الحرب في الحرب أو الإيمان الذكي../ عباس بيضون

<التوقيت> من مراوغاتنا اللفظية. من تكلموا على توقيت سيئ لعملية خطف الجنديين لم يقصدوا أن هناك بالمقابل توقيتاً حسناً، كانوا يعنون ان لا وقت للحرب بعد. اما حزب الله فأوحى أن خطف الجنديين موعد جانبي مضروب من وقت طويل بعلم الإسرائيليين واللبنانيين. انه <وعد> قديم صدق اليوم، حساب فائت ولا عبرة بتوقيته او بعرضه على الأجاندا الحالية، ولا تحرّي مناسبته للظرف والموازين. يعني ذلك أن المسألة متحررة من كل حساب زمني، لا يجوز النظر اليها بالمقابلة مع اي من الأحداث الراهنة لا التخصيب النووي الايراني وارد ولا المجابهة الفلسطينية في غزة. إنها عهد يومه يوم ضرب أما يوم استوفي فهو من المصادفات البحتة. هذا تخريج لا ينجي من الظرف ولا من الزمن. لم يقر الإسرائيليون بهذا الموعد القديم ولم يلتزموا به، استغلوا بالطبع الظرف القائم استغلالاً تاماً، واستفادوا من <التوقيت> غير الملائم وغير المعترف به الى أبعد مدى.

لكن <التوقيت> واحدة من قراءات تدرجت مع الحرب. مع التدمير الهائل قيل إن الحرب الاسرائيلية معدة وموضوعة من قبل ولا عبرة بالمناسبة. إننا لا نستطيع ان نقيم ما بين الحرب وأسر الجنديين ما بين السبب والنتيجة، اذ لا تكافؤ بين سبب صغير ونتيجة فادحة، نخطف اسيرين فيدمرون بلداً. بدا ان هذا يبرئ حزب الله من المسؤولية فيما هو في قراءة اخرى يجعلها أفدح. ما هي <الذريعة> إن لم تكن كذلك، إنها بالضبط منح العدو <حجة>، ليعتدي، ثم ان عدم التكافؤ بين <الذريعة> والنتيجة امر قد يكون له حساب آخر، قد يقال ان من أجل أمر صغير عرضتم البلد لكارثة كهذه. انها على كل حال مراوغات منطقية. والتحجج، بأننا انتظرناهم من الشرق فأتوا من الغرب، لا يزال قائماً، نطالب العدو مجدداً ب <التزام> <وسوية> لا حق لنا بهما عليه. اذا كانت الحرب حيلة ومفاجأة كما ورد في خطاب السيد نصر الله الأول فإننا لا ننتظر من العدو بأن يحترم وعداً أو أن لا يستغل ظرفاً او يتعفف عن التذرع بأصغر حجة، لا بد ان منطقاً كهذا يهين ذكاء الحزب فليست هي المرة الاولى التي يستدرج فيها العرب الى حرب لا يقصدونها فيما يتكفل تهويلهم ومبالغاتهم اللفظية في إظهار انهم المتوعدون والقاصدون، وحرب 1967 مثال. منطق كهذا يبرئ حزب الله على حساب حكمته وتقديره وحسن قيادته. هكذا نعود مجدداً الى مسألة التوقيت. عدم التوقيت وإساءة التوقيت يبدوان في النهاية فادحين ولا بد من رد اعتبار للمسألة. مع ظهور المقاومة الباسلة بات نافلا الاعتذار عن التسبب بحرب، حين لا تكون هذه مجرد كارثة بل ملحمة بطولية ايضاً. هكذا يمكن تحمل مسؤولية عن الحرب صريحة ومعلنة فندخل بذلك في القراءة الاستباقية الثالثة: إذا كان الإسرائيليون أعدّوا للحرب فإن المقاومة فاجأتهم قبل ان يستكملوها، استدرجتهم اليها قبل ان تكتمل عدتهم.

يعني هذا انها مسؤولة وغير مسؤولة. الحرب حتم بإرادة اسرائيلية وليست المقاومة من يفرضها او يبتعثها، لكنها ايضا لم تستدرج ساهية او غافلة اليها، لم تعط العدو ذريعة طائشة، لقد ذهبت اليها بقدميها واعية قاصدة مفاجأة العدو مرغمة إياه على ان ينازل من دون استعداد كاف. عداك ان المفاجأة بحد ذاتها فن ومقدرة، فان لم تُستدرج المقاومة لكنها استدرجت. هكذا حظيت بالبراءة بدون ان تكون غير مسؤولة، حظيت بالبراءة بدون ان تهين ذكاءها او تقلل من تقديرها وتدبيرها ولا ننسى ان التقدير والتدبير من مقومات القيادة والولاية.

هذه القراءات الثلاث من حزب الله ليست واحدة بالطبع، إنها تفسير <سياسي> يريده حزب الله بقدر الامكان مطواعاً وسياسياً. لم يعتن بن لادن مثلا بتوقيت 11 ايلول ولم يسأله أحد، اما حزب الله المندمج منذ زمن طويل في ممارسة سياسية تحسب لموازين القوى والتحالفات وترويج المواقف وأصدائها، حزب الله الذي يقرر لقطاع سياسي كامل في البلد أطروحات وتكتيكاً ومواقف لا يمكنه أن يفعل شيئاً بدون أن يدافع عن كونه في مكانه ولحظته. مع ذلك فإن سؤالا عن <سياسة> حزب الله يفرض نفسه. أبدى حزب الله بعد خروج السوريين ليونة سياسية واندفاعاً سياسياً مفاجئين. أقله انه بسرعة امتص كل اللغة السياسية الجاهزة: الوطن، الدولة، السلم الأهلي، التنمية، تلك اللغة التي تتقاطع بصعوبة مع طوباه الثورية العالمية والاسلامية. ليس هذا فحسب بل انه واجه بمرونة عملية تدنيس مقدساته، اي إخراجها من دائرة المقدس وعرضها في مظهر ديموقراطي للنقاش العام. منذ ذلك الحين رعى حزب الله ماكينة نقاش وإعداد ايديولوجي ضخمة تتغذى يوميا بأطروحات وحجج لا تخفى مركزيتها وحركيتها في آن معا.

بدا ان حزب الله مستغرق في السياسة لكن كان ثمة ما يشعر أنه يتقصد المبالغة في ذلك. لقد اكتسب بسرعة هذا الفن وتفوق فيه، سبق الحريفين والمجربين، بل فضح عملياً بؤس حرفتهم وهزالها، اذ كان أهون عليه وهو تنظيم المثقفين الذي يستمد من إرث أدبي ومن ممارسة ايديولوجية ان يستلم ناصية التخريج الكلامي الذي يصعب على الطبقة السياسية مباراته فيه. لنتذكر ان الفصام بين الجملة السياسية والبنية التحتية السياسية عندنا ذريع لدرجة يصعب معها ملاحظته في أي خطاب جديد، ولم يكن خطاب حزب الله استثناء. لذا صعبت ملاحظة ان حزب الله يجمع عن قصد غايات متباينة: سلاحه لا يؤذي سلميته، وإسلاميته العالمية لا تؤذي لبنانيته، وثوريته لا تؤذي تنمويته وشيعيته لا تؤذي وحدته الوطنية.

صعبت ملاحظة ان كرم حزب الله في النقاش لا يعني اطلاقا امكانية مماثلة للوصول الى نتائج. انه يسوس النقاش كنقاش ويتوسع فيه لكن النقاش هنا دورة كلامية وفن قائم بذاته ومطحنة للحجج والردود ليس الا. ان <العرض الديموقراطي> ليس أكثر من عرض، والمرونة هي في العرض فحسب، أما خارج ذلك فإن ثمة صلابة لا تتأثر، المقدس يبقى مقدسا والأساس يبقى اساسا. يمكن بعد ذلك ان نقول ان تفنّن الحزب السياسي وتفوقه في ذلك هو قبل كل شيء من ثانوية السياسة بالنسبة له بل ومن درجتها المتأخرة بين مرتكزاته.

ليست السياسة بالنسبة للحزب في اولوية المقاومة، وأولوية الثورة، بل يمكن القول ان السياسة احتياط في خدمة الثورة والمقاومة. نعني بذلك السياسة بكل أطرها، ليست النيابة ولا الوزارة هدفا بذاتهما، ويمكن بسرعة فهم تنازل حزب الله لشريكته امل في هذا المجال، ولا يتعنت حزب الله كما يتعنت غيره في الصراع على حصته من الدولة، ويتذكر النضال المطلبي والنقابي في مناسبات موسمية ولا يركز معركته في تطهير الدولة من الفساد مثلا. حزب الله باختصار يجعل من السياسة والدولة خط دفاع عن العقيدة، انه حر في السياسة بقدر ما لا يعنيها تماما، وبارع لانه يستهلكها في حماية النواة الاساسية والتي السياسة بمثابة قشرتها. لعل التقية الشيعية هي الملهمة لهذا النوع من العلاقة او الانفصال. لعل المثال الايراني الذي يجمع بمرونة بين هيكل سياسي متحرك ورأس عقائدي صلب هو النموذج.

فوجئ شركاء الحوار بعملية اسر الجنديين، كان سلاح حزب الله معروضاً على النقاش وبدا لهم انه لن يتصرف بهذا السلاح ما دام على طاولة الحوار. كان هذا صحيحاً لو ان موضوعاً كسلاح حزب الله فعلاً مجرد بند في سياسة حزب الله اللبنانية، او حتى الاقليمية، او جزء من نقاش المجتمع اللبناني حول توحيد الدولة. ذهب حزب الله بعيداً في قبول نقاش أراده ان يبقى نقاشا، ان يستهلك في هذه العملية وينتهي فيها. كان حزب الله يعلم ان سلاحه واستقلاله بهذا السلاح هو قضية لبنان بعد خروج السوريين. لا شك ان البعض ظن ان هذا الخروج يحل اوتوماتيكياً المسألة، فما وجد بقوة الخارج يزول معه. هذه الخفة سادت في وقت ووضع تحرك حزب الله السريع في 8 آذار حدا لها، لقد صد حزب الله الهجمة او احبطها قبل ان تقوم، بعد ان بدا ان هذا السلاح فقد كل شرعيته وقف الحزب مستندا الى شرعية الطائفة التي هي أم الشرعيات في لبنان. لنقل ان حزب الله بادر منذ اللحظة الاولى الى اعلان المسألة قبل ان تغدو مصدرا لأوهام قوة واحتكاكات لا يمكن توقعها، ابدى علنا قوته في تحذير واضح، احتاط بذلك لانجرار الى مجابهات جانبية لا يؤمن تطورها. بنفس الطريقة انتهى الحزب الى عرض <حوار> كان يعلم ان <سلاح حزب الله> هو موضوعه المركزي. تراءى لآخرين ان الحزب يعيد للمجتمع مسائل تستمد شرعيتها في الأصل من العقيدة، السلاح رديف للثورة والجهاد وهما ركنا العقيدة وبعرضه على النقاش ينزع حزب الله عنهما حصانتهما ويخرجهما من نطاق المقدس، كانت هذه <دمقرطة> واضحة او هكذا فهمها أهل الحوار لم يرجع هؤلاء الى سابقة صلح الحديبية حين ارتضى النبي ان يزال عن اسمه صفة النبوة توخياً للصلح. لم يفهموا لذلك ان ما يفعله حزب الله <تطمين> فحسب، اراد ان ينزع عن سلاحه صفة التهديد الأهلي، وان لا يستفز هذا السلاح مخاوف من هذا النوع.

ليس الاستيلاء على لبنان من مطالب حزب الله ففي هذا مجازفة بنفسه، ما أراده حزب الله من الحوار هو اخراج السلاح من النقاش الأهلي واعادته الى حصانته الاولى، ذلك عكس <الدمقرطة> المفترضة ولا ينبغي ان نبني عليه اية اوهام من هذا القبيل. لم يخطر لحزب الله بالطبع ان يعيد سلاحه للمجتمع، كان يحتاج في الواقع الى <توضيح طويل> كالذي سمحت به طاولة الحوار ليباشر عملية جديدة من نوع خطف الاسيرين. عملية لا بد له من القيام بها لأن القعود الطويل وحده الذي يشكك في شرعيته الثورية، القعود الطويل وحده يشكك في شرعية السلاح، ووحده القعود ينزع عمليا هذا السلاح. لم يوجد سلاح حزب الله باستفتاء شعبي ليستشير في عملياته. هذا السلاح يساوي المقاومة ويساوي الثورة ويساوي باختصار حزب الله وعقيدته ولا يزال الأمر هكذا، وهذا هو، عند حزب الله، عمود الشرعية الاساسي. النقاش السياسي الذي تعمده حزب الله حول سلاحه لم يكن تعمية، كان <تطمينا> بأن هذا السلاح بعيد عن الاستخدام السياسي وليس بالتالي أداة غلبة سياسية. يتحول النقاش في <التوقيت> الى سفسطة لكن الأكيد ان <عملية> الاسيرين ليست على جدول النقاش السياسي، انها على جدول آخر هو العقيدة والثورة. النقاش السياسي هنا كما هو في ايران لا يطال هذا الطابق الأعلى ويتوقف عمله وتأثيره قبله. ليس للممارسة السياسية لحزب الله حد أبعد، أكثرها ينقضي في التعبئة والتوضيح والتربية العقائدية وصياغة الجدل أما النتائج ففي مكان آخر.

لا ننكر العامل الايراني ولا ينكره حزب الله لكن حزب الله لا يجد سبب وجوده فقط هنا. المحارب يحارب وسلاح الحزب سيكون باستمرار أداة حرب. لا اعرف اذا كان هناك سياسيون جاز عليهم ان حزب الله وضع مصير هذا السلاح وغايته في ايديهم واسترد بالعسف منهم ذلك، اخشى ان في هذا تفاؤلا اكثر مما يجب. بسبب هذا التفاؤل بدت عملية حزب الله شبه انقلاب، لقد أطلق الرصاصة التي تؤذن بارفضاض المؤتمر وتفرق المؤتمرين. كان هذا مفاجئا لمن لم يفهم ان حزب الله لا يستطيع ان يقعد عن العمليات وان سبب وجوده الاول هنا. لا بد ان الجدل حول السلاح سبب اساسي في تقرير عملية الاسيرين فهذه في النهاية جواب حزب الله الصريح.

حزب الله ليس شريكا سياسيا فحسب. من الواجب تذكر سبب وجوده العقائدي، انه جزء من طليعة ثورية عالمية، والنقاش حول سلاحه لا يتم على طاولة الحوار ولا يتكفل به المجتمع كله. ليس قبوله نزع سلاحه على هذا المستوى سوى حل نفسه، وهذا تفرضه هزيمة ساحقة او خصم منتصر. التعويض السياسي الذي نظن انه كاف لم يقدمه أحد لحزب الله، لقد وصل اليه بنفسه، انه الاقوى سياسيا، الاقوى بدون مساعدة أحد ولا شيء يجبره على ان يقدم سلاحه ثمنا لما حازه بذراعه، انها تضحية صرفة وهو ليس مستعدا لها خاصة اذا علمنا ان هذا السلاح قدسٌ وحرمٌ عقائديا. مع ذلك فإن حزب الله يمسك بكلتا طرفي معادلة صعبة. انه زعيم طائفة وهذا يكفي ليكون في صلب جدل الدولة والعلاقات اللبنانية وليكون، شاء أم أبى، في صلب المفاوضة اللبنانية بما يتعلق بقلق المكانة وتنازع الدولة والمحاصصة اليومية والتسويات المختلفة.

الاستغراق في محليات السياسة اللبنانية يهدد بابتلاعه لولا القطب الآخر المضاد الذي هو اعادة تأسيس الجماعة الشيعية وتحويلها عبر تربية مستديمة الى جماعة ايديولوجية، الى <سوبر> طائفة والى نمذجة عقائدية. يمكننا ملاحظة ذلك الآن لدى مهجري الشيعة الذين لا يؤثر الضرر الذي اصابهم ذرة واحدة في ولائهم لحزب الله او اصرارهم على <المقاومة>، هكذا يحمي الحزب مكانة الطائفة وهي تبادله التفويض الايديولوجي والسياسي.

يريد حزب الله من ممارسته السياسية كلها تفادي نزاع مع الجماعات اللبنانية الباقية وتطمينها بأن سلاحه لن يكون أداة غلبة من اي نوع. لا يستطيع الحزب ان ينأى بنفسه عن نزاع اهلي مسلح، إذا وقع، لكن استيلاءه الممكن على لبنان سيكون نهاية الجميع. هذه المعادلة تعني ببساطة اننا امام السلاح الثوري الوحيد المعروف الذي لا يملك ان يتجه الى الغلبة والاستيلاء واستلام السلطة. انه وضع مراوح يعني ان ليس لحزب الله <الثوري> مشروع لبناني، قد يقدم اقتراحات مطلبية وإدارية في الحدود التي لا تستفز النزاع الاهلي، لكنه رفع من التداول منذ زمن اي تطلع لدولة اسلامية، او شيعية. لا بد ان وضعا كهذا يعني ان <لبنان> لا يستنفذ ثورية واسلامية وشيعية حزب الله، انه عدا الصراع الحدودي مع اسرائيل لا يجد لنفسه كثوري، مهمة بحت لبنانية ومن هنا اصرار حزب الله على بقاء هذا الصراع مفتوحاً. اما الممارسة السياسية فلا تساوي وجوده وماهيته وأفقه العقيدي وتظل على هذا المستوى ثانوية ومتأخرة. لا نفهم لذلك حدود الحزب ونهاياته، انه لا يطمح لدولة ولا حتى لكانتون وان كان لا يمانع بسياج ايديولوجي واجتماعي للطائفة الشيعية، لا يطمح لكانتون لأن لبنان متكاملا ركيزة اقوى ومنطقة شيعية مستقلة ستكون فريسة اسهل. لذلك من الناحية الثورية، سيكون حزب الله فصيلا مسلحا على مفارق اقليمية وعالمية، انه سلاحه وبدون هذا السلاح لن يستطيع ان يشكل فيلقا ثوريا أمميا جاهزا.

لبنان ليس غاية حزب الله ولكنه قاعدته، والممارسة السياسية تتجه اولا الى تحصين هذه القاعدة. اما هو فسيكون في الغالب فصيل طوارئ ثوريا وسيعمل على خطوط الصراع العربي الاسرائيلي والايراني الغربي. سيكون دائما فصيل إسناد بالدرجة الاولى ورغم ثقله وقوته فلن يملك مشروعا خاصا الا في الدرجة التي يتطابق فيها مع الثورة العالمية، تأملوا حضوره العالمي اليوم. انه موجود على خطوط الصراع فهل يعني ذلك ان عليه ان يوقد الصراع، وان يجدده كلما خبا، او يبتعثه اذا بدا انه على وشك ان يبرد، ويبقيه على الدوام مفتوحاً.

تكوّن حزب الله برعاية ايرانية بالتأكيد ولا حاجة لتكرار انه ممول ايرانيا والتزامه العقائدي بالمرجعية الايرانية لا يقل خطرا عن ذلك. عقيدة <ولاية الفقيه> التي هي نظير ديكتاتورية البروليتاريا تمنح المرجع صوابا دائما وتجعله غير مسؤول امام أحد. انه تكليف شبه إلهي ولا حاجة للقول ان لا تفريق فيه بين ايران ولبنان، حكمه واحد في الحالين، انها سياسة عالمية ذات مركز ايراني. كل هذا معروف اما المفاجئ فهو بقاء حزب الله (وهو حزب مثقفين) بعيدا عن السجال الداخلي الايراني بين اصلاحيين ومحافظين والذي كان سجالا داخل الثورة وداخل النظام. لم يتأثر حزب الله بهذا الانقسام، لقد اتخذ جانب المرشد خامنئي ولم يحد عنه ولم نعلم ان السجال الايراني الملتهب والطويل جر عليه اي نقاش جدي. لا يرينا هذا مقدار الصرامة التنظيمية الحديدية لحزب الله فحسب، لكنه يرينا ايضا ان مقامه من النظام الايراني قريب من مقام الحرس الثوري نفسه، انه ذراع للمرجعية بلا شروط. لا بد ان القسمة بين <السياسة> والثورة في الحزب على شاكلتها في النظام الايراني، السياسة متحركة و<سياسوية> لكنها تنتهي عند الثورة. الحرب ليست من تكاليف السياسة، والحرب تكليف ثوري وعالمي في آن معا. تقضي السياسة الدفاع عن <لبنانية> القرار، اما في العقيدة، في المستوى الثوري فلا وجود لحيز لبناني.

الحرب هي الاسم الآخر للجهاد ومنذ 11 ايلول لا يزال الجدل قائما حول فقه الجهاد، لكن هذا الجدل اذا اختلف حول الغرب والولايات المتحدة فإنه لا يختلف بالطريقة ذاتها حول اسرائيل. لا جدال في عداوة اسرائيل وفي وجوب الجهاد ضدها، هذا ما يلتقي عليه القوميون والاسلاميون ولا تكذبهم السياسة الاسرائيلية نفسها. اسرائيل هي العدو بدون تحفظ، هذا رغم مصالحة أكثر العرب لإسرائيل ورضا البقية بهذا الصلح، رغم اتفاق اوسلو والاعتراف الفلسطيني بإسرائيل، هذه كلها اعتُبرت <تدابير دبلوماسية ولم تخلق أي سياسة جدية موازية ولا قوة موازية. حتى ان تجربة العداء نفسها وهي ميدانيا ثرية وطويلة لم تترك اي تلاوين على مستوى النظرية، لم نجد <مفهمة>، ما لهذا العداء أو جدلا خاصا به. انه موجود دائما كنواة أصلية، كبداية غير ممسوسة وكمفهوم قبلي، اما تاريخه وممارسته فهما في الغالب منكران ولا يعتد بهما. اذا تعيد الحركات الاسلامية العداء الى خيبر تضمن له أولية دائما وتخرجه من محاكمات الظروف والسياسات والوقائع. انه صراع ماهيات، ولا يدرك بالسياسة، ولا يمكن لهذا الكلام عن <توقيت> وعن <سياسة> حينما يتعلق الأمر بإسرائيل. اسرائيل عدو ولكن ليس كما هي اميركا بالنسبة لكوبا او الهند بالنسبة لباكستان فهذه عداوات لها اطوار ومفاوضات وظروف وأجندات. اسرائيل هي العدو، كما نقول الشيطان، والكفر والشر، والصراع معها انطولوجي. انه عداء لا يتزمن ولا يدخل لذلك في تكتيكات وموازين قوى ومراحل.

يمكننا بالطريقة ذاتها ربط العداء بالحرب، العداء لازم والحرب لازمة في اي زمن. هي ايضا لا تحتاج لتوقيت ولا حساب زمني، وهي كالعداء لا تملك اشكالا مختلفة ولا أطوارا ولا مراحل ولا مستويات. الحرب هي صوت العداء وصورته وهي تنطلق ما ان يكون للعداء صوت او صورة. الفصل بين العداء والحرب او الكلام عن تفاوت بينهما غير ممكن فعداء بارد وعداء متعدد الاشكال وعداء في حال سلمية أمر لا يتطرق الى تفكيرنا.

بالطبع تقول الممارسة، ممارسة العداء، غير ذلك، لكن من يتخذ من الممارسة قواعد وأحكاماً، من يسترشد بها او يستجر منها دروسا، لا أحد بالطبع ما دامت هذه الممارسة في الغالب مهزومة ومدانة. مع ذلك فإن العداء، بدون ان يختفي، تحول الى صلح وتحول الى اعتراف ومعاهدة، وتحول ايضا الى اتفاقيات (الهدنة) والى ممارسة باردة، ويمكننا ان نجد في الممارسة السورية مثلا على احتواء العداء وممارسته سلميا وتحويله الى عداء بارد طوال 30 عاما.

الممارسة تقوم غالبا على فصل بين الحرب والعداء، تقوم غالبا على صياغة متعددة الاشكال والاطوار، بما في ذلك، مكان ممارسة سلمية، وبما في ذلك ممارسة عداء بارد.
الخلاف الانطولوجي لا يرتد بالضرورة الى خيبر، ان اعادته الى اغتصاب فلسطين اكثر واقعية. ومع اتفاق اوسلو فإن العقدة الانطولوجية للعداء، التي تجعله اوليا وجوهريا غير قابل للمس، والتي تجعل بينه وبين الحرب تلازما دائما، وتخرجه من اي توقيت وترفض ان تتخذ له سياسة، مع اوسلو والتسليم بوجود اسرائيل، غدت العقدة الانطولوجية ثانوية والعودة الى خيبر لا تنعشها. من الممكن القول ان العداء الذي تصر عليه اسرائيل وتمارسه بالعنف القذر الذي تجلى في الحرب الراهنة على لبنان، هذا العداء لا يمكن ان يبقى في نطاقه الانطولوجي، وأن يظل لاهوتا. لا بد من سياسة له ومن مواقيت ومراحل واشكال ومن فك تلازمه القَبَلي مع الحرب. أعيد التذكير هنا بالممارسة السورية التي أمكن معها احتواءه طوال كل هذا الوقت. كما أعيد التذكير بأن المثال الحربي للأنظمة العربية انتهى على الدوام بخليط تهريجي من الديكتاتورية والفساد والتخلف والفشل العسكري ايضا.

كانت مفاجأة الحرب صمود المقاومين أسابيع تقريبا بدا خلالها ان الجيش الاسرائيلي لا يجسر على التقدم وترك خطوطه الخلفية تحت رحمتهم. كان هذا بالقياس الى الحروب العربية مع اسرائيل فوق التصور ولم يكذب حزب الله حين قال ان مقاتليه اكفاء لهذا القتال. اثار هذا نشوة فائقة أُنسي معها الجانب الآخر المريع الذي يتلخص بألف قتيل، بنسبة كبيرة من الأطفال، ودمار شامل للبنى التحتية والاحياء السكنية والمصانع والمرافئ والمطارات. أيمكن حسم كل هذا من حساب الحرب <الصافية> التي هي فقط مقاتل لمقاتل وسلاح لسلاح، وبدأ الكلام <الحسابي> عن نصر فعلي.

لا بد أن جدلا بيزنطيا كالذي دار حول التوقيت كان يمكن ان ينتهي بنصر <نظري>، وكان بوسع هذا النصر ان يستقر حقيقة <جدلية> ومعها يسهل نسيان الواقع. غدت الحرب هي الالتحام وحده وما عداه سقط حساب. لا شك ان شجاعة وكفاءة مقاتلي حزب الله امثولة وأمثولة فعلية للمستقبل فمن الآن لن تستطيع اسرائيل ان تعربد وحدها. لكن انتصار حزب الله الأول كان على النموذج المهترئ والأجوف للعسكرية العربية. على كل حال، بدا مصطلح النصر نفسه ذا جرس قرآني، وعلى هذا تأكدت اكثر رمزيته.

إذا اخذنا خطب السيد نصر الله مثلا وجدناه في آخرها يقول اننا لن نصل الى تل ابيب بالطبع، وقد يصل الاسرائيليون الى الليطاني، لكن ما يهمنا هو ان نكبد العدو اكثر ما نستطيع من الخسائر. لا يستقيم مصطلح النصر الدارج مع وصول الجيش الاسرائيلي الى الليطاني والعجز عن الدخول في الحدود الاسرائيلية. لنقل ان النصر ليس فقط اسما آخر للشجاعة والمجابهة ولن يكون عندئذ الا وعدا الهيا واستعارة قرآنية، واذا قال السيد نصر الله مرارا و<وعدتكم بالنصر> فقد آن ان يحدده وان ينبه الى انه ليس بالحرف لكن بالمجاز والوعد. مع ذلك يمكن القول انهم كانوا موعودين بأكثر، كما ان مسؤولية مقاتلي حزب الله في الاضطلاع بقتال عادل ومستحق، لا تلغي مسؤوليته، كقيادة وحزب، عن جر الجميع الى الكارثة. هذه ليست فقط اعادة البلاد اقتصاديا واعماريا الى الوراء، بل سياسيا وثقافيا ايضا، ما فعله حزب الله ليس فقط الانفراد بقرار الحرب ولكن المجازفة ب15 عاما من السلم الاجتماعي، كل هذا لا يستقيم مع النصر.

النصر عند حزب الله على ما يبدو لا يقاس بخسائر الارض والناس والاملاك والانشاءات العامة، بل لا يمكن قياس النصر اساسا. انه استحقاق إلهي ووعد حق، انه صيحة الحرب نفسها ورايتها. ما كان ولن يكون، في ظن حزب الله، انه يخوض حربا خاسرة ايا كانت النتيجة <فالنصر من عند العلي الجبار>، وهو اكيد مهما كانت الحسابات. لا شك في ان السيد نصر الله الذي وعد بمفاجآت وفى بوعده، وكان هذا بالتأكيد مزيجا سحريا من التكنولوجيا والارادة والقرآن. مزيج كهذا لا يخيب فهو كلمة الله وكلمة القوم وكلمة العلم، وهذه لا تجتمع لهزيمة، بل اجتماعها نفسه ربح جازم. النصر اذاً يتحقق بلا فوز ضروري، انه متحقق في رؤيا الحزب، من لحظة اعلان الحرب، اي الجهاد، فالنصر كالجهاد سران من اسرار الدين، اذا صحت استعارتنا من المسيحية.

اذا اقتضت السياسة من حزب الله والسيد نصر الله حسابا ما، فليس هذا الذي يحدد ما هي الهزيمة وما هو <النصر>. من الخطاب الاول للسيد نصر الله لم يكترث، في الاساس، بميزان القوى. قال مرارا ان <الكون كله لا يستطيع ان يفك اسر الجنديين>. الكون كله، لم يرهب السيد انه يواجه الكون، بالعكس رفع هذا من اعتداده، بل بدا مرارا انه يستصغر عدوه. لقد وضع ذكاءه وخبرته تجاه ما اعتبره غباء حكام اسرائيل وقلة خبرتهم. بدت اللعبة هكذا مقلوبة، إذا كانت سمة الاسرائيلي في عرف الناس هي الدهاء والعقل البارد فإن السيد يرميه هنا بالحمق والقصور. هكذا يقع العدو بسهولة في فخ حزب الله، بل يبدو أن التدمير الضخم شيء من وقوعه وقلة حيلته، وعلينا أن نعتبر هذا الخراب كله من حمقه وتعثره وقلة تدبيره أمام حسن تدبير حزب الله ويقظته ونظاميته عدا عما في هذا من قلة اعتبار للكارثة. فإن الصورة تنقلب، فيروح حزب الله يباهي بصلابته (لم يستطع ان يخترقه العدو) ونظامه الحديدي (المنصات تعمل وتتوقف بأمر)، وبالطبع بالتزامه وهدوئه وعقله البارد التي يمثل السيد نصر الله نفسه نموذجها المباشر. وهذه خصال قلما تنسب للعرب أو الشرقيين.

انتصر حزب الله في <الحرب الصافية> التي ليست الا عملية حساب نظري، ولا يمكن فصلها عن الحرب الشاملة بما فيها من تدمير واعادة احتلال صعبة. <الحرب الصافية> لا تتم الا بتضحية كبرى هي التضحية بالجماعة نفسها وحسمها من الحساب العام. اكاد افكر في ان خطاب النصر هو في حقيقته خطاب ندية. أشعر السيد نصر الله مخاطَبيه بأنهم انداد، انهم في العقل البارد والنظام والتكنولوجيا والكفاءة العلمية انداد للاسرائيلي. لا ننسى ان هذه الصفات تعزى لا للإسرائيلي وحده، بل للغربي عامة. هل يعني هذا ان خطاب الندية هو وراء الحرب ضد الاستكبار. انه الوجه الآخر لليأس من التحديث. الندية في العنف، هل هذا هو المفهوم الضمني لتوازن الردع؟

مع ذلك، فإن خطاب النصر قد يتحول من خطاب ندية الى خطاب تفوق. إذا وازى حزب الله ومقاتلوه الاسرائيليين فان هذا يعطيهم سبقا على الجماعات والاطراف اللبنانية الاخرى. اذا لاحظنا بأي سرعة استلم حزب الله قيادة الفريق الثاني في البلاد، فإن الجماعة الشيعية وحزب الله يخرجان بالتأكيد من الحرب بسيماء اسبقية واضحة. هنا إعلاء الهامشية وتروما مكانة غير بعيدي العهد، وقد نجد هنا محلا آخر لانتصار حزب الله او خطاب الانتصار. إذا كان انتصار الحزب على اسرائيل رمزيا ونظريا فإنه اكثر من ذلك بالنسبة للجماعات الطوائفية اللبنانية الأخرى. اذا باهى الاسرائيليين بالصلابة التنظيمية والكفاءة التكنولوجية والعقل البارد والذكاء التكتيكي، فتلك هي بالضبط الصفات التي تجعله الاقوى في لبنان. انتصاره النظري على اسرائيل سيكون <محققا> و<فعالا> في لبنان، لا بد من ان الشرذمة اللبنانية والمسالك السياسية اللبنانية الضيقة، ستجد نفسها امام نموذج مختلف في وحدته وسلوكه الاستراتيجي. لقد آن الاوان لتنقلب الصورة. ان تركة الاستقلال اللبناني المتزايدة الهشاشة والضعف ستكون امام نموذج حديدي، ليس فقط بالتماهي العسكري والطوائفي، وانما ايضا، بالوحدة الايديولوجية. ليست اللغات المتعددة والسنوبية الغربية والفخفخة بعدُ علامات التقدم، ان مثالا آخر يعتد بالتربية الايديولوجية والتكنولوجية يفرض نفسه قوة غير مسبوقة في البلد. من زمان اعتبرت القوات اللبنانية شعورها بالتفوق <تحضرا>، وثمة من اعتبر الازدواج اللغوي ميزة قومية. ادبيات حزب الله لا تحبذ تسميات كهذه. ونحن لا نقترح، لكننا نستطيع من خطب السيد ان نستلهم واحدة مناسبة موقتا على الاقل: الايمان الذكي.


"السفير"

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018