الدولتان في مناورات والتهويد كنهج مثابر../ رنا بشارة

منذ التوقيع على اتفاقيات أوسلو، قبل خمسة عشر عاما، مرت القضية الفلسطينية بعملية اختزال مرحلي تدريجي لتتحول من قضية شعب شرد عن وطنه المحتل قبل أكثر من ستين عاما إلى عناوين فرعية تفصيلية أفقدت القضية الفلسطينية جوهرها، وانتزعتها من مضمونها وسياقها التاريخي والسياسي.

والمفارقة أن من ضغط على الفلسطينيين، وشجع قيادتهم لسلوك هذا الطريق حينها يقف اليوم متفرجا على ما آل إليه الوضع الفلسطيني، بل يذهب أبعد من ذلك إلى تعييرهم بانقسامهم وعدم وحدة موقفهم كحجة للجمود السياسي، وإلى فرض شروط سياسية عليهم مقابل تمكنهم من الحصول على احتياجات الحياة الأولية، في حين يستمر الطرف المحتل بتلقي الدعم الدولي اللامتناهي رغم كافة ممارساته التعسفية والعنصرية تجاه الفلسطينيين، تحت غطاء من الإدانات وبيانات الشجب والاستنكار البعيدة عن أية نوايا حقيقية لاتخاذ إجراءات فعلية لوقف هذه الممارسات وإنهاء الاحتلال، وإنما تستخدم بغرض الاستهلاك الإعلامي وكوسيلة لتمرير أهداف الإسرائيليين السياسية في تنفيذ ما يحلو لهم على الأرض.

تشهد المرحلة الحالية في حياة الفلسطينيين مناورات إقليمية دولية نشطة لحث الإسرائيليين على قبول "حل الدولتين". تجري هذه الحملة بموازاة تهويد متسارع غير مسبوق للقدس. فما أن أعلنت نتائج الانتخابات الإسرائيلية وفوز اليمين المتطرف برئاسة نتنياهو وإحجام الأخير عن تأييد حل الدولتين واستبداله بخطة خيالية ثلاثية المسارات (الاقتصادي والأمني والسياسي)، حتى بدأت أطراف متعددة بمناورات إعلامية نشطة لترويج "حل الدولتين"، وكأنه يطرح على الساحة السياسية للمرة الأولى. فإذا بالأوروبيين يشدون "الهمة" الموسمية من جديد، ويهددون نتنياهو بأن علاقات الاتحاد الأوروبي مع إسرائيل ستتضرر في حال عدم قبول الأخير بحل الدولتين. كما أعلنت إدارة أوباما في أكثر من مناسبة بأن السلام يجب أن يقوم على أساس حل الدولتين. وقد لقي الموقف الأوروبي ترحيبا حارا وتقديرا كبيرا من مسؤولين عرب وفلسطينيين. كما يجد الموقف الأمريكي صدى تفاؤل مفرط إزاء سياسة "التغيير" القادمة وحجم الضغوطات التي سيواجهها نتنياهو في زيارته الأولى لواشنطن للقبول بحل الدولتين.

وتتخذ مناورات حث الإسرائيليين على القبول بحل الدولتين تعبيرات "إبداعية" مختلفة لتسويق الفكرة، وكما تختلف العبارات شكليا، فإن فهم مضامينها معرض للتنوع في الاجتهادات أيضا من طرف لآخر. ومع ذلك تسير عجلة المناورات دون توقف. فتارة يتم حث الإسرائيليين على القبول بـ"رؤية" حل الدولتين، وتارة أخرى يجري الحديث عن ضرورة القبول بـ"مبدأ" حل الدولتين، وتارة أخرى يجري الحديث على "أن الحل يجب أن يكون على أساس الدولتين". وبغض النظر عن هذا أو ذاك وسواء كان المصرح أوباما أو الرئيس التشيكي الذي تترأس بلاده الاتحاد الأوروبي أو بان كي مون أو قداسة البابا بنديكت السادس عشر، فإن جميعها ما تلبث أن تصدر عن قائليها حتى تلقى الترحيب والتقدير والتفاؤل فلسطينيا وعربيا، رغم ما قد تحتمله من تفسيرات مختلفة، ورغم غياب أية ضمانات فعلية بأن تطبيقها سيصب في نهاية الأمر في تحقيق سلام "عادل" للفلسطينيين. والأهم أنها لا تحدد الحدود ولا تؤكد على الانسحاب من القدس الشرقية. (لم نتطرق هنا لحق العودة ليس إسقاطا للحق وإنما لأن هذا المقال يتناول "هليلة" حل الدولتين التي يشغلوننا بها هذه الأيام). ولربما يعترف بها نتنياهو في النهاية، وقد تكون "الدولة"- وفق منظوره- هي التي ستقام على أراضي أريحا وبعاصمتها رام الله. عندها سيحظى موقف نتنياهو بترحيب المجتمع الدولي وتقديره لـ"التنازلات الأليمة التي قدمها في سبيل السلام"، وبتعزيز التعاون التجاري والعسكري.

يبقى مفهوم "رؤية" حل الدولتين" حلا مجردا لا يأتي بالضرورة بالدولة وفق الرؤية الفلسطينية، وقد يجد الفلسطينيون أنفسهم في مواجهة حقائق مغايرة تماما عند التطبيق الفعلي. من هنا فإن الإفراط في الترحيب والإسراع إلى تقدير المواقف الأمريكية والأوروبية على تأييدهم لحل الدولتين وحث الإسرائيليين على قبوله قبل الاطلاع على حقيقة المواقف لن يجلب سوى خيبات أمل أخرى.

لقد عودنا الأمريكيون بأن إعلان المواقف الأمريكية إزاء إسرائيل شيء والممارسة الفعلية على الأرض هي الشيء ذاته، أي أن إسرائيل ستبقى الحليف الأول والأخير بالقول والفعل والفكر. أما الأوروبيون، فقد عودونا بأن إعلان المواقف السياسية الرنانة شيء والممارسة الفعلية شيء آخر مختلف، أي أن الأقوال قد تكون لصالح الفلسطينيين أما الفكر فمع الإسرائيليين والأفعال على الأرض لهم، أي للإسرائيليين. أما عربيا وفلسطينيا، فالواجب يحتم الإسراع بالترحيب والتمجيد بالمواقف دون تمحيص بمدى جديتها... فلم يُطالَب الأوروبيون مثلا بالإعلان بوضوح على أن الدولة الفلسطينية التي يتحدثون عن قيامها هي التي ستقام على كافة الأراضي المحتلة عام 1967 دون انتقاص لأي شبر منها وبإزالة الجدار العنصري وبعاصمتها القدس. فهل سيجرؤ الأوروبيون على الإعلان بأن حل الدولتين الذي يدعون نتنياهو للقبول به يعني أن مدنا استيطانية كـ"راموت" و"جيلو" و"معالي أدوميم" و"بسجات زئيف" وجفعات زئيف" و "نافيه يعكوف" والتي تلتف حول القدس من كافة الجهات هي غير شرعية ويتوجب أن تزول من أجل تحقيق العدالة وإن نسبيا للفلسطينيين؟! لنتذكر أن الأوروبيين قد امتنعوا أكثر من مرة عن نشر تقارير تدين الاستيطان الجاري في القدس تجاوبا مع الضغوطات الإسرائيلية، فهل يستحق موقفهم أن يلقى كل هذا الترحيب بعد بضعة ساعات من إعلانه؟

حاليا يبدو مشهد مناورات حث الإسرائيليين على القبول بـ"حل الدولتين" كأنه غطاء لعمليات التهويد الجارية فعلا في القدس. فمع كل تصريح من هذا القبيل وترحيب به يتسلم المقدسيون المزيد من إخطارات الهدم وتسابق إسرائيل الزمن في عملية تهويد القدس.

إن "حل الدولتين" ليس مجرد شعار سياسي يستخدم للمناورة، وهو قبل الترويج له من جديد يحتاج لتأكيد كافة المناورين أنهم يتحدثون بمفاهيم متفق عليها للدولتين. فالوقائع اليوم على الأرض ليست كما كانت عليه قبل خمسة عشر عاما، ورفع شعار حل الدولتين كمجرد شعار سياسي لن ينقذ القدس من التهويد الجاري بل يشكل غطاء للإسرائيليين للاستمرار بهذا النهج.

عن جريدة "القدس"

"العاصمة"... القدس والفعل الثقافيّ | ملف خاص