حديث في هموم الوطن والمواطن / تيسير خالد*

قبل أيام بدأت الدورة الشتوية للكنيست الاسرائيلي تخيم عليها اجواء ملبدة بغيوم هزيمة الجيش الاسرائيلي في لبنان وغيوم أزمة سياسية تعصف بالوضع الداخلي في اسرائيل على مستوى الحكومة، كما على مستوى الأحزاب. على المستوى الحكومي لا يبدو الوضع كما بدأ بعد الانتخابات الاخيرة للبرلمان الإسرائيلي. أولمرت لم يعد زعيم الكتلة البرلمانية، التي حققت الفوز في الانتخابات، بل رئيس حكومة ضعيف يستجدي العون من اليمين المتطرف للبقاء في السلطة، يستنجد بافيغدور ليبرمان، الزعيم اليميني المتطرف الذي يدافع عن اسرائيل اليهودية بعد التخلص من مواطنيها الفلسطينيين العرب، ويستنجد بحركة الاستيطان وتياراتها ويقدم لها الرشاوي على حساب الفلسطينيين في الضفة الغربية بمناقصات بناء مئات الوحدات السكنية الجديدة في المستوطنات القائمة على اراضي المواطنين في محافظات قلقيلية وسلفيت ورام لله والقدس وبيت لحم. بيرتس، هو الآخر، لم يعد الزعيم الذي قاد حزب العمل في المنافسه على رئاسة الحكومه في انتخابات الكنيست الأخيرة، بل وزير دفاع محطم لا يقوى على النظر في وجهه في المرآه بعد ان امسك بشاربه الكث متوعداً زعيم المقاومة اللبنانية بعملية كي وعي على طريقة موشيه يعلون، رئيس أركان الجيش الإسرائيلي السابق.سوف يعرف السيد حسن نصر الله، من هو عمير بيرتس، الذي أصبح بعد الحرب فريسة مناورات في حزب العمل تستهدف رأسه والاطاحة به.

في هذه الاجواء تنعقد الدورة الشتوية للكنيست. من على منصتها يطل ايهود أولمرت، يتحدث في الشأن الداخلي الإسرائيلي، وهو شأن لا يعنينا في هذا الحديث، ويتحدث في الشأن الفلسطيني، وهو ما يعنينا في المقام الأول، وفي الشأن العربي والاقليمي وهو ما يعنينا ولكن في المقام الثاني. في الشأن العربي والاقليمي تحدث ايهود اولمرت بلغة كوندوليزا رايس، بلغة أميركية، فقسم العرب الى عربين، عرب الاعتدال وعرب التطرف، وجاهر لأغراض الاستهلاك المحلي والتضليل بقواسم مشتركة تجمع بين اسرائيل والدول العربية المعتدلة لمواجهة قوى التطرف في المنطقة كما الجمهورية الاسلامية في إيران، التي تسعى كما زعم الى امتلاك الاسلحة النووية وتهدد كقوة شيعية صاعدة لها امتدادها في عديد بلدان المنطقة الامن والاستقرار في عموم الشرق الأوسط، تماماً كما فعلت وزيرة الخارجية الاميركية كونداليزا رايس في جولتها الاخيرة في المنطقة. ونسي رئيس الوزراء الإسرائيلي، أو تناسى، لا فرق، إن هذه الدول العربية المعتدلة، التي استدعى لاغراض الاستهلاك المحلي والتضليل قواسم مشتركة وهمية معها، هي بالتحديد من عرض على اسرائيل " مبادرة سلام " من شأنها ان تحقق الامن والاستقرار لجميع دول وشعوب المنطقة، أي مبادرة السلام العربية.أولمرت يريد العرب في مواجهة العرب ويريد للسنة ان يكونوا في مواجهة الشيعة، أما التسوية السياسية المتفاوض عليها للصراع الفلسطيني – الاسرائيلي والعربي – الاسرائيلي فأمر غير مطروح على جدول اعمال حكومته.

وفي الشأن الفلسطيني أيضاً تحدث ايهود اولمرت بلغة عبرية لا تخلو من ابجدية اميركية. الرئيس محمود عباس هو الشريك الشرعي، أما الحكومة الفلسطينية، التي تتشكل من حماس وتقودها كذلك حماس فهي غير ذي صلة وليست شريكاً. وبصرف النظر عن من هو الشريك أو غير الشريك، فما هو محتوى ومضمون هذه الشراكة التي تحدث عنها ايهود أولمرت. الأمر كان واضحاً في الخطاب، الذي ألقاه إيهود أولمرت في بدء اعمال الدورة الشتوية للكنيست، فقد دعا الرئيس محمود عباس الى اللقاء للبحث في تنفيذ خارطة الطريق الدولية، ولكن بما نصت عليه الخطة الدولية من التزامات على الجانب الفلسطيني. إيهود أولمرت يسعى للعمل مع الجانب الفلسطيني، الذي يختاره هو، ولكن باعتباره شريكاً مضارباً، انه يدعو الرئيس محمود عباس للقاء ليبحث معه في مشروع تتجاوز حدوده الضفة الغربية وقطاع غزه نحو فضاء شرق اوسط معتدل بالمقاييس الاميريكية والاسرائيلية من خلال اعادة بناء توازنات سياسية في الساحة الفلسطينية توظف في خدمة السياسة الاميركية ونزوعها الى الهيمنة على الاقليم وخدمة السياسة العدوانية التوسعية لدولة اسرائيل ومساعدة حكومتها للتغلب على الازمة التي ترتبت على فشل حربها على لبنان في تحقيق أهدافها. عملية كهذه في الساحة الفلسطينية، كما تريدها حكومة اسرائيل وكذلك الادارة الأميركية، هي عملية باهظة التكاليف بالنسبة للفلسطينيين وباهظة الثمن بانعكاساتها الاقليمية على العرب كذلك، لأنها في المقام الاول خدمة مجانية لكل من اسرائيل والولايات المتحدة ولأنها في المقام الثاني تنطوي على مخاطر الانزلاق نحو الفتنة الداخلية والاقتتال الفلسطيني – الفلسطيني وما يترتب عليه من تداعيات حدودها اوسع من الساحة الفلسطينية.

في ضوء هذا، هل هنالك طرف فلسطيني أو أطراف فلسطينية تملك الطاقة أو الرغبة للانخراط كشريك في مثل هذا المشروع , التراشق السياسي والإعلامي، الذي يجري على الساحة الفلسطينية خادع ومضلل على هذا الصعيد، وتحديداً حين يدور الحديث عن مواقف قوى فلسطينية فاعلة على الساحة الفلسطينية. فليس على جدول اعمال حكومة ايهود اولمرت أمر عنوانه العودة الى المسار السياسي، وعندما دعا للقاء من اجل البحث في تطبيق خارطة الطريق، فقد كان يعني تحديداً البحث في تنفيذ ما يسميه الالتزامات الفلسطينية وليس الاسرائيلية المنصوص عليها في خطة دولية لم تنفذ اسرائيل أياً من الالتزامات المطلوبة منها في هذه الخطة. ذلك يعني، وهذا ما يدركه الجميع، أن آفاق التسوية السياسية في الظرف الراهن مسدودة وان الابواب وفي وجهها موصدة بفعل تنكر اسرائيل لالتزاماتها الدولية وبفعل التواطؤ الاميركي المعروف والمكشوف مع الموقف الإسرائيلي.

ولكن هل هذا يعفي أياً من القوى الفلسطينية من مسؤولياتها نحو الوطن والمواطن بحجة ان أفاق التسوية السياسية مسدودة في الظرف الراهن، وهل يجوز أن تلجأ هذه القوة أو تلك الى محاولات تحصين موقفها السياسي بموقف ايدولوجي يخولها او يسوغ لها التخندق والانغلاق على الذات والتعامل مع كل اختلاف باعتباره خروجاً على رأي الجماعة، وما يترتب على ذلك من نزوع نحو بناء منظومة من القيم الشمولية في التعامل مع الشأن السياسي والاجتهادات في إطاره.

من الواضح لكل من يتابع الشأن الفلسطيني ان الوضع على الساحة الفلسطينية يعيش أزمة. إنها دون شك أزمة حكم أخذت تنتج حالة من الفراغ ليس بمعناه الدستوري، وان كان من الصعب تجاهل ذلك، بل بالمعنى السياسي. أزمة الحكم هذه لا يمكن التمويه عليها بانكار وجودها، لأن انعكاساتها على الوطن والمواطن واضحة لا تخفى على كل صاحب بصر وبصيرة. أزمة الحكم هذه لها جذر دستوري، هذا أمر أكيد، لان القانون الاساسي في صيغتيه الاولى والمعدلة جاء في سياق غامض وملتبس، في بدايته كقانون ينظم عمل سلطة تحت الاحتلال وفي حالته المعدلة كقانون لعبت فيه وفي صياغاته عوامل صراع على سلطة تحت الاحتلال كذلك وعناصر ضغط من الخارج بل وتدخل خارجي وضعه في اطار مقبول وأبقى على الصورة مشوهة. وأزمة الحكم هذه لها بعد سياسي واضح زادت العملية الديمقراطية التي جرت في كانون الثاني من هذا العام من تعقيداته، حيث نشأت حالة من التناقض الحاد بين الهدف ووسائل الوصول اليه، حالة تناقض انتجت شللا ًساهمت سياسة الادارة الاميركية وحكومة اسرائيل واشتراطات اللجنة الرباعية في تفاقمه.

وأنتجت أزمة الحكم هذه فراعا في حياة الوطن والمواطن، ليس بالمعنى المعنوي وحسب بل وبالمعنى المادي أيضاً. هذا الفراغ لا يمكن التمويه عليه كذلك بانكار وجوده. ويبقى الأخطر من الفراغ بحد ذاته تداعيات هذا الفراغ على حياة الوطن والمواطن، هذه التداعيات التي تطال مختلف مناحي الحياة.

لنأخذ على هذا الصعيد حالة الأمن، أمن الوطن وأمن المواطن وأمانة على حياته وممتلكاته. ففي معركة الصمود في وجه الاحتلال سقط في الاشهر السبعة الاولى من هذا العام 375 شهيداً وبلغ عدد الجرحى نحو 1233. ولكن ماذا بشأن ضحايا الفلتان الامني وفوضى السلاح وصراع الأجهزة، وما هي مؤشرات ارقامه المرعبة. هنا فقدنا في الفترة الزمنية نفسها نحو 174 مواطناً عزيزاً على قلوبنا ووجداننا ووصل عدد جرحانا الى نحو 1195 جريحاً. هؤلاء جميعاً، هم ضحايا لازمة الحكم وضحايا تداعيات حالة الفراغ والحضور غير الفاعل لمؤسسة الرئاسة ومؤسسة مجلس وزراء والمجلس التشريعي. أن يسقط منا الشهداء في معركة الصمود في وجه الاحتلال وممارساته الارهابية فأمر من طبيعة النضال من أجل التحرر والحرية، أما أن يفقد الشعب ابناءه في هذا الفلتان الامني وفوضى السلاح وصراع الاجهزة فأمر يدل على شئ واحد هو في طبيعة أزمة الحكم وحالة الفراغ وتداعياتهما.

وتنعكس أزمة الحكم وحالة الفراغ في الساحة الفلسطينية على أوضاع ادارات ومؤسسات السلطة كذلك، وهو ما تؤشر عليه حركة الاضراب المطلبية، التي تشل عمل هذه الادارات والمؤسسات دون ان تتحرك الجهات الحكومية الرسمية للبحث عن تسوية مع القائمين على هذه الحركة من خلال مفاوضات توصل الى حلول، حتى لو كانت حلولاً جزئية. حركة الإضراب المطلبي هذه حركة مشروعة يكفلها القانون، ولا ينتقص من عدالتها بعض المحاولات البائسة لفرضها بالقوة وهو أمر يسئ لها، كما لا ينتقص من عدالتها ايضاً محاولات بائسة لكسرها بحجة انها كيدية وتستهدف النيل من الحكومة، دون أن يدرك القائمون على هذه المحاولات ان للمواطن حقوقاً وانه لا يعمل بالسخرة عند أحد. حركة الإضراب المطلبي هذه كشفت المستور على نحو صارخ فقد القت ضوءاً غاب طويلاً عن الانظار يتصل بانتاجية العمل في هذه الادارات والمؤسسات ومدى مساهمتها في تكوين الدخل القومي , ذلك هو الذي يفسر اهتمام الرأي العام بالاضراب في كل من قطاعي التعليم والصحة وحسب. في جهاز التعليم يعمل نحو 39 ألف في المدارس الحكومية ومدارس الوكالة والمدارس الخاصة منهم أكثر من 27 ألف في المدارس الحكومية، ولهؤلاء دور في المجتمع، فهم مسؤولون عن ادارة عملية تعليمية وتربوية لاكثر من مليون طالب، ولهؤلاء مطالب عادلة لا تجد طريقاً للحل. وكما هو الحال في جهاز التعليم، كذلك هو الحال في جهاز الصحة، إنهما الجهازان المنتجان في هذه السلطة، ورغم ذلك يجري التعامل معهما كما يجري التعامل مع ادارات ومؤسسات ينحصر دورها في تكوين معامل الدخل القومي في الاستهلاك وتعميق الانكشاف الاقتصادي في البلاد. هذه ليست دعوة للتمييز في الحقوق بين العاملين في القطاع الحكومي العام، بل هي اشارة وتأكيد على أزمة الحكم وحالة الفراغ القائمة.

تداعيات أخرى خطيرة تفرض نفسها على الحالة الفلسطينية تنتجها أزمة الحكم وحالة الفراغ، وتتصل بالأوضاع الاقتصادية المتردية. فالاقتصاد الوطني ينهار – والقطاع الخاص يعيش أسوأ أزماته. فمن أصل 14 ألف مؤسسة عاملة في القطاع الخاص أغلق ابوابه حتى منتصف العام نحو 20 بالمائة. يجب ألا يغيب عن الحسابات الوطنية ان القطاع الخاص يستوعب 75 بالمئة من العمالة الفلسطينية، وان القدرة الانتاجية لهذا لاقطاع في تراجع مستمر وان مبيعاته قد تراجعت بنسبة 25 بالمئة للصناعات الغذائية ونحو 50 بالمئة لصناعات الحجر والرخام والالبسة والاحذية وغيرها وان بعض فروعه قد هاجر للعمل في أسواق بلدان مجاورة كالاردن ومصر.

في تقريرها الأخير، الذي قدمته في نهاية أيلول الماضي الى مجلس ادارتها تحاول منظمة الامم المتحدة للتجارة والتنمية ( أونكتاد ) القاء الضوء على أوضاع الاقتصاد الفلسطيني، فتؤكد أن هذا الاقتصاد اصبح على حافة الانهيار، فقد أصبح دخل الفرد لعام 2006 نصف ما كان عليه عام 2000 ومن المتوقع في نهاية العام ان تتحول نصف قوة العمل الفلسطينية الى البطالة وان يزداد معدل الفقر اتساعاً، وإذا ما سارت الامور على ماهي عليه الآن، فان الخسائر التراكمية في الناتج المحلي الاجمالي للعامين القادمين سوف تبلغ 3.5 مليار دولار وربما تصل الى 5.4 مليار، بالإضافة إلى فقد 328 الف فرصة عمل، وان يزداد الانكشاف الاقتصادي مع زيادة عجز الميزان التجاري، الذي ارتفع من 1.7 مليار دولار عام 2002 الى نحو 2.7 مليار عام 2005.

الحالة الفلسطينية تعيش فعلاً أزمة حكم وحالة فراغ، تولد كذلك حالة احباط في الرأي العام تصل في بعض الاستطلاعات الى نحو 75 بالمئة من مؤيدي حركة فتح ونحو 73 بالمئة من مؤيدي حركة حماس وفي حدود هذه النسب للقوى الاخرى كذلك.

هل هنالك مخرج من هذه الحالة، وهي الحالة النموذجية التي تسعى لتكريسها كل من حكومة اسرائيل والادارة الاميركية لاسباب واعتبارات لا تخفى على احد في ضوء تجربة السنوات القليلة الماضية. بالتأكيد هنالك أكثر من مخرج ينعقد شرطه على تركيز اهتمام اهل الحكم على هموم الوطن والمواطن أولا وقبل كل شيء. في المقام الأول، ليس للشعب الفلسطيني مصلحة في التعارض مع الوضع العربي او المجتمع الدولي. ذلك يعني في السياسة رفع القيود والتحفظات عن مبادرة السلام العربية وقرارات الشرعية الدولية ذات الصلة بالقضية الفلسطينية. وفي المقام الثاني، فان السلطة، او بتعبير ادق ممارسة السلطة، ليست هدفاً بحد ذاته وينبغي الا تكون كذلك في حسابات اي من القوى السياسية الفلسطينية، بل هي الاداة والوسيلة لخدمة الوطن والمواطن. وفي انعقاد هذين الشرطين يمكن العمل على فتح الطريق امام تشكيل حكومة اتحاد وطني تتجاوز أزمة الحكم وحالة الفراغ والعمل على فتح الطريق كذلك امام خوض معركة وطنية ضد الحصار الظالم والعقوبات الجماعية المفروضة على الشعب الفلسطيني ومعركة سياسية لاختبار ارادة المجتمع الدولي وقدرته على النهوض بمسؤولياته في توفير الامن والاستقرار ومتطلبات تسوية سياسية للصراع تستجيب لحقوق ومصالح الشعب الوطنية.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018