بيرس، بيرتس، حزب العمل وكذبة الإشتراكية الديمقراطية / عوض عبد الفتاح

قبل أسابيع أعلن الثعلب السياسي وأحد أقطاب حزب العمل التاريخيين ( سابقاً ) شمعون بيرس في إحدى المناسبات أن حزب العمل لم يكن في حياته حزباً اشتراكياً ديمقراطياً. وفي حديث لشلومو بن عامي وزير الأمن الداخلي في حكومة براك، لصحيفة هآرتس يوم الجمعة الموافق 14/4/2006، أكد فيه على ذلك، وقال أن ما يقوله بيرس صحيح وهو أن البعد القومي (الصهيوني العنصري) كان دائماً أقوى من البعد الإشتراكي، وأضاف أن اليهود جاؤوا الى فلسطين لإقامة وطن قومي لليهود ولم يأتوا ليبنوا الإشتراكية في فلسطين.

ليست هذه الحقيقة جديدة للمطلعين على نشأة وتطور المشروع الصهيوني وطبيعة القوى السياسية التي حملت هذا المشروع العنصري والإجلائي. ولكن كما يعرف هؤلاء فقد سوّق بيرس نفسه على مدار عشرات السنين في منظمة الإشتراكية الدولية (التي تنضوي فيه عشرات الأحزاب الإشتراكية والعمالية والأحزات الإشتراكية الديمقراطية في العالم) على أنه يمثل حزباً اشتراكياً – ديمقراطياً!

وقد حظي بيرس حتى أوائل الإنتفاضة الثانية بمكانة محترمة في هذه المنظمة. ولمن لا يعرف، فإن منظمة الإشتراكية الدولية يعود تاريخ تكونها الى أكثر من مائة عام في ظروف الثورات الإجتماعية والعمالية ضد الطبقات الرأسمالية الحاكمة في أوروبا وروسيا القيصرية. وأعيد تنظيمها عام 1951 في ظروف ما بعد الحرب العالمية الثانية، وهي تختلف عن تحالف الأحزاب الشيوعية العالمية، منظمة "الكومنتيرن" المندثرة، التي كانت مرجعيتها الإتحاد السوفييتي.

ومنذ انهيار الإتحاد السوفييتي عام 1989، تحول عدد كبير من الأحزاب الشيوعية في العالم، ومنها من كان حاكماً في الدول الشيوعية سابقاً، الى أحزاب اشتراكية ديمقراطية. ويصل عدد الأحزاب المنضوية في الإشتراكية الدولية الى 161 حزباً، من جميع أنحاء العالم.

وأحد الفروق الأساسية بين الأحزاب الشيوعية والأحزاب الإشتراكية الديمقراطية، هو أن الأخيرة تؤمن، وعلى خلاف الأحزاب الشيوعية، بتغيير الأنظمة البرجوازية بطرق سلمية أي عبر الإنتخابات البرلمانية والإبقاء على التعددية الحزبية والفكرية. في حين هيمن الحزب الشيوعي أو لجنته المركزية على السلطة والمجتمع والإقتصاد وحارب كل الأفكار والتيارات الأخرى سواء داخل الحزب أو خارجه، حتى لو كان لها تفسير آخر لكيفية تطبيق الشيوعية. فسميت الأنظمة التي حكمتها تلك الأحزاب بالشمولية. ودفع ملايين البشر حياتهم جراء هذا النوع من النظم أو الحكم وبشكل خاص أثناء حكم ستالين.

لقد أراد الشيوعيون بداية في الإتحاد السوفييتي تحقيق تطور اقتصادي وصناعي سريع، وإقامة القاعدة المادية للإشتراكية، لكن كان لذلك تكلفة بشرية رهيبة فرغت النظرية الإشتراكية من محتواها الإنساني وأبعدت الكثيرين من أنصار فكرة الإشتراكية.

وقد حققت بعض الأحزاب الإشتراكية الديمقراطية التي وصلت الى السلطة في عدد من دول أوروبا الغربية، قدراً كبيراً من العدالة الإجتماعية والديمقراطية والإستقرار. ويشار الى أن بعض هذه الأحزاب انجرف مؤخراً تحت ضغط التطورات الإقتصادية والعلمية الى تبني الكثير من مفاهيم الليبرالية الجديدة أي الرأسمالية المتوحشة، وهناك نقاش مستمر داخل العائلة الإشتراكية الديمقراطية حول أفضل النظم الإقتصادية والأكثر عدلاً المطلوبة للمجتمعات الأوروبية أو للمجتمعات الإنسانية بشكل عام. أي أن هناك أيضاً توجهات مختلفة داخل هذه المنظمة، منها الراديكالي ومنها الوسطي، ومنها اليميني، وكل ذلك نسبي، ولكن منطلق هذه الأحزاب الإشتراكية هو تحقيق أكبر قدر من المساواة والعدالة الإجتماعية بين أفراد المجتمع وهي أفكار أتت بها الأديان قبل ذلك. وهو حلم البشرية منذ أن تكونت وتبلورت الحياة الجماعية على الأرض.


إذن، كيف تنطبق مفاهيم العدالة والمساواة بين البشر، التي هي من صفات الإشتراكية وأهدافها، على الحركة الصهيونية وبالتحديد على التيار المركزي – حزب المباي، سابقاً، وحزب العمل، لاحقاً، الذي لعب الدور الأساسي في بناء المشروع الصهيوني في فلسطين وشرد شعبها وأدار الدولة اليهودية وحروبها العدوانية لوحده تقريباً حتى عام 1977.

كيف تتسق هذه المفاهيم مع مفاهيم وأيدلوجية وقيم حزب، حزب المباي، غزا واحتل ارضاً وشرّد شعباً من وطنه بدعم من الإستعمار الغربي، ومارس ويمارس التمييز العنصري المنهجي ضد المواطنين العرب.

وقد يسأل البعض السؤال: كيف أيدت غالبية الأحزاب الإشتراكية الديمقراطية والأحزاب الشيوعية العالمية، وعلى رأسها الحزب الشيوعي السوفييتي، إقامة إسرائيل وتغاضت عن كل المجازر وعمليات التطهير العرقي التي ارتكبتها الحركة الصهيونية أثناء حرب 48 .

طبعاً إذا ما استثنينا الحزب الشيوعي السوفييتي، الذي أراد التخلص من الإستعمار البريطاني من منطقة قريبة للإتحاد السوفييتي، والذي اعتقد أن الحركة الصهيونية ستقيم دولة اشتراكية موالية للمعسكر الشرقي، فإن الأحزاب الإشتراكية الديمقراطية والشيوعية الأوروبية أسوة بالأحزاب الديمقراطية الليبرالية في هذه القارة كان يدفعها أولاً الشعور بالذنب إزاء المسؤولية الأوروبية عن محرقة اليهود. هذا فضلاً عن اعتقاد معظم الأحزاب الإشتراكية الديمقراطية وعمالية في أوروبا أن إسرائيل فعلاً دولة اشتراكية وديمقراطية وغير عنصرية. ولذلك كنا نرى حتى سنوات السبعينيات متطوعين أجانب أوروبيين ومن أمريكا يأتون إلى الكيبوتسات ليخدموا فيها. وقد عُرضت الكيبوتسات كقرى أو كومونات اشتراكية.

وفي كتابه "الأساطير المؤسسة لإسرائيل: القومية والإشتراكية وإقامة الدولة اليهودية" يقول الباحث الإسرائيلي زئيف ستيرنهل أن المؤسسين لإسرائيل لم يهتموا بالمساواة، ولم يتعاملوا بجدية في إعادة توزيع الثروة، ولم يكن هدفهم إقامة مجتمع غير طبقي.

لكن ستيرنهل مثله مثل غيره من المؤرخين الإسرائيليين الـ "ما بعد صهيونيين"، يقرّ بشرعية حرب 48 ضد الفلسطينيين ويدين حرب عام 67.

بطبيعة الحال كان هناك تهادن مع الحركة الصهيونية و كان هناك جهل وتجاهل للحقائق في الغرب. لقد جهلوا أو تجاهلوا أولاً أن الحياة الإشتراكية في الكيبوتسات (التي انقرضت) في ضوء انحسار حركة العمل الصهيونية، وصعود اليمين والقوى الرأسمالية في إسرائيل، تقوم على نفي جوهر الفكرة الإشتراكية الا وهي المساواة بين البشر. لقد كانت العضوية مقتصرة على اليهود فقط، وكانت الكيبوتسات مقامة في غالبيتها الساحقة على أرض عربية خاصة مصادرة أو على أملاك غائبين هجروا من أرضهم عام 1948.

كما أن موقف حزب العمل من حل المسألة الفلسطينية، هو موقف رافض للسلام العادل، ويرفض الإعتراف بمسؤوليته عن النكبة وآثارها المستمرة حتى اليوم، فهو المسؤول عن النكبة، وهو المسؤول عن استمرار آثارها واستمرار الظلم الكبير بحق الشعب الفلسطيني الذي لا زال يناضل من أجل حقه في العودة والإستقلال. وقد شكل ذلك محور خلاف داخل الإشتراكية الدولية مع بعض الأحزاب الإشتراكية الديمقراطية العربية، ومنها الفلسطينية، (حركة فتح ممثلة في هذه المنظمة منذ أكثر من عشرين عاماً). وبتقديري يتحمل الممثلون العرب ومنهم الفلسطينيون، (حركة فتح)، مسؤولية عدم المثابرة في فضح حقيقة النظام في إسرائيل، والبنية العنصرية لهذه الدولة وفي فضح حقيقة حزب العمل أمام المنظمة الإشتراكية.

ولم يحصل تحول على مواقف الإشتراكية الديمقراطية أو على مواقف بعض أحزابها مثل الحزب الإشتراكي الفرنسي الا مؤخراً وعلى أثر اشتداد الصراع الإسرائيلي – الفلسطيني. واهتزت مكانة شمعون بيرس في هذه المنظمة حين أصبح وزير خارجية شارون أثناء الإنتفاضة الثانية ومسوّقًا لجرائمه وها هو الآن موكل بمهمة عنصرية، وزير، تهويد النقب والجليل، وهي مهمة إستطانية عنصرية ضد المواطنين العرب وما تبقى لديهم من أراض.

ولوحظ أن حزب العمل لا يحضر مؤتمرات ونشاطات الإشتراكية الديمقراطية في السنوات القليلة الماضية، لأنه لم يعد بمقدور هذه الأحزاب أو جزء كبير منها تحمل هذه السياسة. خذ مثلاً، إنتصار تحالف يسار الوسط في إيطاليا بزعامة الإشتراكي رومانو برودي، الذي عارض موقف الإتحاد الأوروبي السلبي من حكومة حماس. ودعا الى التعامل معها، وهو موقف يختلف عن موقف زعيم حزب اليمين المهزوم، برسلكوني حليف واشنطن.

ولننظر الآن الى وضع حزب العمل تحت قيادة زعيم عمالي يقول عن نفسه اشتراكي ديمقراطي في الواقع الإسرائيلي. إن انضمام العمل الى حزب كاديما ولحس معظم مطالبه الإجتماعية وليست الإشتراكية، وقبوله بمنصب وزير الدفاع – الحرب، يؤكد الطابع القومي العنصري لهذا الحزب وزعيمه الجديد.

ويأتي نقد الكثيرين لعمير بيرتس من الوسط واليمين، ليس لكون هذا المنصب لا يلائمه من ناحية طروحاته الإجتماعية، إنما من ناحية كونه جاء من خارج صفوف الجنرالات ومن خارج التجربة الأمنية. إن الإشتراكي الديمقراطي والمؤمن بالعدالة الإجتماعية الحقيقية وبالديمقراطية والمساواة لم تنطل عليه شعبوية عمير بيرتس، ولا خبث حزب العمل ودهاء شمعون بيرس.

بطبيعة الحال إن أذناب حزب العمل العرب ليسوا في وارد هذا النقاش، فكل ما يريدونه هو تحصيل وظيفة هنا أو مطلب صغير لهم أو لمقربيهم، سعياً وراء اكتساب شرعية ومصداقية لإذدنابهم وتشوههم الأخلاقي.

ونسأل هؤلاء الأذناب الذين "ناضلوا" و "جاهدوا" ليقووا حزب العمل في الإنتخابات البرلمانية الأخيرة، كم طفلاً فلسطينياً سيغتال زعيمكم الإشتراكي، وزير الحرب، والمحب للعرب، وكم من الخراب ستحدثه آلته العسكرية في غزة والضفة، وكم من الجرائم سترتكب تحت شعار السلام والمساواة. هذا الأمر لن يهمكم، إن جلودكم أصبحت سميكة جداً...

#يهودية إسرائيلية: بورتريه ثورة ثقافية