جائزة نوبل للسلام النووي/ عبدالوهاب بدرخان

لولا نزاهة محمد البرادعي وهانز بليكس لكان من المشروع التساؤل كيف تساهم وكالة الطاقة الذرية فعلاً في السلام!!

صحيح أنها ليست صانعة الحروب، ولا محرضة عليها، ولا دور مباشراً لها فيها، لكن يفترض انارة الرأي العام بشأن ما تفعله من أجل السلم. ليس المطلوب حملة علاقات عامة وبعض الكلام المرتب والموّجه، وإنما المطلوب فكرة واضحة عن الانجازات في مجال السلام تحديداً. فالشائع، وهو غير بعيد عن الواقع، أنها وكالة تدير توازن الرعب، وتحاول الحد من انتشار الأسلحة النووية، إلا أنها تدار عملياً وفقاً لمصالح نادي الدول النووية.

لا يزال طرياً في الأذهان كيف أن هذه الوكالة لم تتمكن، أو لم يسمح لها بأن تتمكن، من أن تكون واضحة وحاسمة في ما يتعلق بالسلاح النووي العراقي - الصدامي. ومع أن تقاريرها كانت دقيقة إلا أن استخلاصاتها لم تكن دائماً مطابقة للمعطيات، بمعنى أنها تضطر لمراعاة السياسة السائدة على حساب ما توفره لها التقنيات. أي أنها تعمل بمعايير القوة المهيمنة، وهي هنا أميركية، أكثر مما تنجح أو تسعى الى العمل بالمعايير المتعارف عليها للأمم المتحدة.

لذلك يُخشى أن يكون قرار الأكاديمية السويدية منحها جائزة نوبل للسلام، مستوحى من المناخ الدولي الملبد بغيوم الملف النووي الإيراني. فـ «الأكاديمية» هذه تقرأ الوضع الدولي بمنظار محافظ، وسبق لها أن ارتكبت العديد من الجوائز المماثلة سواء في الأدب أو في السلام. وعلى رغم أنها توفق في بعض السنوات، إلا أن سنواتها السوداء باتت تتكاثر. ولعل من المفيد والضروري أن تُسأل «الأكاديمية» عن تعريفها للسلام، ومن اين تستمد عناصره، لأن جوائزها تعطي أحياناً كثيرة ايحاءات خاطئة. وفي حالة جائزة السلام، فإنها جازفت مراراً بالذهاب الى حد مكافأة الحروب على مجازاة السلام.

كانت جمعية «نيهون هيدانكيو» اليابانية بين المرشحين هذه السنة لنوبل السلام، وكان لها رد فعل انتقادي مرير لقرار «الأكاديمية». هذه الجمعية تمثل عملياً ضحايا القنبلتين الأميركيتين اللتين ألقيتا على هيروشيما وناغازاكي، بما يعنيه ذلك من رمزية بالغة الدلالة. وبمعزل عن حنق هذه الجمعية وغضبها على حرمانها من الجائزة، فإن «الأكاديمية» برهنت أنها، بين الضحايا والقتلة، عجزت عن مناصرة الضحايا. فحتى «نوبل السلام» تؤخذ بنزوة الدم البارد وتنأى عن الحس الإنساني. واستناداً الى المبادئ الأساسية السامية التي يقال إن «الأكاديمية» تسترشد بها، قد يكون من حق الرأي العام أن يسألها كيف يمكن لجائزتها أن تشجع وكالة الطاقة الذرية على تعزيز السلام العالمي. لعل هذه الوكالة تريد فعلاً ان تساهم في السلام، لكن كيف؟ الجواب ليس عند الوكالة وانما عند الدول النووية المسيطرة على الوكالة.

«نوبل السلام» هذه السنة قد يكون هدفها حفز الوكالة على الانضواء أكثر فأكثر في مشروع الحرب المعلنة الأميركية - الاسرائيلية - الأوروبية على ايران، صحيح ان الوكالة تقوم بعملها، وهو منع انتشار الاسلحة النووية، وإذا كانت ايران تسعى الى امتلاك هذه الاسلحة فمن الطبيعي ان الوكالة يجب ان تمنعها. لكن الوكالة قد تكون في هذه الحال مجرد أداة في الاوركسترا التي تغطي الحرب وتبررها، إذاً فلا بد من مكافأة مسبقة لها. ثم ان هذه الجائزة مفيدة ايضاً في مواصلة الوكالة تجاهلها للملف النووي الاسرائيلي، خصوصاً ان البرادعي زار اسرائيل ولم ير شيئاً يستحق الذكر!!

الناشط الياباني سنجي ياماغوشي، أحد الناجين من كارثة ناغازاكي، أشار أمس الى ان الجائزة حجبت عن «نيهون هيدانكيو» مراعاة للولايات المتحدة، وقال ان اميركا «مسؤولة عن عجزها عن منع دول أخرى من امتلاك السلاح النووي». هذه هي الحقيقة في موضوع الانتشار النووي، لكن يمكن اضافة ان اميركا مسؤولة خصوصاً عن السماح لاسرائيل بامتلاك السلاح النووي، بل تمنع التعرض لها أو فتح ملفها.