المشهد العام اسرائيلي ولغته العبرية / جنان عبده*

المشهد العام هو اسرائيلي ولغته هي العبرية. هذه هي المعادلة القائمة اليوم على أرض الواقع، وهي معادلة ترضيهم بعنصريتهم وترضينا بانتماؤنا القومي والوطني. هم يريدوننا خارج اللعبة وخارج المشهد، ونحن لا نرى أنفسنا شركاء لهم بحربهم، بعدوانهم، بوحدتهم ضد اللبنانيين وضد حركة المقاومة في لبنان. نحن لسنا طرفا شريكا معهم في عدوانهم على حزب الله وعلى الشعب اللبناني باكمله، نحن ضد الاعتداءات الهمجية المتواصلة على شعبنا الفلسطيني في غزة والقطاع، نحن خارج الاجماع الاسرائيلي الصهيوني.

المشهد العام في وسائل الاعلام العبرية يعكس روح الوحدة الصهيوينية ويعكس حقدا دفينا على كل ما هو عربي وما هو شرقي وكل ما هو مسلم. انه مشهد عام استشراقي صهيوني حتى العظم.

في الايام الاولى للعدوان الاسرائيلي استهتر المجتمع الاسرائيلي وقيادييه من عسكريين ومدنيين بقدرات حزب الله وقدرات قائده، الشيخ نصرالله، وقاموا بمحاولات تحليله نفسيا وتصويره على انه لا يقدر ان يقوى على هذه الحرب، ولا يقدر على الصمود والمقاومة. حللوا نفسيته وكشفوا عن خلفيته كإبن بائع بسيط، وكأن في الامر ما يعيب!! ففي حساباتهم التي تحمل نظرة طبقية استعلائية على القائد أن يكون ابن قائد، وعسكرياً ابن عسكري، مقاتلا ابا عن جد!!

حاولوا تفسير نقاط العرق على جبينه انها علامات ضغط وتوتر. وانه لم ير نور الشمس منذ ايام وهي علامة على سوء حاله، حسب حساباتهم وحسابات محلليهم السياسيين! وما هي الا ايام حتى رأينا رئيس بلدية حيفا يركض من موقع لاخر حيث سقطت الصواريخ ونقاط العرق تتصب من على جبنته البيضاء!!

يوم الجمعة الاول شارك يونا ياهف – رئيس بلدية حيفا، في برنامج ضيافة عبري ورفع كاس نبيذ تحية للشعب الاسرائيلي الصامد مستهترا بقدرة وقوة حزب الله!

بعدها بايام سمعناه ينبه أهل المدنية أن لا يقعوا بشرك ما أسماها "مصيدة العسل". قام بتنبيه أهل المدنية الا يأمنوا للهدوء الذي يسود سماء المدينة، معترفا بقدرة حزب الله على اطلاق الصواريخ متوسطة المدى التي وصلت حيفا وما بعد حيفا.

لقد استوعب هو وباقي القياديين الصورة، فهو الهدوء الذي يسبق العاصفة، هو الهدوء النسبي الذي يسبق الرعد، رعد الصيف، هو الهدوء الذي ينذر بالزلزال القادم.

مرت أيام من العدوان وصمدت المقاومة، وفاجأت "اقوى جيوش المنطقة والعالم" الجيش الامريكي الصنع الاسرائيلي الاقامة والتنفيذ. فوجىء قادة الجيش والاعلام والشارع الاسرائيلي بقدرة حزب الله على المقاومة والمفاجأة، فآجأتهم الدقة والقوة والقدرة العسكرية التي يبديها محاربو حركة حزب الله. وأكثر ما أخافهم مصداقية حزب الله والناطق باسمه وقائده الشيخ نصرالله، وهي نقطة كان قد نبه لها احد الاكاديميين من اليهود عندما قال حتى لو بثمن ان نكشف الحقيقة المؤلمة علينا- ويقصد الاسرئيليين اليهود - ان نوصل لجمهورنا الحقيقة. فقد عودنا نصرالله انه يقول الحقيقة دائما، وانه يستحضر لنا ادق المعلومات واحيانا عند وقوع الحدث، كما حدث مع البارجة العسكرية التي تم اسقاطها ببث حي ومباشر، وكما حدث في بنت جبيل.

لقد نبه هذا المحلل الاكاديمي العسكري من خطر ان يفقد الجيش الاسرائيلي وقيادته مصداقيته عند تعتيمه على المعلومات، وذلك امام مصداقية وصدق وانفتاح حزب الله في توصيل المعلومات.

انها معركة مفتوحة اعلنوها، معركة في بث حي ومباشر، معركة على المعلومات وعلى المصداقية، تدور رحاها ليس فقط على ارض الواقع، وانما عبر شاشات التلفزيون وهو الامر الذي دفع احد الجنود الاسرائيليين بارسال رسالة لقيادة الجيش عبر البريد الالكتروني لصحيفة يديعوت أحرونوت، يطالبهم فيها بوقف بث المعلومات، واعطاء الفرصة للجيش بالمحاربة والقتال.

هذا الجندي رأى حقيقة اخرى غير تلك التي نبه لها المحلل الاكاديمي، هذا الجندي تحدث عن الخوف وعدم الثقة التي ينقلها الجند الاسرائيلين والجرحى منهم عبر شاشات التلفزة والتي تساعد حزب الله بدوره على ان يقوى ويستمر بالقتال.
لا تنخدعوا بسرعة،الشارع الاسرائيلي غير منقسم على نفسه، هناك اجماع شبه تام تقريبا على اهمية هذه الحرب وكونها "حربا على البيت وفي البيت"، كما يسمونها. نقاشهم هو ليس هل نوقف الحرب ام نستمر، فحتى اكبر القياديين واكبر دعاة السلام الاسرائيلي- سمساري اوسلو؛ يوسي بيلن ويولي تمير قد دعموا هذه الحرب وأيديوها وأيدوا استمرارها لاحداث التغيير المطلوب. التوجه الهادىء والانساني الذي حاولا دوما ان يظهروا به على شاشات التلفزيون توحد في خندق واحد مع بيرتس وبيرس واولمرت وليبرمان ودالية ايتسيك. انه الوجه المتغاضي والمتجاهل للالم والدمار اللبناني الداعي للنصر الاسرائيلي بكل ثمن.

النقاش او الاختلاف اذن هو على كيفية ايصال المعلومات، وعلى حرية الراي وعلى الحق في المعلومات، امام الحاجة او التفكير بضرورة التعتيم والتغطية. النقاش ليس على الحرب وصدقها ومصداقيتها. هم لا يرون بانفسهم معتدين بل يرونها حربا عليهم، وعليهم الدفاع عن انفسهم.

الايديولوجيا الصهيوينية تحرك الشارع الاسرائيلي بقياديه وعسكرييه وشعبه، تحرك برامجه واعلاميه.

لقد تجند الاعلام بكافة قطاعاته مع نداء التعتيم عن اماكن سقوط الفجر والرعد. فتجند واضعا مصلحة الدولة وأمن شعبها اليهودي فوق مصلحة وحق الناس في المعرفة وحقهم في الحصول على المعلومات. لقد اعتبرت محطة الجزيرة "بالعدوة"، فتمت مهاجمة مراسليها واعتقالهم ومنعهم من بث الحدث!!

تجندت وسائل الاعلام مع فكرة التعتيم الاعلامي المعلوماتي، وقامت ببث البرامج الترفيهية اليومية العادية. الامر ليس بالمفاجىء، فهو ليس بالجديد في المشهد الاسرائيلي العام، حيث يتجند الجميع من اكادميين واعلاميين وفنانيين وعسكريين لانجاحه.

المشهد الاعلامي العام هو اسرائيلي ولغته العبرية، كل النشرات وكل الاخبار وكل المعلومات وكل خطوط الطوارىء هي بالعبرية وكل الحملات والمساعدات والخدمات توجه لليهود ولروش بينا ولكرميئيل وليس الى مجد الكروم او البقيعة او الناصرة او عكا العربية- عكا القديمة. وعندما يتحدثون عن حيفا يتناسون وادي النساس ووادي الجمال والمشهد العربي برمته.

المشهد الاعلامي العام هو اسرائيلي ولغته العبرية انعكس ذلك بشكل فاضح وعنصري صباح يوم السبت، من خلال احد برامج الترفيه للاطفال والشبيبة الذي بث اغنية عبرية جديدة تتحدث عن نصر الله بكلمات بذيئة وتدل على مستوى فني واطىء جدا. والاغرب ان فرقة من ثلاث فتيات صغار يلبسن لحى مصطنعة يرقصن امام الفرقة المكونة من مغنيين اثنين على انغام العنصرية والتهجم النابي الذي تحمله كلمات الاغنية!!

هذه هي الرسالة التربوية التي يحملها التلفزيون التربوي لاطفال اسرائيل- اكره عدوك واحتقره، واكرم اباك وامك بذات الوقت. هذا التوجه الصهيوني العنصري المستهتر بالعدو الذي يتعامل معه على انه اقل منه درجة وقدرا، شاهدناها ايضا في وسائل الاعلام في زمن حرب الخليج، اذكر كيف نشرت حينها احد الصحف العبرية صورة لدمية صنعت من قماش على شاكلة صدام وكتبت تحتها موجه اياها للاطفال بالاساس- بامكانكم وخزه بالدبابيس!! هذه هي طريقة التنفيس الطبيعة التي يتعلمها اطفالهم، هذه هي التربية الاخلاقية، فليس من الغريب اذن أن يقوم بعضهم بتنفيس بعض العرب مباشرة في سكاكينهم في نهاريا وناتانيا والخضيرة بالايام العادية وكما حدث في عكا مؤخرا.

هي حرب نفسية وحرب على الكرامة. لم يعتقد جيش اسرائيل ان بقدرة قوات حزب الله ان تقف امام ترسانته، وهو امر يربكه ويبلبله، ويسبب له قرارات متناقضة احيانا يذهب الى وضوح وكشف كلي للمعلومات واخرى يتبع سياسية التغطية الاعلامية الكاملة. توقف اولمرت عن الحديث عن الجنديين المختطفين. سقطت ورقة التين عن وجه بعض الدولة العربية والاجنبية المتآمرة في صمتها !!

الدولة التي تدعي كونها الاكثر ديمقراطية في المنطقة تتبع سياسة التعتيم الاعلامي وسياسة كم الافواه عن المعلومات!! تجندوا جميعا لانجاح هذه المعركة التي يرون فيها معركة المصير للشعب اليهودي.

المشهد العام والنحن الجماعية التي تتحدث عنها وزيرة التربية والتعليم هي "نحن" يهودية اسرائيلية. فقد كتبت في رسالة نشرتها بموقع الوزارة ووجهتها للطلاب والاهل والمعلمين والمدراء والاعلاملين في الوزارة، تشرح فيها الساعات العصيبة وتقول هناك " بأيدينا كمواطنين قدرة على التحمل اعطينا الجيش توكيلا بأن يعمل، وهو على علم اننا كلنا نقف وراءه، فاننا سنخرج من هذه المعركة اقوى من ذي قبل. تقع علينا مسؤولية أن نقف في هذا الامتحان وان نبدى وحدة". هي وحدة بين اليهود، والانا الجماعية التي تتحدث عنها وزيرة التربية لا تختلف عن الانا الجماعية التي يتحدث عنها وزير الامن ولا قائد اركان الجيش ولا رئيس الحكومة الاسرائيلية. هي انا اسرائيلية-صهيوينة.

معركتهم مع حزب الله والشعب العربي اللبناني والفلسطيني هي معركة مصطلحات. كتبت بعض الصحف العبرية بنشرتها الالكترونية وضمنها معاريف وهآرتس في يوميات العدوان، تتحدث عن "سقوط 26 مخربا قتلوا، وسبعة محاربين جرحوا". المقصود بالمخربين بهذا الخبر هم مقاتلي حزب الله والمقصود بالمحاربين هم الجند الاسرائيليون. حرب المصطلحات هذه تدل بالتالي عن توجهات، فهم مخربون ولا شرعية لحربهم وهي حرب ارهابية يجب مقاومتها والقضاء عليها، ونحن- وتعود ثانية على الانا الجماعية هنا كاسرائيليين- نحن مقاتلون، معنا كل شرعية العالم، خاصة الامريكية، ونحن ندافع عن البيت ونحن شرفاء وحربنا مبررة!! هذه هي النظرية المرافقة لهذه الحرب.

التوجه ذاته والتغطية ذاتها والعنوان ذاته حملته صحف عبرية اخرى، وهو التوجه الذي يحمله الشارع الاسرائيلي بمجمله. هذا هو المنظر العام السائد. وفي حمى جنون العدوان والحاجة للوحدة وتقوية الهوية الصهيونية العدائية، قامت المدن الاسرائيلية كحيفا بتعليق لافتات شوارع تحمل صورة العلم الاسرائيلي وقد كتب تحتها "تقوى وتشجع"، وقامت سيارات الشرطة والاسعاف والاطفائية بتعليق الاعلام الاسرائيلية، وكذلك فعل الكثير من المواطنين الاسرائيليين.

المشهد الاسرائيلي الحالي - الدائم هو مشهد صهيوني مؤيد للعدوان وللمجازر ولغته هي العبرية.


* حيفا

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018