الحروب الأهلية بين حظوظ رفضها وفرضها../ حسن شامي

مبادرة هيئات نسائية لبنانية الى التجمع والتظاهر لرفض أي شكل من أشكال الاقتتال الأهلي، تنطوي في حد ذاتها، وبغض النظر عن الحجم المتواضع للمشاركات فيها، عن وجهين يستحقان كلاهما الاحترام والإكبار. الوجه الأول يتعلق بواجب التذكير الذي اضطلعت به هذه الهيئات النسائية لدعوة الشبان اللبنانيين المأخوذين بسحر الاصطفافات الهادرة الى رؤية وجوههم وحاضرهم في مرآة حرب أهلية سابقة حفلت بالأهوال والفظائع. في ظل الانسداد الحاصل أمام تسوية تاريخية مقبولة من الجميع، ثمة، للأسف الشديد، حظوظ كبيرة لجعل المبادرة النسائية النبيلة مجرد عمل رمزي وأخلاقي صادر عن حكمة باهتة لا محل لها ولا مأوى لدى الملحين في ظلب الصخف والعنف. والحكمة هذه تقول للهادرين ما قاله الشاعر الجاهلي وهو ينظر من فوق سنواته الثمانين الى ما فعلته حروب القبائل بأبنائها، إذ الحرب هي ما علموا وذاقوا، وهي تعركهم عرك الرص بثقالها ثم تتئم وتتناسل... ومع أن عدد النسوة اللبنانيات اللواتي تجمعن في منطقة المتحف لم يتجاوز المئتين، ومع أن حكمتهن مرشحة لأن تكون أشبه بصرخة طائشة فإن تلقف مبادرتهن، من قبل الراغبين والمترددين، من شأنه أن يحض لبنانيين كثيرين على رفع شعار حكمي يجدر بكل واحد أن يضعه يومياً نصب عينيه وأذنيه وهو: الحرب الأهلية خبز بائت وفاسد (عفن) لا نأكل منه.

الوجه الثاني للمبادرة النسوية اللبنانية يتعلق بسعيهن الى انتزاع حيز تعبيري للهيئات المدنية والى تعزيز فرص انتشار وترسيخ حس مدني وسلمي يتعالى على نرجليات سجال يستعير لغة الحرب وذهنيتها. نعم، ان إشعال شمعة واحدة أفضل من لعن الظلام، وأفضل بالطبع من إشعال الحرائق التي لا تبقي ولا تذر. وقد عرف المشهد الفلسطيني في الأيام الأخيرة مبادرة مشابهة وفي وقت واحد تقريباً. إذ تمدد مئات الفلسطينيين بأجسادهم على طول الطريق والشوارع التي تفصل بين مقري الرئاستين، في محاولة لإقامة حاجز مدني بين طرفي النزاع الأهلي والمسلح بين حركتي «فتح» و «حماس». وفي انتظار ما ستنجلي عنه اجتماعات القمة بين قيادتي الحركتين وهي اجتماعات دعت اليها واستضافتها المملكة العربية السعودية مع إصرار على عدم السماح بعودة الطرفين الى بلدهما المؤجل والممنوع من الصرف خاليي الوفاض، أي من دون تسوية جدية لنزاعاتهما، في الانتظار هذا يمكن التعويل قليلاً على المبادرة المدنية الفلسطينية لمنع الاقتتال. مثل هذه المبادرات المدنية، على رمزيتها وقلة حولها، تكاد فرصها أن تكون معدومة في العراق المشتعل والدائخ من تكاثر الجثث والتفجيرات القاتلة بلا رحمة ولا هوادة. فهاهنا، بات يصح، في حدود الموعظة الحكمية فقط، ما قاله الشاعر العربي (المتنبي): «ومن جعل الضرغام للصيد بازه/ تصيّده الضرغام فيما تصيدا». فما تتخبط فيه القوى الشيعية والسنية في العراق هو من مفاعيل استراتيجية أميركية يمكن وصفها بالضرغامية في لغة البلاغة الشعرية، وبالسبعية في لغة فلاسفة النفس وقواها. وهذه الاستراتيجية تطلق العنان لإرادة القوة إذ أنها سعت وما تزال الى وضع القانون في خدمة القوة، وليس العكس، والى وضع التاريخ في خدمة لاهوت ايديولوجي ومؤدلج، وليس العكس ايضاً. وهذا ما تلقفه الاسرائيليون على الفور غداة اعتداءات 11 أيلول (سبتمبر) إذ اندفعوا الى إذابة النزاع الفلسطيني-الاسرائيلي وامتداداته العربية في سديم الحرب الكونية على الارهاب. فباسم هذه الحرب وضعت ترسانة من القوانين الاستئنائية التي تجيز للادارة الاميركية استخدام القوة حيث تشاء، مما أخذ يرشح «المجتمع الدولي» والهيئات الدولية وأعرفها وقوانينها الى أن تكون اسماً مستعاراً، أو حركياً اذا شئتم، للضرغام الاميركي المحافظ والجديد.

ويبدو أن التخبط الأميركي في العراق، هو ما يدفع الادارة الحالية الى فعل شيء حيال الأزمات الأخرى في المنطقة. نفهم في هذا السياق لماذا اعتبر مراقبون وإعلاميون مجرد اجتماع اللجنة الرباعية في واشنطن، قبل اسبوع تقريباً، حدثاً سياسياً في حد ذاته. فهذه الهيئة التي تضم الولايات المتحدة وروسيا والاتحاد الأوروبي والأم المتحدة، لم تجتمع منذ أواخر 2002، كما لو أن الأمور كانت تسير على ما يرام، و «خريطة الطريق» جارية على قدم وساق للوصول الى انشاء دولة فلسطينية عام 2005، بحسب ما تضمنت الخريطة المذكورة عام 2003. هذه المرة رفضت وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس وضع روزنامة وتثبيت تواريخ «لاستحقاقات اصطناعية»، فيما بقيت اختلافات وجهات النظر بين أعضاء «الرباعية» على حالها.

ليس مصادفة ان تفتعل الدولة العبرية مشكلة الحفر حول المسجد الأقصى (دائماً المسجد الأقصى) بالتزامن مع انعقاد القمة الفلسطينية-الفلسطينية في مكة المكرمة. اذا كان قديماً القول بأن الاستراتيجية الاسرائيلية في المنطقة تقوم منذ نكبة 1948 حتى اليوم على تغذية النزاعات العربية-العربية، فإن هناك ملمحاً جديداً بعض الشيء يتغذى هذه الأيام من تماهي الدولة العبرية وسياستها مع السياسة الأميركية الحالية. والجديد هذا هو تمدد السياسة الاسرائيلية للظهور في مظهر الطرف الداخلي الذي يسعى الى ترجيح كفة الاعتدال على كفة التطرف والارهاب. ولا يقدم المراقب أدلة على هذا التحول. ففي الأيام الأولى لحرب تموز (يوليو) في لبنان انتقلت تصريحات ايهود اولمرت من اعلان الحرب على الدولة اللبنانية وحكومتها الى الاعلان عن عزمها تطبيق القرار 1559 ومساعدة الدولة اللبنانية (العدوة!) على بسط سلطتها وسيادتها في الجنوب اللبناني. حصل ذلك من دون تفويض دولي صريح، وبناء على نصائح اميركية على الأرجح. ولم يبخل اولمرت آنذاك بتقديم تصريحات عن شن الحرب بتأييد عربي هذه المرة مما يحرج الدول العربية المقصودة أكثر مما يفرحها.

ولم يبخل اولمرت ايضاً بتصريحات مشابهة حول ضرورة فعل كل شيء لدعم الرئيس الفلسطيني محمود عباس ضد ارهاب حركة «حماس» وحكومتها، علماً بأن الرئيس المذكور بقي غير صالح للتفاوض معه وللشراكة في التسوية، بل أوشك في فترات معينة على التعرض لمصير مشابه لمصير الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات الذي سجن عملياً في غرفتين في «المقاطعة» طوال سنتين. ولنتذكر الأنباء التي تحدثت، خلال الأشهر الأولى من حرب العراق، عن انتشار اسرائيلي في بعض الاقاليم العراقية، ثم تلاشى الحديث عنه. ولأن الشيء بالشيء يذكر، ينبغي الالتفات الى الطريقة التي اعتمدتها الادارة الاميركية للمطالبة بنشر الديموقراطية وبناء شرق أوسط جديد. فهي فعلت ذلك كما لو أنها تؤدي بالوكالة وبالنيابة عن مجتمعات المنطقة اجتراح وتحقيق الديموقراطية. تراجعت المطالبة الاميركية بنشر الديموقراطية ولكن بقيت الوكالة والنيابة. ويعيش الاعتدال العربي شيئاً من هذا القبيل، إذ أنه يحتاج الى قوة والى سياسة خارجية واقليمية فاعلة كي يكون له قدرة على التجسد. الوضع اللبناني ليس بمنأى عن هذا التحول، مما يعقّد فرص التسوية في بلد لا يعوزه التعقيد. ولا يفيد كثيراً التقاذف المؤدلج بين فريق وفريق، بعبارات التخوين والشمولية... الخ. فأقرب الطرق الى التسوية هو اعتراف كل فريق بتعقيدات تاريخ كل طرف وبقدر من التركيبية هو فرصة الكيان المشترك.

"الحياة"

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018