"الاحتلال والتدخّل العسكريّ" في تقرير التنمية الإنسانية العربية لعام 2009*../ سماح إدريس**

تنحصر ملاحظاتي هنا في الفصل الثامن من تقرير التنمية الإنسانية العربية لهذا العام، وهو فصلٌ خُصّص لدور الاحتلال والتدخّل العسكريّ في انعدام أمن الإنسان العربيّ.

وهذا هو موضوعُ جلستنا الليلة في كلّ حال. ولكنْ، بدايةً، أودّ أن أتطرّق إلى التقديم الذي جاء به التقرير. ففي الصفحة 6 نقرأ: «يرى التقريرُ أنّ سياسات القوى الخارجية لم تكن مساعدةً في هذا المجال»، والمقصود مجالُ توفير أمن الإنسان العربي طبعاً. «لم تكن مساعدة»؟ إنّ هذا التعبير لهو شديدُ الميوعة في رأيي، وكان ينبغي تغييرُه بعباراتٍ أقسى تعكس واقعَ السياسات الإمبريالية ـ الصهيونية الوحشية في وطننا العربيّ، ولا سيّما أنّ التقرير يعود بعد ذلك مباشرةً ليقول: «لقد تَركت التدخّلاتُ الأجنبيةُ والاحتلالاتُ وطأةً مدمِّرةً على أمن الإنسان بالمعنى المباشر للكلمة». إذاً، كان ينبغي حذفُ عبارة «لم تكن مساعدة» كي لا يتوهّمَنّ أحدٌ أنّ التقرير يرى أية إيجابية، حاصلة أو مأمولة، في الاحتلال الأجنبيّ أو التدخّلات العسكرية الأجنبية.

■ ■ ■

بعد ذلك أقدّم ملاحظةً تبدو شكليةً ولكنها قد توحي بما هو أبعدُ كثيراً من الشكل. فقد لاحظتُ أنّ فصل «الاحتلال والتدخّل العسكريّ» قد حَلّ ثامناً، أيْ قبل الملاحظات الختامية. وسؤالي هو التالي: هل بات الاحتلالُ والتدخلُ العسكريّ الأجنبيّ في فلسطين والعراق ولبنان والصومال والجولان السوريّ (الذي «نسيه» التقرير!)... أقلَّ وطأةً على أمن الإنسان العربيّ من البيئة والصحّة والجوع وسياسات الهوية واضطهاد المرأة مثلاً؟ أطرح هذا التساؤل وفي ذهني عددٌ من المنظمات غير الحكومية التي تحاول استبعادَ قضايا الاحتلال والاستعمار والصهيونية، أو تسعى إلى التقليل من شأنها في أقلّ تقدير، لمصلحة أمور ومصطلحات كـ«تمكين المرأة» و«حقوق الإنسان» و«معالجة التصحّر والاحتباس الحراري».

وأسارع إلى القول إنّ هذه الأمور الأخيرة فائقة الأهمية، سوى أنّها غالباً ما تُطرح، عمداً وعن سابق نيّة، بديلاً من مقاومة الاحتلال والاستعمار، لا رديفاً للمقاومة أو جزءًا لا يتجزّأ من مشروع شامل ومتكامل لمقاومة الظلم بأشكاله كلها. وفي هذا المجال لا يسعنا إلا التذكيرُ بأنّ الساسة الأميركيين هم مَن يواصلون الزعمَ أنّ التدخّل العسكريّ الأميركيّ يتمّ من أجل حقوق الإنسان وتحقيق الديموقراطية (من دون أن نرى إلا عكسَ ذلك طبعاً في العراق مثلاً).

بكلمات أخرى، كنتُ أتمنى لو لم يأتِ الحديثُ عن خطر الاحتلال على أمن الإنسان العربيّ في نهاية التقرير؛ ذلك لأنّ تأخير ترتيبه على هذا النحو الخطير قد يعْكس خلفيةً فكريةً نيوليبراليةً أو استشراقيةً تدّعي أنّ المشكلة ليست (إلا بنسبة ضئيلة) في السياسات الإمبريالية «الخارجية»، بل تكمن أساساً في داخل المجتمع العربيّ أو «العقل العربيّ»، أو كأنّ مشاكل العرب الحالية نفسَها (بما فيها مشاكلُ الصحّة والتعليم) منقطعةُ الصلة بسياسات الانتداب والاستعمار القديم والجديد طوال عقود!

■ ■ ■

ثمة تعبيراتٌ في هذا الفصل أخشى أن تستبطنَ تصديقاً لمزاعم الاحتلال والتدخّل العسكريّ الخارجيّ. فماذا نقول مثلاً عن هذه العبارة صفحة 169: «مع تعاظم الفوضى أخفقتِ القواتُ المتحالفة (...) في أداء التزاماتها بضمان الأمن للمواطنين العراقيين». فأيّ التزامات للاحتلال الأجنبيّ إزاء أمن العراقيين؟! إنّ مَن يكتب هذا الكلامَ يبدو وكأنه يصدّقُ «التزامات» تلك القوات الاستعمارية أو يأخُذُها على محمل الجِدّ؛ بل يبدو وكأنه يستبعد، مسبّقًاً ومن دون أيّ تسويغ، نظريةَ «الفوضى الخلاّقة» التي اعترف القادةُ الأميركيون أنفسُهم، منذ سنوات، بأنها من ضمن سياساتهم في العراق.

إنّ تحقيقَ الأمن في العراق، كما كان ينبغي على التقرير أن يؤكّد بلا أدنى لبْس، لم يكن يوماً من أهداف الاحتلال الأميركيّ في العراق... إلاّ في ما يخصّ قواته (وبعضَ أعوانه ربما). بل كان الأصحّ القول إنّ الاحتلال يؤيّد الاقتتالَ المذهبيّ في العراق لأنّ مثلَ هذا الاقتتال يكرّس حاجةَ غيرِ طرفٍ عراقيّ إلى بقائه هناك.

■ ■ ■

على الرغم من أنّ التقرير يتوخّى الموضوعية، فإنه لا يتردّد في تبنّي مقولات واصطلاحات تنْضح بالانحياز. خذوا مثلاً وصفَه المقاومةَ العراقيةَ بـ«الميليشيات»، وهو تعبيرٌ بات مذموماً في الخطاب العربيّ بعدما شهد شيئاً من المديح في عقود سابقة (كما في تعبير «الميليشيا الشعبية»). فهل كلُّ فصائل المقاومة العراقية ميليشيات، وهل كلُّ عمليّاتها (وأقصد تحديداً تلك التي تستهدف جنودَ الاحتلال وآليّاتِه) عملياتٌ «ميليشيويةٌ»؟

وتأمّلوا العبارة التالية التي تتحدّث عن أنّ أعضاء تنظيم القاعدة «تسلّلوا إلى العراق بحجّة مقاومة الوجود العسكريّ الأميركيّ». ثمة ادّعاءٌ هنا، غيرُ مسنود بأيّ دليل، بأنّ القاعدة غيرُ مخْلصة في مقاومة الاحتلال الأميركيّ؛ وإلاّ فما مبرّرُ استخدام تعبير «بحجّة» (هذا إذا افترضنا أصلاً وجوبَ وجود «حجّة» لمقاومة الاحتلال)؟ من الطبيعيّ، بل الضروريّ، أن نقول إنّ للقاعدة أهدافاً أخرى في العراق، مذهبيةً وثأريةً وتسلّطيةً؛ ولكنْ أن نسخّف عملَها وخطابَها ضدّ الاحتلال، فذلك أمرٌ بعيدٌ عن الموضوعية والواقع، ناهيكَ بأنه يتناقض مع اعتراف الجيش الأميركيّ نفسه.

وفي المقابل تأمّلوا معي هذا الوصفَ اللطيفَ الناعمَ لما تقوم به البشمركة في كردستان العراق. يقول التقرير: «البشمركة تمارس مَهمّات أمنيةً في كردستان». يا سلام! إنّ تعبير «مهمّات أمنية» قد يكون محايداً، وربما موضوعيّاً فعلاً، من منظور الطالباني والبرزاني وحزبيْهما فقط... ولكنه ليس كذلك بالتأكيد من منظور العرب والتركمان الذين يصفون البشمركة بالميليشيات العِرقية والانفصالية والفاشية وذاتِ الارتباط بالموساد الإسرائيليّ داخل كردستان العراق (وهذا الأمر الأخير حاول أن يوثّقه سيمور هيرش في حزيران 2004، وأكّده أليعازر جيزي تسافرير، الرئيسُ السابقُ لمكتب الموساد في أربيل، أمام الصحافيّة لورا روزِنْ من موقع «ماذرجونز دوت كوم»).

وفي السياق نفسه يتحدث التقريرُ عن «إيجابيات الوضع في كردستان»، متجاهلاً تقاريرَ سابقةً صدرتْ عن الأمم المتحدة نفسِها. ففي نيسان 2007 تحدّث تقريرُ «بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق» عن «قلقٍ جدّيّ» حيال ظروف المرأة والتوقيفات وحرية التعبير في كردستان، فيذكر أنّ 358 امرأةً أحرقن أنفسَهنّ حتى الموت في محافظة أربيل وحدها بين تاريخ الاحتلال الأميركيّ في ربيع 2003 وربيع 2007، وعن محاولة 218 امرأةً أخرى القيامَ بالأمر نفسه، وذلك بسبب «الضغوط المتزايدة من الذكور في العائلة».

كما يسلّط تقريرُ الأمم المتحدة ذاك (عام 2007) الضوءَ على استخدام السلطات الكردية المحلّية «التعذيب وسوء المعاملة ضدّ الموقوفين»، مؤكّداً أنّ «كثيرين اعتُقلوا فترات طويلةً من دون اتهام». ويستشهد التقرير برئيس نقابة صحافيي كردستان، فرهاد عوني، في ما يخصّ القيودَ على حرية التعبير إذ يقول: «إننا نشعر بأنّ الصحافيين أحياناً ضحيةٌ للمزاج السياسيّ لقوات الأمن». فأين الإيجابيات في كردستان تحديداً يا ترى... علماً بأنّ النساء والصحافيين يَبْدون مهمّين جداً في التقرير الجديد الذي بين أيدينا؟ إنّ التقرير الجديد يناقض، إذاً، النتائجَ التي خلص إليها تقريرٌ سابقٌ صادرٌ عن الأمم المتحدة نفسها.

وفي هذا الإطار، إطارِ ما يوحي بالموضوعية والحياد، تأتي خاتمةُ الفصل الثامن لتتحدّث عن «الاستفزاز والعداء من جانب الطرفين» الإسرائيليّ والفلسطينيّ. فما معنى «الاستفزاز والعداء» هنا؟ وما معنى «الطرفين»؟ أتكون مقاومةُ الاحتلال استفزازاً؟ وهل قصفُ مستوطنة استعمارية بُنيتْ على أراضي شعب أصليّ، فاستحقّت أن تُعتبر غيرَ شرعية بموجب القانون الدولي ذاته، عملٌ استفزازيّ؟ وما معنى «العداء»؟ أيريد التقريرُ من الفلسطينيين أن يمارسوا فعلَ المحبّة والصداقة والتطبيع مع المحتلّ القاتل؟ ثم ألا تَحْمل عبارة «من جانب الطرفين» مساواةً زائفةً بين السفّاح المدجّج بأعتى الأسلحة الفتّاكة، والشعب الأصليّ (شعب فلسطين) الذي يقاوم بما ملكتْ يداه من الأسلحة البدائية، فيُقتل ويُجرح ويُهجَّر بالآلاف مقابلَ عشرات فحسبُ من الإسرائيليين؟ لقد كان بمقدور التقرير، لو شاء الموضوعية فعلاً، أن يصف المقاومة الفلسطينية بعدم الفعّالية أو عدم التكافؤ مع قدرات إسرائيل التدميرية، لكنْ لا يمْكنه أن يدينها بـ«الاستفزاز والعداء»، ولا أن يضعَ أعمالََها المشروعة على قدم المساواة مع الاحتلال.

■ ■ ■

وأخيراً لا آخراً، فإنّ التقرير لا يكتفي باستخدام مصطلحات وتعبيرات مشحونة بالإيديولوجيا على ما أوردنا أعلاه، بل يُلْزم نفسَه أيضاً باتخاذ مواقف سياسية واضحة ومباشرة ومنحازة للرواية الأميركية الرسمية السائدة. فالتقرير يؤيِّد مثلاً «التسويةَ» العربية مع إسرائيل (وسيتّضح لنا عمّا قريب أنّ معاييرَه لهذه التسوية، ويا للهول، إنما هي دون سقف قرارات الأمم المتحدة المجْحفة ذاتها!). ولكنْ كلُّنا يَعْلم أنْ لا تسوية جاريةً مع إسرائيل، بل محضُ خضوع رسميّ عربيّ شبهِ كامل للشروط الإسرائيلية ـ الأميركية. كما نعْلم أنّ إسرائيل هي التي رفضتْ وترفض المبادرة النظامية العربية الهزيلة التي أُطلقتْ في بيروت عام 2002.

وفي السياق ذاته، يتغاضى التقريرُ عن عمق الأزمة في فلسطين، فيختزل الحلّ المنشود بالعمل على «إزالة الشكوك والاستفزاز والعداء بين الطرفين»، وكأنّ الصراع المديد مع إسرائيل والصهيونية ينتهي بمجرّد وقف أعمال «الاستفزاز والعداء»، أو بمجرّد كسر «الجدار النفسيّ» بين المحتلّ والشعب الأصليّ، على ما توهّم أنور السادات ذاتَ يوم.

كما يصرّ التقريرُ على اعتبار الصراع إسرائيلياً ـ فلسطينياً فقط، بل يكاد يحْصره في المناطق الفلسطينية المحتلّة عام 67، متناسياً عواملَ أساسية تُخلّ بالأمن العربيّ (وهذا هو هدفُ التقرير المفترض)، ومنها: التمييزُ العنصريّ الإسرائيليّ في فلسطين 48، وتهجير ملايين الفلسطينيين في المنافي، ومواصلةُ إسرائيل احتلالَها لشبعا والغجر وتلال كفرشوبا والجولان (هل وافق التقريرُ، بالمناسبة، على ضمّ إسرائيل للجولان عام 1981، فلم يذكرْه ضمن المناطق المحتلّة؟!)، وسرقةُ المياه اللبنانية والفلسطينية والسورية، ووجودُ أسرى عرب (فلسطينيين وغير فلسطينيين) في السجون الإسرائيلية، وعدمُ فتح ملفّ التعويضات التي ينبغي أن تدفعها إسرائيلُ لكلّ بلد عربيّ ذاق ويلاتها طوال 61 عاماً.

والأسوأ أنّ التقرير يسخّف أسسَ الحل «العادل» مع دولة إسرائيل الصهيونية حين ينتهي بتبنّي توصية مقتبسة من... جريدة نيويورك تايمز (لا غيرها!) ذات المنحى الصهيونيّ. تقول التوصية بضرورة «تجميد بناء المزيد من المستوطنات»، لا بتفكيك كلّ المستوطنات مع أنها غيرُ شرعية بموجب القانون الدوليّ نفسه. وتقول التوصية بـ«رفع الحواجز [الإسرائيلية] التي لا حاجة أمنية لها...» لا برفع كلّ الحواجز الإسرائيلية في الضفة وغزّة.

ترى هل بات أقصى طموح تقرير عن «أمن الإنسان في البلاد العربية» أن يجمِّد بناءَ المزيد من المستوطنات، وأن يرفعَ الحواجزَ الإسرائيلية بما لا يتعارض مع «أمن» إسرائيل المزعوم؟ وهل إسرائيل هي مَن يحتاج إلى الأمن أصلاً؟ وهل هدفنا، نحن المثقفين والكتّاب العرب الذين يُفترض أن ينطقَ هذا التقريرُ باسمنا، أن ندعو إلى ما هو دون القرارات الدولية (على ظلمها وقصورها)، وأن نقدّمَ توصيات تفيد أمنَ مَنْ يقتلنا ويهجّرنا منذ عقود؟
"الأخبار"

ملف خاص | الإجرام المنظم: دولة داخل الدولة