الإصلاح العربي.. بين الداخل والخارج/ د.طيب تيزيني

من منظور براغماتي بحت، نستطيع القول- وبكثير من الثقة- إن مناسبة طيبة كالتي يمر بها العالم الإسلامي العربي الآن، وهي شهر رمضان المبارك، تتحول في بلداننا إلى منعطف حميمي في التعامل مع الناس والتقرب إليهم. فالاستفراد بالمال العام في جلّ البلدان العربية، والذي يضع شعوبها أمام بؤس قائم على انتزاع ثالوث الكرامة والحرية والكفاية المادية، يستنفر المسؤولين ليستثمروا المناسبة الطيبة، مُظهرين مشاركتهم للناس في حياتهم، بهدف التضامن معهم وتطوير حياتهم. وعندئذ نغدو أمام نمطٍ من الثنائية كمدخل للتفكير بشؤون الناس والسّعي إلى العمل على إصلاحها.

أما الوجه الآخر لهذا الموقف فيتمثل في استبدال الاستحقاقات الموضوعية التي يفرضها الإصلاح القومي بمختلف أوجُهه، والتي لا تأتي من مطالب شعبية موضوعية وضرورية، بقدْر ما تعبّر عن حالة "فريدة" غير نابعة من مقتضيات الحالة القومية أو الوطنية!

إن مثل هذه الظاهرة تعود إلى جزء من التراث السياسي العربي وغيره. ولكنها تكتسب صيغة متعاظمة، بعد أن تعاظم السخط على ذوي القرار العربي، يداً بيد مع الخراب الذي يحل في حياة الناس الفقراء والمُفقرين باطراد، ومع إقصاء هؤلاء من حسابات الفاعلين في النظام الاقتصادي. وقد أنتج ذلك حالة من الاضطراب والخلل والتعاسة في حياة فئات واسعة، ممتزجاً بقدر من الكآبة والخوف ثم بميول مُضْمرة نحو التطرف. وقد نوغل في تلك الميول، لنضع يدنا على نشوء رغبات أولية تنمو باتجاه المصادقة على فكرة الاستقواء بالخارج. لكن مع استفحال الوضع في العراق المُحتل وظهور النوايا الأميركية هناك أو- على الأقل- مع فشل ما اعتقد هؤلاء بأنهم قادرون على تحقيقه، أخذت وطأة تلك الرغبات والميول الشعبية تمر بأزمة، من مظاهرها التوجُّس من الاستقواء بالخارج (الأميركي وغيره).

لكن الوجه الآخر من هذه الأزمة تمثّل في أن "أهل الحل والربط" من العالم العربي، لم يستنبطوا النتائج الضرورية واللازمة على صعيد مشروع الإصلاح الوطني الديمقراطي.
ها هنا نضع يدنا على نمط من الإشكالية القاسية أخذ السواد الأعظم من الشعوب العربية يعيش عذاباتها المُهينة: تلك هي الخروج من النفق المظلم والمركّب والمعقد القائم على عالمين كلاهما يقود إلى الآخر ويصعّده: إلى أين نتّجه، إلى الداخل، داخل البلد الأم، أم الخارج الذي يُظهر من الحنوّ والإنسانية والتضامن ما يدعو إلى الاعتقاد بأنه هو "الأم والأب"؟ ولعل هذه الإشكالية تبدو، كما بدت لفريق من المصلحين والمفكرين العرب، بمثابتها أمراً قابلاً للحل والخروج منها بأمان.

وقد قدمت التجربة التاريخية العربية الحديثة، ما رأى البعض أنه أدلة على كونها احتضنت "قبولاً بالمحتل" كطرف يُستعان به على الداخل (العربي) ويُستقْوى. وهاك الدليل، يقدمه لنا الدكتور نصر حامد أبوزيد، منذ وقت ما زال راهناً، بل قوياً في راهنيته. يقول أبوزيد في حوار أجرته معه جريدة "النور" السورية الدمشقية بتاريخ 30/11 من العام الماضي: "في الحقيقة لا يوجد إصلاح دون علاقة بما يُسمّى الخارج، يعني عصر النهضة الإصلاحية بدأ مع قدوم أوروبا إلى هذه المنطقة".

ويرى الباحث أن مقتضيات الإصلاح والتغيير يمكن أن تسوّغ احتمال التعاون مع المحتل البريطاني لمصر، وهذا ما حدث حين تم ذلك بين رجال إصلاحيين مصريين وبين المندوب السامي البريطاني، اللورد كريمر، في حينه.

في إطار هذا الموقف من "الخارج- الداخل"، أي الخارج الذي أصبح الداخل، بعد أن احتلّه، نكشف عن مزيد من التعقيد والتركيب في الموقف المذكور. لكن وجهاً واحداً من أوجه التعقيد المعْنِي على الأقل، يفرض نفسه على صعيد التساؤل التالي: إذا كان الداخل العربي (على الأقل في جُلّ تجليّاته القطرية) مُحاصَراً من النظام السياسي الأمني المهيمن، فكيف له أن يستقبل الخارج بكل قوته العظمى، وكيف سيتصرف هذا الخارج حيال مثل ذلك الداخل؟ كم الأمر مأساويا، حين نتبين أن النظام العربي يتخلى عن الحد الأدنى من واجباته التي تمثل هنا "فرض كفاية"؟!

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018