تمكين المرأة: فرصة وتحد../ كارين أبو زيد*

يعتبر اليوم العالمي للمرأة مناسبة من أجل إظهار الدور الرئيسي الذي تلعبه المرأة في مختلف المجتمعات والبلدان، وهو مناسبة للاعتراف وللاحتفال بالمساهمة القيمة التي تقدمها المرأة أينما وجدت من أجل رفاه وتماسك وتقدم المجتمع الإنساني. إن المكانة الفريدة للمرأة تحتل أهمية كبرى في الأوقات الحرجة وأوقات الطوارئ. وخلال سنوات عملي مع اللاجئين في مختلف القارات، شاهدت مرات عديدة كيف كانت المجتمعات التي تعاني من الأزمات تعتمد لبقائها وانتعاشها على القوة الداخلية والمرونة والروح الإبداعية للمرأة. وبغض النظر عن درجة البؤس، فحيثما كان هنالك جدات وأمهات وأخوات وعمات وخالات فإنه يوجد دائما إيمان راسخ، حتى ولو أنه إيمان صامت، بأن تلك الأوقات العصيبة سيتم تجاوزها وبأنه في يوم من الأيام ستعود الأمور إلى طبيعتها.

ولقد كان لعملي مع اللاجئين الفلسطينيين في الأردن وسورية ولبنان وغزة والضفة الغربية أثر في تأكيد احترامي للدور الذي تلعبه المرأة بوصفها راعية للقوة والبقاء وعمليات تجديد المجتمعات التي ترزح تحت وطأة الضغط وذلك من خلال عملها كقوة فاعلة في تحقيق التماسك العائلي والمجتمعي. واليوم، وأكثر من أي وقت مضى، تعمل المرأة على حبك الخيوط التي تشكل "النسيج الاجتماعي" لمجتمعها وذلك من خلال السعي وراء فرص جديدة في التعليم والتوظيف، ودفع حقوقها المدنية قدما والعمل على خلق دور أكثر قوة وعدالة لنفسها داخل المجتمع الفلسطيني.

وفي الوقت الذي تحتفل فيه الأمم المتحدة باليوم العالمي للمرأة وتطلق حملة من أجل إنهاء العنف ضد المرأة في كافة أنحاء العالم، فإنه من الضروري جدا أن تكون المعايير الدولية للمساواة وعدم التمييز وتساوي الفرص وحماية المرأة تنعكس بشكل حقيقي في المجتمعات الفلسطينية. إن الأرقام التي تبينها الإحصائيات العالمية مروعة، وحسب تقديرات الأمم المتحدة، هنالك امرأة واحدة على الأقل من بين كل ثلاث نساء في العالم تتعرض لاحتمال الضرب والإكراه على ممارسة الجنس أو التعرض للإساءة بأي شكل من الأشكال خلال حياتها. ولا يتوجب على اللاجئات الفلسطينيات أن يتعرضن لتلك الأشكال من الإساءة في بيوتهن وأماكن عملهن بالإضافة إلى المعاناة التي يعشنها في المنفى منذ ستين عاما علاوة على الصعوبات الوحشية للاحتلال في الضفة الغربية وقطاع غزة.

وفي غزة حيث تواجه المرأة تحديات جديدة تنبع من داخل مجتمعاتها التي تعتبر اليوم وأكثر من أي وقت مضى مجتمعات محافظة، توجد هنالك رغبة لإحداث تغير إيجابي وتصميم راسخ لتحقيق ذلك التغير. إن برنامج "المساواة على أرض الواقع" الذي أطلقته وتنفذه الأونروا مصمم من أجل دعم ومساندة النساء واللاجئات الفلسطينيات لتحقيق رغبتهن بالتمكين والمساواة والكرامة والحرية، وأعني بذلك حرية التحرر من العنف والإساءة علاوة على حرية التعبير عن أنفسهن وتحقيق أحلامهن.

وبموجب برنامج "المساواة على أرض الواقع"، تقوم الأونروا، جنبا إلى جنب مع شركائها من المنظمات غير الحكومية، بتزويد اللاجئات الفلسطينيات بفرص للحصول على التعليم والتدريب وتأسيس المشروعات التجارية الصغيرة، وبالتالي توسيع الآفاق المتاحة لهن وتعزيز احتمالات حصولهن على فرص توظيف مجزية. ويوجد الآن برامج لتعزيز النقاش البناء داخل المجتمع حول الكلفة التي ينطوي عليها النزاع الداخلي للفصائل وحول دور المرأة في حل ذلك النزاع. ومن خلال تلك النشاطات، علاوة على العمل الذي تقوم به مجموعات المرأة ومراكز البرامج النسائية في مخيمات الأردن وسورية ولبنان والأراضي الفلسطينية المحتلة، فإن المرأة تقوم بخطوات واسعة تجاه بناء مجتمعات قوية وشاملة تسود فيها قيم مشتركة وتقل فيها حالات عدم المساواة وتتضمن أدوارا تقليدية للنوع الاجتماعي تم تكييفها. إننا نحاول أن نقوم بتعزيز منظمات المرأة على المستوى الشعبي لمساعدتها في تحقيق مساواة حقيقية في عملية صنع القرار على أعلى المستويات.

إن بعض المجموعات مثل الاتحاد العام للمرأة الفلسطينية (والذي يعتبر مظلة التمثيل النسائي داخل منظمة التحرير الفلسطينية) تضمن الحضور النسائي على الساحة السياسية حيث يمكن أن يتم التعريف بحاجات وحقوق النساء والشابات ومعالجة تلك الحاجات، الأمر الذي يعمل على إحداث التغييرات التشريعية، سواء المتعلقة منها بقانون الانتخاب أو الحقوق القانونية أو قوانين وأنظمة مكان العمل. إنني أحيي تلك المبادرات وأرحب بالإنجازات التي قمن بتحقيقها.

وتقليديا، فإن عبء العثور على سبل من أجل إطعام وكسوة وتعليم الأطفال ملقى على كاهل المرأة، وحيث أن مستويات البطالة آخذة بالارتفاع في مختلف أرجاء الأراضي الفلسطينية المحتلة، فقد أصبحت المرأة تقدم تضحيات من أجل إطعام عائلتها، وتجوع فيه الأمهات من أجل أن يشبع أطفالها.

وداخل العائلة نفسها، تعمل المرأة على تعزيز النمو العاطفي والاجتماعي والفكري والشخصي لأطفالها، فهي تغرس القيم الاجتماعية في نفوس أطفالها، تلك القيم التي تشكل المجتمع المدني. وفي الوقت الذي يضطلع فيه الرجال بمسؤولية صنع القرار، تقوم الأم في أحيان كثيرة بالدفاع عن مصالح بناتها من خلال الحصول على تعليم نظامي والذهاب إلى الجامعة والعمل خارج المنزل. إن إدراك قيمة تعليم الإناث قد أصبح آخذا بالازدياد بين أوساط الفلسطينيين، ويمكن رؤية ذلك من خلال الأرقام، حيث أنه في الأراضي الفلسطينية المحتلة هنالك الآلاف من النساء الفلسطينيات الشابات يلتحقن بالجامعة وينوين العمل على استغلال مؤهلاتهن في البحث عن وظائف كانت في السابق حكرا على الرجل.

ومع ذلك، فما الذي يمكن أن يتم تحقيقه لو كان الوضع مختلفا؟ لو لم يتم منع المرأة من السفر لتلقي العلم؛ ولو لم تكن الكهرباء التي تنير درب مجموعات التركيز متقطعة؛ وتحسنت التوجهات الاجتماعية تجاه المساواة والعدل للمرأة؛ وتوفرت الموارد المالية بشكل كاف لتلك المبادرات؟ إن السلام وحقوق الإنسان التي يتم احترامها علاوة على تحقيق تنمية ذات معنى كلها أمور تتطلب حضورا فاعلا للمرأة. ومن المستحيل القيام بفصل النضال من أجل إنهاء الاضطهاد الذي يتعرض له الشعب الفلسطيني عن النضال من أجل الحصول على حقوق متساوية لكافة شرائح المجتمع. إن هذين النضالين يتطلبان جهدا بارزا من جانب الجميع، رجالا ونساء على حد سواء، من خلال العمل سويا للتغلب على العقبات المتأصلة في واقع حياة اللاجئين، إلا أنه جهد تقوم المرأة الفلسطينية في كل مكان بتحقيقه على الرغم من ذلك بشجاعة وتصميم، وهو يلقى نجاحا متزايدا.