المتغيرات وتطور المفاهيم العنصرية في إسرائيل../ فايز رشيد*

في ذكرى النكبة، وبنظرة موضوعية الى الداخل الاسرائيلي، ليس من الصعب على المراقب ان يلاحظ بلا أدنى شك، ان جملة التطورات التي حدثت على الصعيدين الرسمي والاجتماعي في المدى المقارب لستة عقود زمنية منذ الانشاء، تتلخص في الجنوح مزيدا نحو اليمين... ذلك ان الأيديولوجيا الصهيونية، ذات الجذور التوراتية، ما زالت هي الأساس والمنبع للسياسات الاسرائيلية في المناحي المختلفة، اي اننا أمام صورة أبقت على المضامين المختلفة، التي جرى تشريعها ما قبل وعند إنشاء الدولة، كأهداف استراتيجية، ومنها تلك التي ما زالت تطرح في الاطار الشعاراتي المسابق لها على قاعدة تعزيز هذه الشعارات: مثل، يهودية الدولة وعقيدة الأمن الاسرائيلي.

أما بعض الأهداف الاستراتيجية الاخرى، فقد بقيت تحمل نفس المضمون، ولكن مع اختلاف بسيط في نمطية الشعارات المطروحة لتحقيقها مقارنة مع مثيلاتها لدى ترسيم ولادة الدولة. هذه الشعارات أخذت تبدو كأنها اكثر مرونة، لكنها المرونة التكتيكية التي لا تتعارض مع الجوهر، بل هي تتواءم وتصل حدود التماهي معه، ولكن مع الحرص على إعطائها شكلا انتقاليا جديدا للتحقيق... وذلك لاعتبارات سياسية واقليمية ودولية تحتم هذا الشكل الانتقالي، ولكن على قاعدة الاتكاء على ذات الايديولوجيا. فمثلا، إن الهدف في انشاء دولة اسرائيل الكبرى، والذي كان مطلبا ملحا ما قبل وعند انشاء الدولة، أصبح بفعل المستجدات السياسية الموضوعية مسألة صعبة التحقيق، ان لم تكن مستحيلة... وبالتالي فإن السيطرة تحولت من الشكل المباشر عبر الاحتلال الى شكل آخر غير مباشر، وهو السعي لتحقيق ذات السيطرة من خلال السيادة والهيمنة والتحكم الاقتصادي (على سبيل المثال)، ولذلك فإن هذه الخلفية أصبحت تتحكم في النظرة الاسرائيلية، ان على صعيد رؤية اسرائيل لذاتها كالدولة الأهم في المنطقة او على صعيد العلاقة مع الدول العربية والاقليمية، والقائمة ايضا على نظرية السيادة والتسيد المطلق.

في نفس السياق، يأتي التعامل الاسرائيلي مع الفلسطينيين وقضيتهم في الضفة الغربية وقطاع غزة، بالولوج الى شكل توافقي يحقق الهدف الاستراتيجي في (الدولة اليهودية) من دون الاصطدام مستقبلا بالقنبلة الديموغرافية التي يشكلونها مستقبلا... فمن مبدأ التنكر المطلق لحقوقهم الوطنية، باعتبار أراضيهم تشكل يهودا والسامرة، والتي هي جزء من اسرائيل التاريخية، الى اعطائهم ما تتصوره نمطا من الحقوق يجمع ما بين بقاء السيطرة الفعلية الاسرائيلية كعامل متحكم في شؤونهم السيادية باستثناء اشرافهم المباشر على القضايا الحياتية، ومن مبدأ الترانسفير والتخلص المباشر من معظمهم الى خلق وقائع اقتصادية وسياسية واجتماعية وأمنية عسكرية تدفع بالكثيرين منهم الى الهجرة الطوعية.

ولذلك تفتق الذهن الاسرائيلي عن الحكم الذاتي، الذي يقدّم اليهم في مشاريع (سلامية) وتحت مسميات مختلفة، وكلها تضمن لاسرائيل السيادة الفعلية على نصف اراضي الضفة والقطاع، باعتبار مصادرة اسرائيل للنصف الآخر من الارض من اجل التجمعات الاستيطانية المرتبطة مباشرة باسرائيل، ومن أجل الجدار... إبقاء السيادة الاسرائيلية حتى لو جرت تسمية شكل الحكم في هذه المناطق بـ(الدولة) او (الامبراطورية).

أما بالنسبة لكيفية التعامل الاسرائيلي مع فلسطينيي الخط الاخضر، الذين تعتبرهم اسرائيل (مواطنيها)، فإن 59 سنة من وجود الدولة لم تكن كافية لأن يحصل العرب على حقوقهم وان يتساووا مع اليهود، بل ارتفعت حدة العنصرية الممارسة تجاههم، الى الحد الذي جعل المحامية الاسرائيلية، التي اشتهرت بدفاعها عن المعتقلين الفلسطينيين، ان تتخذ قرارا بمغادرة اسرائيل (في أواخر الثمانينيات) والعيش في المانيا نتيجة لعدم تحملها لعنصرية الدولة. نفس القرار اتخذه الكاتب الاسرائيلي التقدمي، ايلان بابيه، مؤلف كتاب (التطهير العرقي للفلسطينيين). النظرة الجديدة/القديمة الاسرائيلية تجاه فلسطينيي منطقة ,48 تمثلت في جوهر الاجتماع الذي عقد في اواسط آذار بين اولمرت ورئيس المخابرات الاسرائيلية والذي نشرت «هآرتس» نتائجه، التي تتلخص بجملة واحدة، وهي: ان هؤلاء يشكلون خطرا استراتيجيا على الدولة الاسرائيلية، ولذلك من المتوقع ازدياد في حدة الهجمة الاسرائيلية على أبناء شعبنا في الخط الاخضر، ولم يكن التصعيد الاسرائيلي تجاه المناضل عزمي بشارة سوى احد وجوه هذه السياسة.

كذلك، أصبح المبحث جاريا في اسرائيل عن كيفية التخلص من معظم هؤلاء، وتفتق الذهن الاسرائيلي عن إمكانية تبادل منطقة المثلث، ذات الكثافة السكانية العربية العالمية مع مناطق في السلطة الفلسطينية، هذا ما جرى طرحه في مؤتمرات هرتسيليا، اضافة الى إمكانية تعويض سوريا والسلطة الفلسطينية بأراض اردنية، وغير ذلك من الرؤى المتحكمة في الجغرافيا العربية، بعيدا عن احترام السيادة لأي من هذه الدول... اي ان اسرائيل أصبحت تقرر للأرض العربية كما تشاء!
بعد 59 عاما من وجود الدولة الاسرائيلية، يلاحظ مدى التطور الحاصل في مفهوم العدوان على قاعدة من النظرة الاستعلائية، الشوفينية، العنصرية، التي تفترش الشارع الاسرائيلي طوليا وعرضيا، والمتمظهرة في التربية والتعليم الاسرائيليين، من رياض الاطفال، مرورا بالمدارس الدينية، والمراحل الابتدائية والاعدادية والثانوية، وصولا الى الجامعات.. في تناسق وتناغم تامين في إنتاج وإعادة انتاج الاشكال المطورة الجديدة من ممارسة العدوان.. فكلنا يلحظ ويلاحظ جحم التدمير القاسي الذي مارسته اسرائيل في حربها وعدوانها على لبنان (2006)، وما تمارسه حاليا في المناطق الفلسطينية المحتلة.

الاسرائيليون بعد (59) عاما على إنشاء دولتهم لم يغادروا مفهوم القلعة المحصنة التي يجب ان يتواجد فيها الاسرائيلي، ولذلك فإن كافة مستعمراتهم التي أقاموها في المناطق الفلسطينية المحتلة، والاخرى العربية، كانت ولا تزال تحتل رؤوس الجبال... وهذه المسألة لم تأت مصادفة. كما أنهم لم يغادروا مفهوم حصاد الآخر، والستار الحديدي الذي دعا اليه جابوتنسكي في مؤلفه في بداية القرن العشرين، هذا الستار يتوجب ان يحيط بأعداء اسرائيل.

هذه التربية التزمتية ليست قادرة على إنتاج سوى المزيد من المفاهيم اليمينية والدينية المتطرفة، ولذلك ليس من الصدفة بمكان ازدياد حجم المقاعد التي تحققها أحزاب اليمين الديني، واليمين الفاشي في الانتخابات التشريعية للكنيست مرة بعد اخرى، وأصبحت قادرة على فرض المزيد من تعاليمها في الحياة الاسرائيلية اجتماعيا وسياسيا.

أما المؤسسة الاخرى التي تتحكم في الواقع الاسرائيلي، فهي المؤسسة العسكرية، التي ايضا تفرض على الواقع السياسي الاسرائيلي حقائقها.

فهم اسرائيل من الداخل مسألة أساسية، ليس فقط لطبيعة اهمية معــرفة الــعدو، وانما ايضا لتحديد الملامح الاستراتيجية والتكتيك السياسي العربي في التعامل مع مجمل الأهداف والسياسات، والامكانيات الفعلية للحدود التي قد تصل اليها اسرائيل في أي تسوية، سواء مع الفلسطينيين او مع الدول العربية.

"السفير"

#يهودية إسرائيلية: بورتريه ثورة ثقافية