البداية الجديدة عروبة ديمقراطية ذات مشروع حضاري(4/4)/ د.محمد جابر الأنصاري*

لأن العروبة ثقافة، في تحليلها النهائي، فلا بد أن تطور ذاتها مفهومياً لتواكب طبيعة العصر، وليس لدى العروبة ما تخشاه أو تخجل منه، لقد تعودنا في خطابنا القومي التكرار بأن العروبة قومية إنسانية وديمقراطية من دون أن نهتم بالتطبيق والممارسة، وجاءنا ناطقون يحكمون باسم العروبة وأساليبهم في الحكم ضد هذه المفاهيم وان يكن باسمها. ولا بد من مصارحة النفس بأن الذهنية السائدة بين العرب المعاصرين ليست تلك الذهنية المتلائمة مع ثورات العصر العلمية والعقلية والتقنية والحقوقية... الخ، ولا بد من تغيير هذه الذهنية جذرياً لدى العرب المعاصرين، لأن الذهنية المسيطرة عليهم والمتمثلة في الاستخفاف بحقائق التفاعل مع حقائق العالم والعصر هي الذهنية “الانتحارية” بامتياز.

على العروبة الجديدة قبول “التعددية” بداخلها وبين “وطنياتها” في البلاد العربية المتعددة أولاً، حتى تستطيع بعدئذ رعاية التعددية في جوارها وبين القوميات الأخرى التي تتعايش معها في الأرض والمصير.

إن مجاهدة الفكر العربي والعمل السياسي العربي لتأصيل “عروبة ديمقراطية” يجب أن تكون عنوان مرحلة وهدفها وأولويتها.

إن المراهنة على الديمقراطية السياسية في حد ذاتها ليست كافية، ولا بد أن نتبين في رؤية أفق عاجلة المتطلبات التالية:

1- مما لا شك فيه أن بعض المتذرعين باسم العروبة- أحزاباً وحكاماً ومثقفين- قد أساءوا إليها، ولم يكونوا حتى بمستوى المبادئ التي أعلنها قادتهم المؤسسون باسمها، إلا أنه يجب ألا يغيب عن بال المتحسرين عليها أو المتبرئين منها أو الكارهين لها ان افتقاد الكتلة العربية لمقومات القوة الراجحة في عصرنا- من حضارة وتقنية واقتصاد وفكر متحرر وإنتاج حربي متطور- كان أيضاً من أهم الأسباب في تراجعها أمام القوى المعادية، ولو كان الكتلة العربية تمتلك هذه المقومات لكانت المحصلة مختلفة عما هي عليه اليوم. عندما افتقدت القوة السوفييتية التنافسية الاقتصادية وانحصر جهدها في تمتين ذراعها العسكرية فحسب، خسرت السباق الحضاري بل خرجت منه، رغم أن الماركسية كنظرية مازالت هي هي.

2- هذا يقودنا إلى ما هو أخطر منه، وهو أن محاولة التبرؤ من العروبة من دون الشروع في امتلاك العرب والمسلمين لمختلف مقومات القوة الراجحة في عالمنا تحت الشعارات الرائجة اليوم كالوطنية “القطرية” أو بالمقابل: “الإسلام هو الحل” أو غيرهما لن يغير من موازين القوة شيئاً. الإسلام في أصله وجوهره لم يكن مجرد مبادئ أو أشكال أو مظاهر.

كان الإسلام منذ بدايته نضالاً صلباً من أجل تحضير العرب “مادة الإسلام” والانتقال بهم من طور البداوة إلى طور الحضارة، ولم يقبل الإسلام إعلان البدو لإسلامهم قبل تحضرهم مع كونه دعوة عقائدية في الأساس. “قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم” (الحجرات:14). هكذا كانت مواقف الإسلام ونبيه الأمين صريحة حاسمة.

أما تجييش البسطاء والأميين اليوم لتحقيق الأغراض الشخصية لرؤسائهم، فذلك ما لا يؤسس قوة ولا يبني حضارة. وهكذا فالمنتظر من الإسلاميين المعاصرين أن يطرحوا كغيرهم مشروعاً إسلامياً للتحضر والتقدم، وإلا فهو الرجوع إلى الوراء.

3- أما الوحدات الوطنية القائمة اليوم في العالم العربي والإسلامي، فنعتقد أنها المدخل الأولي لبناء اللبنات الأولى. وعلينا أن نمنحها الفرصة للتطور بالعمل من داخلها وعدم الهروب إلى الأمام بالشعارات الكبرى، فمن يعجز عن بناء وطنه الصغير غير مؤهل لبناء وطنه الكبير، غير أن الشرط الأهم لبنائها أن تكون تنميتها منفتحة على بعضها كي تتكامل مستقبلاً، أما تنمية الانغلاق فهي بمثابة انتحار لها. فهذه الوحدات بمعايير عالم اليوم وحدات صغيرة وهزيلة لا يمكنها أن تمتلك مقومات القوة الراجحة ولا متطلبات الانطلاق الحضاري الذي لا مفر منه، فمثل هذا الانطلاق حققته في عصرنا كتل قومية كبيرة كالهند والصين واليابان. والكيانات الصغيرة في أوروبا مثلاً، لم تتردد في الانضمام الى الوحدة الأوروبية، مظلة الأمان الوحيدة لها أمناً وتقدماً واقتصاداً، ومهما طال الزمن بالوحدات العربية القائمة فإنها ستجد، ومن المؤسف أنها لم تجد بعد، ان الاعتصام بالكتلة العربية الأكبر القائمة على حرية الاختيار والتحضر والإصلاح الديمقراطي، هو سبيل البقاء الوحيد لها ولأنظمتها ولوجودها كله، وطالما تعارك العرب في معارك الحدود غفلوا عن معارك الوجود، إلا أن العروبة الجديدة، المتصالحة مع اسلامها المتحضر من ناحية، لا بد أن تعكف من ناحية أخرى على بناء الصيغة التعددية الإيجابية الفاعلة مع مكوناتها- وهي الوحدات الوطنية التي تحتاج هي الأخرى إلى توالف تعددياتها الداخلية أيضاً- فالقدرة على استيعاب التعددية فكراً وممارسة- ممارسة بالدرجة الأولى- هي القدرة اللازمة لهذه المرحلة على مختلف المستويات وذلك لن يستوعبه إلا نظام ديمقراطي قادر على التطور من داخله. هكذا فالعروبة الديمقراطية الجديدة ينبغي أن تكون تعددية تأتلف في ظلها مختلف العناصر الموجودة على الأرض العربية.

واختتاماً لهذا البحث، التمهيدي في موضوعه، فإني أرى مخلصاً أن الكتلة العربية الإسلامية- دولاً ومجتمعات- يمكن أن تظل وفية لذاتها وكيانها، وأن تتعامل في الوقت ذاته مع المشروعات والتصورات المطروحة إقليمياً ودولياً، وهذا المطلب المصيري لا يتحقق بعصا سحرية في طرفة عين، ولا بد من الإقدام عليه ضمن مشروع قادر على الحياة والحركة حسب منطق الزمن وضمن برنامج عمل لا يعتمد العشوائية وردود الأفعال، وفي تقديري أن القوى الدولية والإقليمية - من خلال تجربة العراق الأليمة بالذات - أخذت تكتشف أنه لا غنى عن الدور العربي المسؤول في المنطقة، وان مشروعات الشرق الأوسط الكبير، إذا كان المقصود منها تغييب الدور العربي وإلغاءه، تمهيداً لتصفية الوجود العربي من أساسه، ما هي إلا لعب بالنار لن يحرق إلا أصحابه ومروجيه، فلدى العرب إذا ارتفعوا إلى مسؤولية وجودهم وبقائهم، دور يضطلعون به لا من منطق العداء للعالم وإنما من منطلق احترام النفس حيال هذا العالم الذي لا يحترم إلا من يحترمون أنفسهم.

وليس من طبيعة التاريخ الانحياز، وهو ليس شركة تأمين ولا يوزع بوليصات تأمين على أحد. وكل يقف أو يسقط باستحقاقه، والزبد يذهب جفاء.. وقد ذهب كثيره مع سقوط التجارب العربية التي لم تحسن التأسيس. أما ما ينفع الناس فذلك ما ينبغي أن نتمسك به.



* مفكر من البحرين
* المقالة ضمن دراسة جديدة للكاتب تنشرها فصلية “شؤون العربية” الصادرة عن الجامعة العربية