المشرق العربي بين التصدّع وإعادة التشكيل../ ماجد كيالي

ليس ثمة منطقة في العالم تشبه المشرق العربي نظراً لأهميتها الاستراتيجية الدولية والإقليمية، من النواحي الجغراسية والاقتصادية والأمنية، كما بالنسبة الى حال الاضطراب وعدم الاستقرار والتفكّك، وربما التصدّع، التي تمر بها.

فالمشرق العربي، الذي يضم ما يعرف بمنطقة بلاد الشام وما بين النهرين، ومصر والجزيرة العربية، هو بمثابة مركز للتطورات والتحولات في العالم العربي، وهو الملتقى، والجسر، الذي يربط القارات الثلاث القديمة (آسيا وأوروبا وأفريقيا)، وفي هذه المنطقة منابع النفط، ومواطن الرسالات السماوية الثلاث.

ومعضلة المشرق العربي، في هذه المرحلة، انه يواجه قوى إقليمية ودولية عديدة تصارع من أجل السيطرة عليه، والتحكم في التطورات الجارية فيه، من دون أن تكون له هيكلية، أو هوية، أو ذات واضحة ومتمثلة في دولة أو في نظام إقليمي، هذا إذا تجاوزنا الحديث عن نظام عربي، هو أقرب إلى نظام افتراضي، لافتقاده الى الوحدة والفاعلية، التي تضاهي الفاعلين الإقليميين والدوليين الآخرين.

هكذا، يواجه المشرق العربي على الصعيد الإقليمي مثلاً، ثلاث قوى صاعدة. فهذه إيران بقوتها النفطية والعسكرية (وضمنها احتمال امتلاكها قوة نووية)، تسعى لتعزيز دورها الإقليمي، عبر تصدير «ثورتها» إلى محيطها، بالاستناد الى بُعد ديني ومذهبي، وبتوظيف واضح للصراع العربي - الإسرائيلي والعداء للسياسة الأميركية في المنطقة. في مقابل ذلك تتقدم تركيا بهدوء لتعزيز وضعها الإقليمي، بثقلها التاريخي، وقدراتها الاقتصادية، ونمط نظامها الديموقراطي الإسلامي المعتدل، والمنفتح على الغرب. ويمكن احتساب إسرائيل، في هذا المجال، على رغم أنها تحمل في وجودها وجهاً دولياً أيضاً، بحكم علاقاتها المتميزة بالغرب وبالولايات المتحدة الأميركية تحديداً.

أما على الصعيد الدولي، فهناك الولايات المتحدة التي ترى في وجودها في هذه المنطقة، ضمانة لاستمرار هيمنتها على النظام الدولي، بين ضمانات أخرى عسكرية واقتصادية وتكنولوجية. أما أوروبا فترى في هذه المنطقة (مع شمال افريقيا) نوعا من الامتداد التاريخي والحضاري والجيوسياسي الطبيعي لها. وخاصة أنها تتأثر مباشرة جراء التطورات والاضطرابات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأمنية في هذه المنطقة، بحكم الجوار الجغرافي، وبحكم انتقال موجات الهجرة من المشرق العربي (مع شمال افريقيا) إليها. وهناك طبعاً روسيا، وهي مشروع إمبراطورية تسعى لاستعادة نفوذ سبق أن خسرته، في مرحلة سابقة، لأسباب أيديولوجية (في زمن الشيوعية)، وبسبب خسارتها المنافسة في السباق الدولي مع الولايات المتحدة، وهي لذلك تسعى جاهدة، بالاعتماد على قوتها العسكرية، الى منافسة النفوذ الأميركي في أكثر من مجال، وبأكثر من طريقة.

واضح من كل ذلك أن معطيات وتشابكات هذه المنطقة جد معقدة ومتداخلة، ولا يمكن فيها الحديث عن سياسة محلية، من دون بعد إقليمي، كما لا يمكن الحديث عن هكذا بعد، أيضا، من دون مداخلات دولية.

المعضلة الأخرى التي تواجه هذه المنطقة أن الصراعات والتنافسات السياسية فيها، الداخلية والخارجية، لا تحلّ، على الأغلب، بالوسائل الديبلوماسية والسلمية والديموقراطية، وإنما بطرق القوة والعنف والوسائل العسكرية. هكذا، مثلاً، فإن إسرائيل تبحث عن حلّ امني (عسكري) لصراعها مع الفلسطينيين، وفي عموم المنطقة، يتأسّس على التسليم وليس على السلام، وعلى الغلبة والهيمنة وليس على التكافؤ والمساواة، وعلى الردع والقوة وليس على العدل والتوافق.

وبذلك باتت المشكلة بالنسبة اليها ليست الاستيطان والعدوان والاحتلال، وإنما تخلي الفلسطينيين عن العنف وإعادة تأهيلهم لإدارة أوضاعهم! وهذا ما يمكن سحبه على الجبهات الأخرى. فبالنسبة الى احتلال اسرائيل للجولان السوري، منذ العام 1967، فهي باتت تعتبر ذلك عملا شرعيا، ومن موجبات الدفاع عن النفس، ومعاقبة الأخر! بل إنها باتت تعتبر أن لها حقوقا مائية وأمنية في الجولان، وكأن الاحتلال والاغتصاب يورّث، أو يولّد، الحقوق، بدلاً من أن يوجب المحاسبة بل والمعاقبة!

أما على صعيد الخلافات والصراعات الداخلية فالقوة هي الأساس، إن في تعامل الأنظمة مع القوى المعارضة (على ضعفها)، أو بالنسبة الى حل القضايا الخلافية الداخلية (حالة «حماس» في فلسطين و «حزب الله» في لبنان والوضع في السودان والصومال واليمن).

المعضلة الثالثة التي تواجه المشرق العربي تنبثق من واقع أن الصراعات في هذه المنطقة سرعان ما تأخذ طابعاً دينياً وطائفياً وإثنياً ومذهبياً، بسبب ضعف الاندماج المجتمعي، وضعف تكون الدولة - الأمة، أو دولة المواطنين، في هذه المنطقة الفسيفسائية. وفي هذا السياق، فهذه إسرائيل تؤسس وجودها في المشرق العربي على فرادتها كدولة يهودية. وثمة تنامٍ ملحوظ لحركات الإسلام السياسي، المعطوفة على العنف. ونفوذ إيران إلى تصاعد مستمر، بسبب توظيفها لعدائها مع إسرائيل والسياسات الأميركية. وثمة حركتان إسلاميتان باتتا تتصدران الصراع ضد إسرائيل («حزب الله» في لبنان وحركة «حماس» في فلسطين). وبدورها فإن الصراعات في العراق، بسبب المداخلات الإيرانية والتوظيفات الأميركية، باتت تأخذ طابعاً مذهبياً وإثنياً، وهي تكاد تمتد لتعم المشرق العربي، ما يهدد الدولة العربية، على ضعفها.

وعلى الصعيد الدولي فإن سياسة الإدارة الأميركية، وهي الفاعل الأكبر في المشرق العربي، ليست في وارد إصلاح الأوضاع في المنطقة، على رغم اللغو الأميركي الكثير في هذا المجال، وفي مجال التسوية. والأخطر من ذلك أن السياسات الأميركية التي درجت على انتهاج خط إدارة الصراعات، بدلاً من حلها، اتجهت في ظل إدارة بوش نحو تفكيك البنى السياسية والاجتماعية في منطقة المشرق العربي، من دون أن تهتم بعواقب ذلك، أو بإيجاد نوع من إعادة التركيب.

والواقع فإن إدارة بوش، مع تيار «المحافظين الجدد»، مالت أكثر إلى التفكيك، أو ما بات يعرف بمصطلح «الفوضى الخلاقة»، لوضع المنطقة في المجهول، على أكثر من صعيد. وأكبر مثال على ذلك هو نموذج الترتيبات الأميركية في العراق، منذ احتلاله عام 2003، حيث تم تفكيك الدولة (بتقويض مؤسساتها وبحل الجيش وأجهزة الأمن)، ثم جرى تشريع تفكيك المجتمع إلى طوائف ومذاهب واثنيات. ولعل ما حصل في فلسطين ثم في لبنان (أخيراً)، بسبب المداخلات والتشجيعات الإقليمية والدولية، هو نوع من التعميم للمسار العراقي في أماكن أخرى. هكذا يمكن اعتبار كلام بوش الممجوج عن الإصلاح ونشر الديموقراطية وإقامة دولة للفلسطينيين، مجرد نوع من تقطيع الزمن، ومحاولة لتحسين صورة السياسة الأميركية فقط.

من ذلك يمكن الاستنتاج أن منطقة المشرق العربي، وبسبب هشاشة النظام العربي، وضعف المجتمعات العربية، تمر بمرحلة انتقالية، وبتحولات نوعية، جد صعبة ومعقدة. وإذا استمر الحال على ما هو عليه، يخشى أن هذه المنطقة لا تسير باتجاه إعادة التشكيل والاندماج، المجتمعي والدولتي، وإنما نحو مزيد من التفكك والتشقق وربما التصدّع، وهذا ما ينبغي الانتباه اليه، وتالياً العمل من اجل تفويته. ولعل هذا ما يفسّر، بين أسباب اخرى، التوق لمصالحات داخلية، ولملمة الوضع العربي، وضمن ذلك تشجيع استئناف المفاوضات السورية - الإسرائيلية.