقبة المياه الدولية قبالة سواحل قطاع غزة، في إطار ما وصف بأنه دعم لوقف إطلاق النار. يأتي ذلك في الوقت الذي دعت فيه فرنسا "ساركوزي" إلى التعاون بين الإدارة الأميركية الجديدة والشركاء الأوروبيين لتقديم اقتراحات بشأن إجراءات تكميلية للتصدي لـ"تهريب الأسلحة" برا وبحرا إلى القطاع.

هذه الخطوة العملية من فرنسا جاءت عقب إعلان الاحتلال عن توصله مع الاتحاد الأوروبي بعيد زيارة تسيبي ليفني إلى بروكسل (22/1)، إلى تفاهمات مشتركة بشأن ضرورة "منع تهريب السلاح إلى غزة"، في خطوة تكمّل سيناريو التحالف الدولي ضد غزة الذي بدأ بتوقيع مذكرة التفاهم بين واشنطن وتل ابيب ( 16/1 ) من أجل منع وصول السلاح إلى المقاومة في غزة، من خلال تفعيل دور الحلف الأطلسي للقيام بتلك المهمة.

تلك الإجراءات وغيرها تثير لدى المراقب السؤال: هل مراقبة شواطئ غزة، وحدودها البرية مع مصر (11 كيلومتر) بحاجة إلى تدخل الحلف الأطلسي الذي يصول ويجول في بحار العالم؟! هل جغرافيا غزة تحتاج إلى تدخل الولايات المتحدة، والاتحاد الأوروبي، إضافة إلى إسرائيل ومصر العروبة لمراقبة الشواطئ لمنع "تهريب" الأسلحة؟! أليس في ذلك مبالغة خاصة إذا أدركنا أن سلاح المقاومة في غزة هو في معظمه صنيعة أيادي المقاومين هناك؟! ألا تشي تلك التحركات التي يمكن وصفها بالعالمية، بأن هناك ما هو أبعد من مجرد مراقبة شواطئ غزة، على أهمية ذلك للاحتلال؟!

بناء على ما سبق من أسئلة مشروعة، نرى أن الاحتلال الإسرائيلي وبتنسيق عالي المستوى مع القاهرة، وواشنطن، وعواصم الاتحاد الأوروبي، يسعون جميعاً لتحقيق عدة مسائل من تلك الجلبة الدولية، وذلك على النحو التالي:

• أولاً: محاولة إنقاذ وتعويض العسكرتارية الصهيونية عن جرحها الغائر في جسم الجيش والذاكرة والوعي الإسرائيلي، عقب الضربة التي تلقتها إسرائيل على يد المقاومة الفلسطينية في غزة. فالاحتلال الذي فشل في تحقيق أياً من أهدافه المعلنة والخفية بين يدي العدوان على غزة، يسارع إلى خلق تحالفات دولية تساعده في إنقاذ نفسه، وإنقاذ سمعة جيشه "الذي لا يقهر" بعد أن تمرغ أنفه في وحل غزة، وبعد أن فقد القدرة على السيطرة أو الحسم، عقب هزيمتيه المدويتين في لبنان 2006، وغزة 2009 ، أي أن الاحتلال وبمعية الحلفاء الغربيين، وبانزلاق بعض العرب، يحاول التعويض وملء الفراغ في القدرة والردع عن طريق توسيع شبكة التحالفات الدولية والإقليمية.

• ثانياً: تلك التحالفات الدولية تأتي كخطوة استباقية لتطويق "ظاهرة" المقاومة التي بدأت فلسطينية، وتعاظمت لتصبح ظاهرة مدعومة من الرأي العام الفلسطيني، والعربي، والدولي. فبعد هذا الزخم الجماهيري العالمي الذي خرج يدافع عن فلسطين الضحية وحقها في مقاومة النازية الصهيونية، أصبح هناك تخوف صهيوني إسرائيلي من انعكاسات الحرب على غزة، من أن تؤدي إلى تعاظم شأن المقاومة في المنطقة والعالم، بعدما أكدت المقاومة على عدالتها وشرعيتها في الدفاع عن المدنيين أمام آلة الحرب الصهيونية النازية التي أقضّت بمجازرها وساديتها مضاجع العالم الذي لم يعد يحتمل صور الأطفال الذين يقتلون بدم بارد. أي أن الاحتلال يستنفر حلفاءه في الغرب والمنطقة العربية لمساعدته في تقويض نجاح المقاومة، ونزع الشرعية الشعبية عنها..، والغريب هنا أن هناك دولاً عربية ترى في القضاء على المقاومة أو إضعافها هدفاً مشتركاً مع الاحتلال الذي ما زال يحتل الأرض ويقتل الإنسان الفلسطيني الأعزل! إنها من غرائب الأقدار!

• ثالثاً: يسعى الاحتلال ومن خلال إحاطة نفسه بمنظومة الدول الغربية الرسمية المتحالفة، إلى وقف التدهور في صورته أخلاقياً وقيمياً على مستوى الرأي العام؛ فالحرب على غزة كشفت حقيقة وطبيعة الاحتلال الإرهابي، وكشفت أن فلسطين فيها شعب عريق ما زال يتمسك بحقوقه، وله الحق في الحياة والاستقلال كباقي الشعوب. فالعدوان على غزة وحجم الدمار والقتل والمجازر، غيّر من نظرة الرأي العام الغربي اتجاه إسرائيل من دولة غربية متحضرة وديمقراطية ومظلومة وسط بحر الدول العربية، إلى دولة احتلال إرهابية قاهرة لحقوق الإنسان، وهذا بحد ذاته لا يقل خطورة عن "هزيمة" وفشل الاحتلال في غزة، لأن معركة الرأي العام في الغرب لها انعكاساتها السياسية على سلوك النظم الغربية بحكم أنها دول ديمقراطية تحكمها وتؤثر فيها توجهات الرأي العام، وهذا ما يخشاه الاحتلال، الذي دفع وعمل الكثير لكسب معركة الرأي العام خلال القرن الماضي.

• رابعاً: الأمر الأخير وهو على درجة من الأهمية بتعلقه بأمن المنطقة العربية والشرق الأوسط عموماً؛ فكما أشرنا في المقدمة بأن حجم التعاون بين تل ابيب، وواشنطن، وبروكسل يفوق حاجة وحجم الرقابة على قطاع غزة الذي لا تتجاوز مساحته الـ 360كم مربع. أي أن تواجد الحلف الأطلسي بكثافة في المنطقة وتحديداً في البحر الأبيض المتوسط، والبحر الأحمر، والخليج العربي يشير إلى أن مهمة تلك الأساطيل تتعلق بأدوار أمنية وعسكرية تصل إلى حد التحكم في أهم الممرات المائية الدولية، إضافة إلى فرض الوجود الغربي المهيمن والمسيطر قبالة سواحل دول ما زالت تصنف أمريكياً بالإرهاب كسوريا، وإيران، والسودان..، تلك الدول التي ينظر إليها نظرة عدائية من قبل الغرب، أي أن الأمر لا يجانب رسائل التهديد لتلك الدول وتحذيرها من مغبة الاستمرار في نهجها الممانع والمقاوم بشكل عام، وما يجري هو توسيع لرقعة المواجهة، وإن كانت دون الصدام العسكري في الوقت الحاضر.

صحيح أن أولويات الرئيس الأمريكي الجديد "أوباما" ستنصب في أولوياتها على الشأن الأمريكي الداخلي، ولكن ذلك لا يعني التخلي عن الدور الأمني في الشرق الأوسط الذي ما زال يمثل منطقة امتداد حيوية لمصالح واشنطن الدولية، فما زال الشرق الأوسط وسيبقى يمثل عقدة الممرات المائية الدولية، كما هو مصدر الطاقة الأول في العالم.

ومن هنا لا بد للنظر إلى اجتماعات شرم الشيخ، ومن ثم مذكرات التفاهم الأمنية الموقعة بين تل ابيب، وواشنطن، وبروكسل بمنظور أوسع وأعمق من مسألة تهريب الأسلحة إلى قطاع غزة، وإن كانت تلك المهمة على درجة من الأهمية والخطورة بالنسبة للاحتلال الإسرائيلي الذي دخل انعطافة تاريخية حادة وحساسة بفعل صمود وضراوة المقاومة الفلسطينية واللبنانية التي تعد رأس حربة في مواجهة المشروع الصهيوني.