التمثيل والتغيير../ ياسمين ظاهر

هذا المقال، يأتي كمساهمة في النقاش والاجتهادات الأخيرة، حول تمثيل النساء في لجنة المتابعة العليا، والذي اعتبره نقاشاً هاماً يثري ثقافتنا السياسية ويهدف إلى تحريك العجلة (الراكدة!) نحو مساواة تامة وحقيقية للنساء.

يمكننا القول، أن البنى والهيئات الاجتماعية- السياسية التقليدية والأبوية، مثل لجنة المتابعة، لا يمكنها – وهي أيضا لا تريد – أن تفضي إلى مشاركة حقيقية ومتساوية للنساء، لا في الصوت ولا في القرار. ويمكننا أيضا أن نذهب ابعد من ذلك لنقول، إن مساواة النساء لهو شيء متناقض جوهرياً وهذه البنى. لذلك فتمثيل النساء في بنى كهذه قد يرسخ المنظومة القاهرة لها، ويعطيها الشرعية، فيكون الرد الآلي، الجاهز عندما نرفع صوتنا لنيل حقوقنا: "هاكم، هناك نساء في لجنة المتابعة"! وعليه، يجب أن لا تنصب كامل جهودنا على برنامج عمل يهدف فقط لإدخال النساء "بأي ثمن" إلى لجنة المتابعة، بل في تغيير هذه البنية بما يخدم مصالحنا النسوية والوطنية على حد سواء.

إن إشكاليات لجنة المتابعة لا تنبع، بالأساس، من صبغتها، إدارتها أو هويتها، بل في بنيتها. وبنيتها هذه تظهر انفصاماً "قيميا" حادا نعاني منه كمجتمع: فهي من ناحية تضم رؤساء السلطات المحلية المنتخبين بغالبيتهم على مستوى العائلة، العشيرة والطائفة أو عن طريق بناء مصالحهم مع أحزاب صهيونية في السلطة، وهم بذلك لا يحملون هماً وطنياً أو نسوياً. ومن ناحية أخرى فاللجنة تضم ممثلي الأحزاب، التي تحمل برامج وأجندات سياسية، والذين هم في غالبيتهم ممثلو الجمهور في البرلمان.

هذا التوتر بين شكل التمثيل ومستوياته، مهم لفهم هذه البنية ومهم أكثر لدى تناول موضوع مشاركة النساء في اللجنة. فنحن عندما نتعامل مع السلطة الإسرائيلية ونبعث بممثلينا إلى برلمانها نلعب اللعبة الديمقراطية "بحذافيرها" أما عندما تتاح لنا فرصة (معترف بها في القانون الدولي أيضا) أن نؤسس لعلاقات صحية فيما بيننا على شكل برلمان أو هيئة عليا، ديمقراطية ومنتخبة، نرفض اللعبة وننسحب لنبني علاقاتنا ضمن الأطر الحمائلية والتقليدية. فتكون المحصلة: لجنة متابعة بحلة غريبة وعبثية ايضاً.

هذا الشكل من التوتر في بنية المتابعة، هو أكثر ما يضر بالنساء. فبسبب هذا التواجد غير المتوازن للقوى فيها، وبسبب عدم انتخابها المباشر، تلجأ اللجنة إلى الإجماع بين أعضائها، ونحن نعلم جيداً أن "الإجماع" يعني باللغة العربية غير الدارجة " لا مكان للنساء هنا"، فيتم إخراج النساء، والاهم أجندتهن من دائرة القرار. لجنة لا يوجد فيها حسم ديمقراطي، أو معنى للأقلية والأكثرية، لأن كليهما غير قابل للفحص في محك الجماهير التي لم تنتخبه، لا يمكن أن تكون هي ذات اللجنة التي تعطي شرعية لمشاركة النساء وتمثيلهن. لجنة غير خاضعة لمساءلة الجمهور، واخص هنا النساء، لا تستطيع أن تضمن لنا استقلالاً ذاتياً في القرار.

بالطبع، إن مطلب النساء أن يكن ممثلات في اللجنة، لهو مطلب عادل وعادي كذلك. ولكن علينا أن نعي أن اللجنة لن تصبح فجأة وبقدرة قادر، متساوية، ديمقراطية وأفضل بانضمام النساء إليها، لأننا – وبكل الأسى، اعترف- لسنا في السليقة أفضل من الرجال. تمثيل النساء في اللجنة لن يغير في بنيتها، وهو في أحسن الأحوال سيفتح المجال لتمثيل "نساء مُمثلات لنساء أخريات"، وهذا بحد ذاته لن يأتي بالخير على كل النساء. قد تطالب الحركات النسائية بالتمثيل المتساوي، ولكن على الحركات النسوية – وهنا علينا التمييز بين الاثنتين- والتي تريد المشاركة الحقيقة وتسجيل الانجازات لجمهور النساء الواسع أن تطالب بالتغيير وليس فقط بالتمثيل.

وعليه، فان الجهد الأساسي للنساء يجب أن ينصب في تغيير بنية لجنة المتابعة لتكون لجنة عليا للأقلية الفلسطينية، حاملة لمشروعنا الوطني- النسوي والديمقراطي، مشروع عادل إزاء حقوقنا كجماعة وأفراد. على الحركة النسوية أن تكون إحدى أدوات تدعيم نضالنا فتجمع بين الوطني والنسوي، فلا تحتكر الثاني بدعوى أن الأول لن يتغير، أو تقايض به لان الوطني أهم. نجاح الحركة النسوية يكون عندما نستطيع كمجتمع، مؤسسات وأفراد، أن نقرأ قضايانا الوطنية برؤية "نوع اجتماعي" ونظرة ناقدة، فلا يصبح وجودنا في لجنة المتابعة أو غيرها من الأطر، نوعاً من لغة "حقوقية" مجردة من صبغة المشاركة الحقيقية.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018