تعليقا على دفع الغرامات المالية للمعتقلين في غزة../ يونس العموري


أن تفرض القوة التنفيذية التابعة لحركة حماس على أهالي كل معتقل من حركة فتح دفع كفالة تقدر بـ250 دولارا من أجل إطلاق سراحه على أن يتعهد بعدم المشاركة في أي عمل يخل بالأمن، فذلك يعني أن حماس باتت تتعامل مع قطاع غزه على أنه محمية حصرية تملكها لوحدها دون سواها ومن الممنوع على الآخرين أن يكونوا شركاء في إدارة الشأن الوطني وحتى حق الاختلاف وحق الإنتماء، حيث بات الإنتماء مهدد بالقوة البوليسية التي تسعى حماس من خلاله الى فرض نظام شمولي بوليسي في غزة. فبعد حظر الغناء بالأعراس الفتحاوية ومداهمة حفلات الزواج، تأتي مطاردة المسيرات الإحتجاجية والتظاهرات العامة.

إن مجريات الأحداث في قطاع غزة تؤكد أن حركة حماس تحاول إدارة الشأن الغزي على المستوي الداخلي من خلال الترهيب بالمنطق البوليسي الجديد، الأمر الذي يعني أن ثمة أجندة حمساوية بعيدة المدى مرتبطة بجني المكتسبات وإطباق السيطرة على الجماهير حتى يتسنى لها بالنهاية إدارة معركتها والخصم السياسي الآخر في الوطن على أساس أنها تملك الجغرافية والشعب الذي يلتف حولها، أو على الأقل الذي تمسك بزمام أموره وتتحكم بمصيره بدليل فرض ما يسمى بالنظام وفقا للرؤية وللمنهجية البوليسية... مما يعني أن ثمة تطور في مسار حركة حماس للكيفية التي ستدير من خلاله الشان العام في غزة، ولكيفية التعامل والتعاطي مع المعارضة لحكم حماس التي أجزم أنها جزء من منظومة المفاهيم لتعامل السلطة الحاكمة مع المعارضة بالمحيط العربي والإقليمي، وهو الأمر الذي بات واضحا في منهجية سلطة حماس في قطاع غزة.

إن شعار التغيير والإصلاح الذي رفعته حركة حماس ابان الإنتخابات التشريعية، كان له الكثير من الدلالات والتي اعتقد أن من أولويات فعل التغير والإصلاح هو تغير النمط البوليسي والإستبدادي بالتعاطي والتعامل مع الآخر، وأولى أولويات التغيير والإصلاح ضمان حرية الراي والتعبير والتفكير والتقرير وقبول الآخر على قاعدة أن الوطن للجميع، وعلى قاعدة أن الوطن لكل أبنائه، وأن لا قوة من حقها الإستفراد بوجهة النظر، وعلى قاعدة أن الكل شركاء في إدارة دفة العمل الوطني، وأن لا احتكار لمبدأ الحقيقة المطلقة، حيث لا حقيقة مطلقة، ولا يمكن أن تسود المفاهيم ذات الصبغة واللون السياسي الواحد على مختلف الأنماط المجتمعية، وأن حق الإختلاف جزء من منظومة الفهم والفعل الديمقراطي، وأن للقانون سيادة وضوابط ايضا، واللوائح القانونية قبل أن تكون سيفا مسلطا على رقاب الجماهير لا بد من أن تضبط حركة من يتولون تنفيذ ما يسمى بالقانون.

إن قمع التظاهرات والمسيرات وإطلاق الرصاص وتكميم الأفواه، ومصاردة معدات الصحافة والإعتداء على العمل الصحافي مناف لحقيقة إنفاذ فعل القانون وسيادته. والإعتقال على هوية الإنتماء السياسي جزء من منظومة الفعل البوليسي بهدف فرض (النظام الإستبدادي) ذي اللون الواحد، ولا شك أن (سياسة القوة البوليسية ) محكوم عليها بالفشل، لسبب بسيط وهو أن هذا الشعب لم يستطع أحد إخضاعه لا قوة داخلية ولا تلك الخارجية ذات الأهداف العدوانية.

إن الأسلوب الذي لجأت اليه القوة التنفيذية، الذراع الضارب لحكم حماس في غزة، بعد أحداث يوم الجمعة عقب الصلاة لا يعبر الا عن حقيقة واحدة وواضحة، والمتمثلة بأن هذه الحركة تحاول بكل السبل والوسائل إخضاع الشعب لسيطرتها وشطب كل الأخرين العاملين على الساحة الوطنية المحلية، وذلك من خلال سياسية المطاردة والترهيب والقمع الذي بات مبرمجا ويعبر عن منهج سلطوي يحكم ذهنية قادة حماس في غزة، وهو ما يؤشر لقلقلة جديدة حتما ستعيشها الأراضي الفلسطينية من جديد على اعتبار أن حكم الاستبداد لا يمكن أن يؤتي ثماره، وأن فعل التمرد على هكذا استبداد لا بد من أن ينطلق.

وإذا ما تتبعنا أساليب الحكم الحمساوي الجديد في غزة فإننا سنلاحظ أن فرض الغرامات على (منتهكي القانون.. ومثيري أعمال الشغب...) يحمل في طياته العديد من الأمور لعل أبرزها لجوء سلطة حماس الى العقاب المادي بالمعنى (النقدي) في ظل تردي الوضع الإقتصادي لأغلبية جماهير قطاع غزة وبالتالي فإن هذا الأسلوب العقابي الجديد يهدف الى محاربة الإنسان المُنتفض على حكم حماس بأسلةوب معاقبة ذويه ايضا الذين سيحاولون بشتى السبل والوسائل دفع مستحقات الغرامات المالية مما سيشكل رادعا لهم للإنتفاض او للمشاركة بالمسيرات والتظاهرات التعبيرية، أو على الأقل خلق رادع أسري داخلي من قبل العائلة لمنع أي من أفرادها من المشاركة بالفعل السياسي الجماهيري جراء الأثمان النقدية والمادية التي ستترتب على هكذا مشاركات... وبالتالي خلق حالة ارهابية من الطراز الأول اعتقد ان حماس تراهن على جدواها بالظرف الراهن... وهو على الأقل ما حملته تصريحات مسؤوليها التي أكدت هذا السياق حيث قال اسلام شهوان المتحدث باسم القوة التنفيذية في تصريحات صحفية (بعدما حدثت اعمال شغب وفوضى تم اعتقال عدد من المتهمين، وقامت النيابة المدنية بفرض غرامة تقدر بألف شيكل (250 دولارا) بحق من يثبت تورطه في الاخلال بالنظام العام). وأضاف (هذه الغرامة يمكن استردادها خلال ستة أشهر إذا ثبت حسن سلوك الشخص الذي دفعها من دون مشاركته في مسيرات تخل بالنظام العام والقانون).

وفي سياق متصل وذا ابعاد اخرى لها اتصالات بذات القضية اعلاه والتي تثبت ان حماس باتت الأقرب الى نهج الإمساك بفعل السلطة ووهم الحكم بصرف النظر عن الأثمان لهذا الإمساك وهذا التشبث وان ما يجري من قبلها على الأرض داخل القطاع بنمطية التعاطي والتعامل مع القوى والفصائل الأخرى وعلى رأسها حركة فتح وما نتيج وينتج من ممارستها للحكم بالأسلوب القمعي البوليسي، فلابد من التوقف مطولا امام تصريحات السيد احمد يوسف مستشار اسماعيل هنية والذي اجرى مراجعات شاملة واعتقد انه قد سماها نقدية لأسلوب عمل وفعل المقاومة الفلسطينية وعلى رأسها حماس لأسلةب العمليات الإستشهادية في جغرفية العمق الإسرائيلي مما يعني ان الأجندة الحمساوية ذاتها قد تغيرت مع اعتلائها لسدة الحكم وباتت ترى الأمور بعين حماس السلطة الحاكمة لا حماس المقاومة.

وعلى هذا الأساس افهم تصرفات وممارسة حماس القمعية في قطاع غزة، كوني أفهم حماس اليوم على أنها جزء من المشهدية الحاكمة في المنطقة ولا تختلف كثيرا بمفاهيم الحكم عن الأنظمة السائدة والمتربعة على العرش في المنطقة.

.