الجماهير العربية والانتخابات الاسرائيلية / امير مخول

يبدو ان اسقاطات المعركة الانتخابية الاخيرة للكنيست على جماهيرنا في الداخل سوف تكون الاكثر تأثيرا في العقدين الأخيرين.

وقد تتضح ابعاد ما جرى فقط بعد مضي وقت طويل باتجاه معارك انتخابية قادمة محلية وقطرية او تحديات مصيرية، مما يصعب رؤية الربط المباشر بينها وبين المعركة الانتخابية خاصة بين الاحزاب العربية. والتي احصر هذا المقال في سلوكها ووضعيتها.

الصيغ العامة التي طرحتها الكتل العربية الثلاث التجمع الوطني الدمقراطي والجبهة الدمقراطية للسلام والمساواة والقائمة الموحدة والعربية للتغيير، والتي هدفت من خلالها اقناع الناس كانت اشبه بالقول: نحن متفقون ومتوافقون فصوتوا لنا لأن الوحدة او على الاقل الاجواء الطيبة او شبه الطيبة كانت دائما مطلب الناس!

وان كان حزب التجمع قد قاد في الانتخابات الاخيرة الحملة ضد التصويت للاحزاب الصهيونية ودعا التصويت للاحزاب العربية وتبعته الكتلتان الاخريان، فان هذه الحملة في نهاية المطاف وان كانت مهمة تثقيفيا وسياسيا، الا انه لم يتبعها او يكملها حملات توضح الفوارق السياسية والاجتماعية بين الكتل الثلاث في أطروحاتها وتوجهاتها ورؤيتها المستقبلية للعلاقة مع الدولة ومع القضية الفلسطينية ورؤيتها للمجتمع الفلسطيني في الداخل. فالاجواء المعقولة كان المتوقع منها ان تكون أساسا لإدارة النقاش وتوضيح التمايز وليس عوضا عن النقاش أو استبداله بسلوك أقرب الى التبشيرية منه للعمل السياسي.


عدم "تسييس" المعركة ابقى طرفا أساسيا قام بتسييسها الا وهو السلطة لكن على مقاسها. وعمليا كانت جاهزة لإطلاق حملة ليس دفاعا عن نفسها، بل القاء تبعات تقصيرها وسياستها العنصرية على الأحزاب العربية وعلى النواب العرب، محررة ذاتها كسلطة تنفيذية وصاحبة القرار من المسؤولية.

هذه الحملة بدأتها منذ سنوات من خلال تجريبها في مراكز ابحاث اسرائيلية تسعى بمنهجية لتحديد السلوك السياسي العربي الفلسطيني في خانة البراغماتية، أو ما يسمى الواقعية السياسية التي تتحدث عن نواقص بلغة السلطة لكن لا تمس الإطار العام ولا شرعية السلطة. فماذا كانت دعاية الأحزاب الصهيونية الحاكمة أو غير الحاكمة؟ "النواب العرب لم يخدموا الناس" و "انشغلوا بالفلسطينيين وليس مع الناس الذين انتخبوهم" الخ. وللأسف ادى هذا النهج السلطوي الى تحول الاحزاب العربية من الهجوم الى الدفاع وحاول البعض التقليل من محورية المركب الوطني الاول الا وهو دورنا في القضية الفلسطينية العامة وبرز ذلك بشكل كبير في سلوك وحملة القائمة الموحدة والعربية للتغيير.

السلطة خاطبت الجماهير العربية من فوق الاحزاب العربية، بل انتقلت في معركتها لنزع شرعية القيادات العربية السياسية من الساحة الاسرائيلية الى الساحة العربية المحلية، وتجلى ذلك عندما انتقلت الى حال الهجوم ضمن الحملة السياسية النفسية المكثفة: "النواب العرب انشغلوا بالقضية الفلسطينية واهملوا قضايا الناس".

وقد اصابت هذه الحملة في عدة مواقع ومستويات فمن ناحية نزع شرعية القيادات العربية بين جمهور ناخبيها، ونزع فلسطينيي الداخل عن القضية الفلسطينية واخراجهم خارجها، وخلق حالة تناقض وهمي او متخيّل بين الاسهام في دعم جماهير شعبنا في الضفة والقطاع ودورنا في دعم حق العودة للاجئين من جهة، وقضايا الفلسطينيين في الداخل من جهة اخرى.

كل ذلك ضمن تعميق حالة التجزيئية المفروضة على الشعب الفلسطيني وقضيته. فهذا ما قام به حزبا "كاديما" و"العمل" في حين سعت حركة ميرتس الى الشعار الصهيوني المخصص للعرب وحدهم "مع ميرتس: صوتي مؤثر وضميري مرتاح" ومؤثر ليس بسبب الأداء وانما كون ميرتس حزب صهيوني وقيادته يهودية. وفي ذلك ايضا رسالة نزع ثقة بالقيادات العربية وبالذات بالقيادات البرلمانية والنواب العرب، الذين ابدوا بشكل عام اداء برلمانيا رفيعا وفقا لكل المواصفات وأعلى من المعدل العام في الكنيست، ورغم ذلك فان تاثيرهم كان محدودا جدا جدا، ليس نتيجة لأدائهم بل نتيجة كونهم عربا وخارج الاجماع الصهيوني العنصري. وهو باعتقادي من العوامل الرئيسية التي أدت الى مقاطعة اوساط واسعة بين جماهيرنا للكنيست، وليس بالضرورة موقفا من الاحزاب بل موقفا من الكنيست ومن اطار العمل. والمشجع ان هذه الناس لم تصوت لأحزاب السلطة بل لم تصوت بتاتا كموقف شخصي في غالبيتها لكن مع كثرته وتراكمه تحول الى مزاج عام من المهم رصده والتعامل معه كسلوك وطني شرعي ليس فقط بين من يقاطعون ا الانتخابات بشكل منظم بل ايضا من يخوضها.

ولا بد من الإشارة هنا الى الخطأ إيهام الذات ان هذه الناس قررت موقفها بسبب دور حركة مقاطعة الانتخابات، التي سعت الى تنظيم الناس لكنها لم تصل اليها وتحدثت باكثر من صوت بما فيها اصوات متناقضة (ماذا جلبت لنا الاحزاب البرلمانية، اين الانجازات، رفض التصويت في الدولة اليهودية رفض التصويت في دولة اسرائيل ككيان). حركة مقاطعة الانتخابات اخفقت في تنظيم الذين قرروا سياسيا عدم التصويت مقاطعين مبدئيا كانوا ام في حالة معينة. وهذا كله لا يقلل بتاتا من أهمية فعل المقاطعة وشرعيتها والحاجة اليها نضاليا.

لكن القوى التي خاضت الانتخابات لم تحقق ما توخته من حيث عدد المصوتين لها، وهناك مؤشرات عدة انها خرجت من المعركة الانتخابية اضعف مما دخلتها او على الاقل اضعف مما اعتقدت انها قوتها. والنهج الجهوي المحلي هو عامل مركزي في ذلك. لقد تجلت الجهوية والمحلية من خلال اشكال عدة منها الدعاية الطائفية التي استخدمتها اطراف في الموحدة والعربية للتغيير، والمحلية مثل التي استخدمتها الجبهة : "ابن بلدي اولي بصوتي" (ام الفحم الطيبة عيلبون وعكا (الموحدة) " ام الفحم اولا"، "ملصق بصور المرشحين وغير المرشحين من ام الفحم" الذي اصدره التجمع ، وللاسف فان جميعها هويات جهوية محلية – بلدية. وجوهريا لا يختلف شعار "ابن بلدي اولى بصوتي" الذي استخدمته الجبهة والموحدة والعربية للتغيير عما استخدمه حزب العمل بالعربية مثل "ابن طائفتي اولى بصوتي" (في حرفيش والموجه للطائفة الدرزية لدعم مرشح حزب العمل العربي). الاختلاف الاساسي ان التيارات الوطنية ملزمة بنهج مغاير للاحزاب الصهيونية وعربهاا.

كل هذا في موازاة الشعار الوطني العام الذي يغلّب البلد اي الوطن على الجهة والطائفة والحارة والعشيرة او البلدة وهو ما كان متوقع.

ماذا سنقول للقوائم العائلية الصرف او الطائفية الصرف في انتخابات البلديات القادمة..هل ستقول لهم القوى الوطنية هذا مناقض للهوية الوطنية ام هذا رجعي. وستكون حجة هذه القوى هي الاقوى منطقيا فقد تم "تبييض" الجهوية. وذلك في وضع اصبح النهج السائد ان الموقع يحدد الموقف اكثر من العكس. ووضع تشهد فيه الاحزاب السياسية تحولا عالميا باتجاه الامركة، حيث يتقلص دور الحزب الى جانب الفرد او المنتخب نيابة عنه.

كل هذا جرى في ظل احدى اكثر المعارك تسييسا بين الاسرائيليين. وان كانت الانتخابات الاسرائيلية تركز عادة على اخفاء الفروقات الجوهرية بين الاحزاب الحاكمة، فهذه المرة كانت الفروقات محور النقاش والحملات الانتخابية. فالنقاش تمحور حول طبيعة الحل النهائي وخطة التجميع وتعزيز الاستيطان في القدس وكل الكتل الاستيطانية في الضفة الغربية وجعل الجدار الصهيوني حدودا دولية مفتوحة لاسرائيل وسجنا للفلسطينيين يشتت بنية تواصلهم كشعب.

وقد جرى النقاش الاسرائيلي حول الفوارق بين الاحزاب بشأنها وحول مركبات الامن القومي الاسرائيلي ضمن رؤي مستقبلية بشكل مكشوف وليس خفياً كما جرى في الماضي. .

وانطلق الاجماع القومي الصهيوني المتبلور من استراتيجية فرض الحل الدائم من طرف واحد القائمة على غياب شريك فلسطيني (عمليا غياب شريك فلسطيني يقبل او يستطيع تنفيذ الاملاءات الاسرائيلية ويخدم مصالحها). والاجماع قائم ايضا على ابتزاز دعم اقتصادي وسياسي لم يسق له مثيل لاسرائيل ومشروعها الاستعماري، بما فيه ابتزاز اعتراف فلسطيني وعربي ودولي بها ليس كدولة فحسب بل كدول يهودية ودولة اليهود.

وفي هذه المعركة تم وضع جماهير شعبنا في الداخل على جدول اعمال المعركة الانتخابية وجدول اعمال الاجماع الاسرائيلي المتبلور كجزء من المشكلة الاسرائيلية والمسألة الفلسطينية. وان كان في ذلك اعتراف للخصم باننا جزء من القضية الفلسطينية، الا انه تطلب موقفا سياسيا من الرؤية المستقبلية ضمن الرؤى السياسية والمسؤولية الوطنية وليس ضمن الرؤية الفئوية الضيقة.

ان مشروع تهويد النقب والجليل والقضاء على ما تبقى من حضور فلسطيني فيهما كان من الاجدر ان يكون في صلب المواجهة خلال المعركة الانتخابية، وهو محك أساسي كون وجود اطراف او اوساط داخل احزاب وطنية لا تعارضه ان لم تكن تؤيده.

لقد قالت اسرائيل بشكل واضح ان المواطنة لا تحمي وجودنا الفلسطيني في المثلث بل هي اداة ضمن المشروع الصهيوني يستخدمها متى يشاء ويلغيها متى يقرر ذلك ضمن مقايضة فلسطينية فلسطينية من اجل ضمان بقاء الكتل الاستيطانية.

وبدل مواجهة لب الاجماع الصهيوني المتبلور في حزب "كاديما" الذي مزج بين رؤية حزب العمل الدمغرافية وبين لاءات الليكود الاساسية، فقد جاءنا شعار مثل "ام الفحم اولا" او "ام الفحم الى الكنيست" في مواجهة تصريحات حزب "يسرائيل بيتينو" بدل طرح رؤية هدفها المواجهة وليس حصرها في تجنيد الاصوات لهذا لحزب معين. وكذلك ليس حصرها في هذا الحزب الفاشي ورئيسه ليبرمان بدل مواجهة جوهر الاجماع الصهيوني الذي يدعم التطهير العرقي بمسمياته الاسرائيلية مثل تعديل الحدود في وادي عارة والتبادل السكاني (مع المستوطنات) لخدمة المشروع الكولونيالي الاسرائيلي.


في المقابل كان هنالك توجهان اخران، فمن جهة لجنة مقاطعة الانتخابات والتي سعت الى تنظيم حركة المقاطعة الجماهيرية الواسعة، الا انها اخفقت حيث قاطعت الناس الانتخابات لكن بقرار ذاتي عكس بكمياته الكبيرة المزاج الجماهيري والوعي الجماهيري، ولا يجوز تجيير ذلك لاطار او لعملية منظمة. ولا اعتبار ذلك انجازا لاحد، وانما لا يجوز التغاضي عن هذا المنحى الجماهيري الشعبي الوطني الهائل ليس كحالة سلبية بل كمعطى وكحالة شرعية ليس اصحابها او من يؤيدها قي قفص الاتهام وانما امتحان المصداقية الوطنية هو لمن بحاول نزع شرعيتها.

التوجه الثاني لم يكن حزبيا بل هو موقف مؤسسات المجتمع المدني واتحاد الجمعيات في استدعاء مراقبين دوليين للمرة الاولى لمراقبة اسرائيل ووضعها تحت المجهر في النقطة الاكثر حساسية التي تحاول اظهارها للعالم وهي الرؤية الذاتية بانها "الدمقراطية الوحيدة في المنطقة"، وبان فلسطينيي الداخل هم قضية اسرائيلية داخلية خارج القضية الفلسطينية وقضاياهم تعالج ضمن السياد الاسرائيلية. وفي هذا افق هام برؤى مستقبلية. خاصة انه اداة لمراقبة عنصرية الدولة وعدوانيتها خلال الحملة الانتخابية، وهو مؤشر لمدى الخطورة في وضعية الجماهير الفلسطينية. هذا البعد مفيد ايضا في مواجهة الحملة الصهيونية والدولية لنزع شرعية نتائج الانتخابات للمجلس التشريعي الفلسطيني وفوز حركة المقاومة الاسلامية ومحاولة دولية لمعاقبة جماهير الشعب الفلسطيني على شكل تصويتها، ونتيجة مشاركتها في العملية الانتخابية الدمقراطية على الرغم من الاحتلال. المقارنة كانت مهمة لكون الانتخابات الاسرائيلية هي عنصرية ودموية في مضمون الدعاية لها.

ان الحزب السياسي هو اطار لبرنامج متكامل برلمانيا كان او غير برلماني او كليهما. وفي هذا السياق فان الموقف من تنظيم المجتمع الفلسطيني في الداخل وبناء مؤسساته وشكل تنظيمها وانتخابها وموقع القيادات المحلية الناتجة عن اعادة التنظيم ضمن قيادات الشعب الفلسطيني، هي قضايا كان اجدر ان تكون ضمن تسييس المعركة وتوضيح التمايز بين الاحزاب والتيارات، سواء من يشارك في الانتخابات البرلمانية او لا. لكن كما يبدو النزوع الى نهج ومحاولة نزع شرعية سلوك المقاطعة حال دون التعامل الجدي مع هذا الموضوع الجوهري واسهم في تراجع تسييس المعركة الانتخابية.
في النهاية فإن تغييب السياسة شكل تراجعا في هيبة الحركة السياسية الوطنية المنظمة. وتغليب المحلي والبلدة على البلد – الوطن وشكل ازمة في اخلاق السياسة. فليست الناس مسؤولة عن انجاح هذا الحزب او ذاك انتخابيا بل الحزب هو المسؤول عن ذلك، وعليه احترام التعددية ليس فقط تجاه الاحزاب الاخرى بل ايضا تجاه من يقاطع ومن لا يصوت.

باعتقادي ان هيبة الحركة السياسية والحركة الوطنية بحاجة الى ترميم واعادة بناء، فالتحديات اكبر من القدرات – والقدرات تصبح محدودة اكثر نتيجة مستوى التنظيم المجتمعي الذي اصبح عائقا امام استنفاد كل الطاقات واطلاقها ضمن تصعيد النضال الجماهيري المطلوب. وهذه مسؤولية كل القوى الوطنية مجتمعة سواء تلك التي تخوض انتخابات تلك التي تقاطعها.

هيبة الحركة الوطنية تستوجب تحمل المسؤولية والتضامن الداخلي، وفي هذا السياق فان التعددية ضمن الصف الوطني لا تعني تعددية في التصريح وفئوية في تحمل المسؤولية.وفي هذا السياق مواجهة الاسفاف المجتمعي الذي يتجلي بتحريض صحيفة معينة على تيار وطني عشية الانتخابات وخلالها وغداتها بهدف التشهير به والنيل منه.

ان مسؤولية كل تيار ان يدافع عن نفسه اولا، لكن مسؤولية كل التيارات الوطنية الاخرى ان تتبنى موقفا متضامنا وان تدافع عنه بمفهوم الدفاع عن ذاتنا الجماعية وعن اخلاقيات المجتمع ولا تدع جهات معينة تتعامل معه كمشاع وكأن الكل مباح، او ان الحركة الوطنية والسياسية المنظمة غير قادرة للدفاع عن ذاتها.

وكما يبدو لا مناص من اصطفافات سياسية وطنية جديدة قادرة على مواجهة التحديات الخارجية والداخلية واستعادة ثقة الناس، وبالتاكيد لا مناص من بلورة مرجعيات وطنية وبالذات انتخاب مباشر على اساس قومي لقيادات سياسية ضمن اعادة تنظيم المجتمع الفلسطيني، وضمن اعادة تنظيم الشعب الفلسطيني وبناء مؤسساته، لكن يبقى الشرط الاولي والاساس وهو التسييس وخوض النقاش السياسي على تعدديته، لان تغييب السياسة سيؤدي الى تغييب الحركة الوطنية ودورها ولن يستفيد منه احد اكثر من الاحزاب الصهيونية والاوساط العربية المرتبطة بها.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018