الحَرَج الدستوري../ فؤاد سلطاني

دولة إسرائيل هي من الدول القليلة في العالم التي لا تمتلك دستورًا خاصًا بها؛ فالدستور هو القانون الأسمى في الدولة، وهو يحدّد نظام الحكم في الدولة وينظم العلاقة بين الفرد أو المجموعة مع الدولة وأجهزتها، ويحدّد نظام الحكم واختصاصات سلطات الدولة الثلاثة. الدستور يُحدّد حدود الدولة، نوع نظام الحكم فيها، اسمها، لغتها وعلمها، النشيد الوطني ورمزها، كما يحدّد الحرّيات والحقوق الأساسية، مثل الحق في الحياة، الحق في الاحترام والمساواة وعدم التفرقة على أساس الإثنية، الدين، الجنس، اللون وغيرها. الدستور يضمن حرّية الأفراد والجماعات، مثل حرّية الديانة، حرّية التعبير عن الرأي، حرّية الحركة وحرّية التملك والسكن والعيش في أيّ مكان، حرّية العمل والإضراب عن العمل، حرّية التعلم، حرّية المثول أمام المحاكم وحق المحاكمة العادلة، حقوق الطفل وحقوق السجناء.

الدستور يضمن حقوق الأقليات، ومنها الأقليات الأصلانية (كحالة الفلسطينيين في إسرائيل)، مثل حق العيش في وطنهم والحفاظ على الهوّية والثقافة الخاصة بها، الحق بالتواصل مع الأمة، الحق بالإدارة الثقافية الذاتية، الحق بالميزانيات والتمثيل المناسب والشراكة في أخذ القرارات، الحق بالأوقاف وغيرها من حقوق الأقليات؛ ليس صدفة إذاً أنه في إسرائيل لا يوجد دستور وأنّ إسرائيل ترى أنه لم يحن الوقت حتى الآن لوجود دستور يحدّد كلّ ما ذكر أعلاه.

في السنوات الأخيرة هنالك بعض الاجتهادات من مجموعات إسرائيلية لصياغة دستور لدولة إسرائيل أبرزها الدستور المعدّ من المعهد الإسرائيلي للديمقراطية، والمسمّى «دستوراً بالموافقة». «عدالة» – المركز القانوني لحقوق الأقلية العربية في إسرائيل، رأى ببالغ الخطورة الاقتراحات المقدّمة لصياغة دستور ورأى أنه يجب مناقشتها وتفنيدها ورفضها إلى جانب واجبه بأن يردّ بتقديم اقتراح بديل، يتلاءم مع تطلعاتنا نحن الفلسطينيين داخل إسرائيل، ويأخذ بعين الاعتبار تاريخنا، حاضرنا ومستقبلنا، كأصحاب هذه البلاد الأصليين.

لم يكن اختيار الاسم «الدستور الديمقراطي» إلا تحديًا لتعريف إسرائيل نفسها بدولة يهودية وديمقراطية؛ فمجموعة أنظمة الحريات والحقوق التي احتواها «الدستور الديمقراطي» -مقارنة بالاقتراحات الأخرى- إنما تخلق تحديًا جديًا، وتُعرّي بالكامل الحريات والحقوق الهزيلة في تلك الدساتير، التي لم تعرّف حتى من هم مواطنو الدولة واهتمت أكثر بالمواطنة على أساس «قانون العودة» (لليهود طبعًا). فوفق تلك الاقتراحات لم يُحدّد من هو المواطن، وهل سكان المثلث مثلا هم مواطنون أم لا. نحن لم نسمع عن دستور في العالم لم يحدّد من هو المواطن. وعدم تحديد حدود الدولة معناه عدم تحديد من هم السكان الشرعيون الموجودون داخلها، فيصبح من السهل تنفيذ ترانسفير بحق هؤلاء السكان أو سحب جنسياتهم عند الحاجة، بينما يحدّد البند الأول من اقتراح «الدستور الديمقراطي» حدود الدولة، بحسب القانون الدولي، حيث يعتبر الاحتلال والمستوطنات أمرًا غير قانوني ويلغي حق اليهود في أمريكا، مثلا، بالمواطنة، كونهم يهودَ ليس إلا، كما هو الحال الآن.

عندما ناقش «عدالة» ورقة الدستور المقدّمة من المعهد الإسرائيلي للديمقراطية كان لا بدّ أن نرفض هذه الورقة ولعدّة أسباب، أبرزها تكريس يهودية الدولة على أنها دولة يهودية ديمقراطية، وتكريس معالمها العبرية وعلمها وشعارها ولغتها العبرية كلغة رسمية في الدولة، وكذلك نشيدها الوطني. الورقة اعتمدت الرواية التاريخية الصهيونية وحقّ اليهود التاريخي المُدّعى على فلسطين، كما تتبنى الورقة نهج التقسيم الطائفي، وغير ذلك من أمور.

ومع قناعاتنا بأنّ وجود دستور ليس بالضرورة شرطًا من أجل المساواة والديمقراطية، فقد دأب «عدالة»، وبعد مداولات استمرّت على مدار أكثر من سنتيْن، على طرح مشروع صياغة دستور يمكننا أن نسميه «دستورَ تحدٍّ» لكلّ المحاولات الأخرى التي لو قبلت كما هي، لأصبح برأينا وضع الأقلية العربية في إسرائيل أسوأ مما هو عليه الآن- على الأقل من الناحية الدستورية.

من السذاجة الاعتقاد بأنّ الأكثرية اليهودية ستقبل اقتراح «الدستور الديمقراطي» وهذا واضح؛ ومع ذلك فسيكون من الصعب مواجهة بنوده والتي تعتمد بالأساس على القانون الدولي وتجارب مرّتها شعوب أخرى.

من المهم جدًا الآن أن يقوم «عدالة» باستعمال هذا الدستور في الساحة الدولية. استعمال كهذا سيكشف بُعد إسرائيل عن الديمقراطية وكم هي يهوديةٌ صبغة اقتراحات الدساتير الإسرئيلية، ولم يعد باستطاعة «المعهد الإسرائيلي للديمقراطية» الادعاء، في الساحة الدولية، أنّ العرب لا يعنيهم الدستور المقترح. يمكننا الآن أن نتحداهم بأن صار لنا اقتراح لدستور ديمقراطي وعليهم الآن مواجهته، مما يضعهم في حاله من الحرج.


"فصل المقال"

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018