الجيش.. العمود الفقري للمشروع الصهيوني وقدس الأقداس / ماجد كيالي

ظل الجيش بالنسبة لإسرائيل، منذ قيامها، بمثابة عمود فقري لأجهزة الدولة، فهو أهم مؤسسة فيها وأكبرها وأكثرها تغلغلاً وشعبية في المجتمع. فوق ذلك فقد كان للجيش وظائف أخرى، تكنولوجية واقتصادية، إلى جانب الوظيفة الأمنية. فلدى هذا الجيش أهم المختبرات التكنولوجية والعلمية، التي ترفد القطاعات الصناعية الإسرائيلية، ولديه مؤسساته الاقتصادية المنتجة، التي جعلت من إسرائيل إحدى أهم خمس دول تصدر السلاح في العالم، بمختلف أنواعه.

وعدا هذه الوظائف، الأمنية والتكنولوجية والتجارية، فثمة وظيفة أخرى على غاية الأهمية للجيش الإسرائيلي، وهي الوظيفة الاجتماعية، حيث اعتبر بمثابة المركز لما تطلق عليه إسرائيل «بوتقة الصهر» (مع الكيبوتزات والهستدروت)، التي تكفل من خلالها إعادة تشكيل الإسرائيليين، كأفراد يتحدرون من خلفيات اثنية وحضارية مختلفة، في مجتمع واحد.

معلوم أن إسرائيل لم تقم بسبب تطور المجتمع اليهودي في فلسطين (قبل 1948)، ولا بالوسائل السلمية بسبب عطف بعض الدول الكبرى عليها، فهي قامت بالاعتماد على قواها العسكرية، ودعم القوى الاستعمارية لها. ففي حينه لعبت المنظمات العسكرية (الهاجاناه وشتيرن وارغون) التي أنشأها المجتمع الاستيطاني في فلسطين (قبل العام 1948)، الدور الأساس في إقامة الكيان الصهيوني.

على ذلك، وتحديداً بسبب دوره في إقامة إسرائيل، وضمان أمنها، وبسبب دوره كبوتقة صهر في المجتمع الإسرائيلي، فقد بات هذا الجيش بمثابة قدس الأقداس عند الإسرائيليين، بمختلف تياراتهم. وهذا ما يفسر اعتبار هذا الجيش بمثابة خط أحمر، لا يجوز المسّ به، لدى مختلف التيارات الإسرائيلية (على تبايناتها وخلافاتها)، بحيث ظل الجيش، على الدوام، مركز إجماع بالنسبة للإسرائيليين، ينبغي احترامه والإعلاء من شأنه، وتقديم كل الدعم له (في العتاد والمال والقوة البشرية).

ويلخص العميد أيلي شرمايستر (ضابط التعليم والشبيبة الرئيس في الجيش الإسرائيلي) هذا الوضع بالتالي: «لجيش الشعب عندنا يوجد هدف تاريخي، لا يمكن للمجتمع الإسرائيلي أن يسمح لنفسه بالتخلي عنه.. الخدمة في الجيش تشكل لقاء مميزا بين كل شرائح الشعب: القدامى والمهاجرين، اليهود وغير اليهود، أبناء المدينة وأبناء القرية، الأغنياء وأولئك الذين لا تنال أيديهم.

الجيش الإسرائيلي يمنح فرصة متساوية للجميع.. هو يستوعب الهجرة، يعلم العبرية، يكمل التعليم العالي لجنوده، يعزز بنيتهم القيمية ـ الثقافية وصلتهم بالمجتمع والدولة.. بهذه الطريقة يعزز الجيش الإسرائيلي تراص صفوف المجتمع الإسرائيلي، التكافل والمناعة الوطنية.. الجيش الإسرائيلي هو جزيرة الإجماع، السور الواقي الأمني والاجتماعي الذي بناه الفعل الصهيوني لنا هنا. هذا الذخر العزيز، جيش الشعب، في صيغته الحالية، محظور تفكيكه، جدير تعزيزه». («هآرتس»، 20-1-2010)

ولعل هذا يفسر الموازنات الكبيرة التي تخصص لهذا الجيش، واحتلال عديد من قادته مراكز عالية في إدارة الدولة (رؤساء وزارت ووزراء وقادة أحزاب)، من مثل: موشي دايان واسحق رابين وايهود باراك ورفائيل ايتان، وأفرايم سنيه، ورحبعام زئيفي، وعامي ايالون، واريئيل شارون، وأمنون شاحاك وموشي يعلون وشاؤول موفاز وغيرهم.

وتبلغ موازنة الجيش الإسرائيلي حوالي 15 مليار دولار، في العام، ما يثقل على بنود الموازنة في المجالات الأخرى الاستثمارية والخدماتية والمجتمعية. وتبرر قيادة الجيش هذا الحجم الكبير من الموازنة بالتحديات المتزايدة التي تواجهها، والتي تتطلب حشد قوى بشرية، وتطوير عتادها العسكري واللوجستي، واستيراد أسلحة متطورة، وإقامة تدريبات ومناورات بصورة مستمرة لرفع أهلية الجيش، بناء على التحديات الجديدة، والتجارب السابقة.

وهذا ما يفسر أيضاً سعي إسرائيل لتطوير أهلية الجيش الإسرائيلي، وترميم صورته الردعية، باعتباره الجيش الذي لا يقهر، بعد العطب الذي ألحقته بهذه الصورة حربي لبنان (2006) و«الرصاص المنصهر» ضد غزة (قبل عام).

وفي هذا الإطار تسعى إسرائيل لاستيراد طائرات «اف 35»، من الولايات المتحدة الأميركية، هي الصفقة الأكبر في تاريخها، بدعوى مواجهة إيران. علما أن كلفة هكذا طائرة تبلغ نحو 80 مليون دولار. أيضاً يقوم الجيش الإسرائيلي باستمرار بإجراء مناورات عسكرية مكلفة لتأهيل قواه، اعتبارا لدروس حربي لبنان وغزة.

ويسعى هذا الجيش لزيادة ترسانته من طائرات من دون طيار، لاستكشاف الهدف عن بعد. كما يركز على صناعة «الروبوت» لاستكشاف المخابئ والأنفاق والبيوت الملغومة وتفكيكها قبل اقتحامها. كما يعمل على اقتناء أجهزة روبوت لمراقبة حدوده مع لبنان، بحيث ينقل صورا دقيقة لمراكز المراقبة، وتفعيل صفارة إنذار وإطلاق غاز مسيل للدموع.

وفي ذات السياق تقوم إسرائيل ببناء ما تسميه (قبة حديدية)، تتوخى من خلالها، حماية البلدان المتاخمة لقطاع غزة من الصواريخ القصيرة المدى. هكذا، فإن إسرائيل تجهد باستمرار لتأهيل جيشها وتقديم كل المستلزمات البشرية والمادية والمعنوية له، فهي دولة قامت بالجيش وبه تستمر! لكن هل يكفي الجيش، وهل تكفي القوة، لتحقيق استقرار دولة وضمان أمنها؟ وإلى متى؟

إضاءة

الجيش يُعتبر مجموعة الضغط الأقوى في الدولة. إذا أراد شيئاً يناله.. وليس مهماً.. ثمن ما يريده ولا الظروف المحيطة.. ميزانية الأمن ستبلغ هذه السنة 6 .48 مليار شيكل، وستصل في السنة المقبلة إلى 2 .53 مليار شيكل، وهي أعلى ميزانية في تاريخ الدولة.. الجيش يريد كل شيء.. العمل بكل المشاريع، وشراء الطائرة الأعلى كلفة في العالم.. الجيش ووزارة الدفاع يجعلون منا أُضحوكة.

فقواعد الإدارة السليمة والانضباط المالي لا تسري عليهم. فهم يأخذون من الكعكة العامة كل المحتويات المهمة، ويتركون القشور للمجتمع والرفاهية الاجتماعية. بدل أن تكون عندنا دولة لديها جيش، عندنا جيش لديه دولة.