حكومة الوحدة الوطنية وتفعيل منظمة التحرير/ محمد خالد الأزعر

بعد جهد جهيد ووقت مستفيض، انبعث الدخان الأبيض في أفق أروقة الحوار الداخلي الفلسطيني، مبشرا بإقلاع حكومة الوحدة الوطنية. من بين ما يستدعي الانتباه ضمن أخبار وحيثيات هذا الإنجاز العتيد، استناده إلى سادس بنود وثيقة الوفاق الوطني التي وقعتها الفصائل الفلسطينية بالأحرف الأولى في 27 يونيو الماضي.

فهذا يعني جدية التعاطي مع هذه الوثيقة، وبالتداعي اتساع فرص التدبر في أمر تفعيل منظمة التحرير إعمالا لنص البند الثاني منها. وكانت هذه القضية احد أهم بنود جداول وأجندات جولات الحوار الشاملة أو الثنائية بين قطبي الحياة السياسية الفلسطينية، حركتي فتح وحماس، على مدار السنوات الخمسة عشر الماضية. تلك الجولات التي انتهت إما بالإخفاق الكامل في معالجة القضية، وبخاصة ما يتعلق منها بانضواء قوى التيار الإسلامي اليافعة تحت جناح المنظمة كتعبير عن وحدانية تمثيلها للشعب الفلسطيني وشؤونه الوطنية.. وإما خرجت على الناس بصيغ فضفاضة عامة تعد بالالتفات للقضية، وغالبا ما تم هجرانها سريعا مع بقاء حال المنظمة على ما هو عليه من التكلس البنيوي والوظيفي والاعتكاف الإجباري.

من فضائل الوثيقة الأخيرة أنها تجاوزت هذين التقليدين. فهي أكدت من ناحية مكانة المنظمة كممثل شرعي وحيد للفلسطينيين أينما كانوا، وذلك باعتراف وتصديق غير مسبوقين من جانب كل القوى السياسية دون استثناء حماس بثقلها في التيار الإسلامي، ومضت من ناحية أخرى إلى تفصيل أهم معالم ومقتضيات تطوير المنظمة ورد اعتبارها. وعلى هذا الصعيد الأخير استطردت الوثيقة إلى بيان بعض ما سكتت عنه التجارب الحوارية السابقة وكان يحتاج إلى إيضاح وإضاءة: إعمال البعد الديمقراطي في أحشاء المنظمة عبر آليات انتخابية شفافة ما أمكن ذلك، لا سيما بالنسبة لمؤسستها التشريعية الأم، المجلس الوطني الفلسطيني.

من المطالعة الشاملة لنصوص الوثيقة الصريحة منها والمضمرة بين السطور، يصح الاعتقاد بأن المتحاورين أدخلوا - أو هم بصدد إدخال - تعديلات جوهرية على ميثاق المنظمة لعام 1968 على نحو لا يقبل الالتباس هذه المرة. ينطبق هذا الفهم على ما يخص أهداف حركة التحرر الفلسطينية ووسائل تحقيق هذه الأهداف والموقف من الشرعية الدولية والقرارات الأممية ذات الصلة بقضية فلسطين ومنها ما يتعلق بأحقية إسرائيل في الوجود وشروط الاعتراف بها..

بهذا المعنى، فإن هذه الوثيقة وليس قرارات آخر مجلس وطني للمنظمة، ذلك الذي عقد في غزة عام 1996، هي التي تؤرخ، أو تستحق جدارة التأريخ، للانعطافة الكبرى التحولية إزاء النقاط المذكورة. يتأتى هذا التصور من أن مجلس 1996 لم يحظ من حيث الشكل والمضمون بالإجماع الوطني الذي نالته وثيقة 2006، بل وكان لدى الكثيرين موضع تهكم من حيث صدقيته التمثيلية ودستورية ما اتخذه من قرارات.

وعلى الرغم من قوة الحجة لصالح هذه الوثيقة، فإنها تظل قابلة للنقد وربما للنقاش إذ يتسع المقام لما يمكن أن يطرحه البعض بشأن دستورية التعديلات وعمليات الحذف والإضافة التي تضمنتها الوثيقة على متن ميثاق المنظمة وروحه.. فمثل هذه التعديلات تعني أن الفصائل المتحاورة أعطت لنفسها أحقية سن قوانين دستورية تتصل بقوام قضية الفلسطينيين في كل مكان، فيما الواقع أنها لا تحظَ انتخابيا، ديمقراطيا في التحليل الأخير، سوى بثقة ناخبي الأرض المحتلة، ما لا يزيد على ثلث الشعب المقصود بالقضية! وللإنصاف، فإن الوثيقة تبدو وكأنها على دراية بهكذا طرح مفترض أو محتمل.

يفهم هذا من استدراكها بالنص على عرض أي اتفاق بشأن الأهداف الوطنية، كما وردت في الوثيقة، على المجلس الوطني الجديد لإقراره والتصديق عليه، أو إجراء استفتاء عام في الوطن والمنافي بقانون ينظمه.. على انه لمنع اللغط بخصوص ما يتفق عليه بشكل مسبق، ربما جاز التفكير في إناطة صياغة ميثاق جديد أو معدل للمنظمة بالمجلس الجديد من الأصل. ونحسب أن الجهد المبذول في هذا السبيل، سيحول دون وقوع تجاوزات غير دستورية أثناء متابعة تحقيق الأهداف تفاوضيا، كما أنه سيوضح حدود المساومة والقبول والرفض المسموح للمفاوض الفلسطيني بالتحرك فيها.

رب مجادل هنا، بأن هذا المفاوض سبق له تخطي هذه الحدود الدستورية في تجاربه قبل عملية أوسلو وبعدها، أي أن النصوص المتعلقة بأهداف السياسة الفلسطينية ووسائلها في الميثاق الوطني، لم تشكل رادعا ولا حاكما لحركة القيادة المفاوضة .. هذا صحيح إلى حد كبير، لكنه حدث في معية توازنات أخرى داخل النظام الفلسطيني، توازنات وموازين قوى سمحت لحركة فتح، رئاستها بالذات، بالهيمنة على صناعة السياسة والقرار على ما بات معلوما في أدبيات زمن التسوية. وهو أمر يصعب وقوعه بين يدي الحياة السياسية الفلسطينية الراهنة والمستقبلية بتعدديتها الحزبية الحقيقية، وندية بعض قواها المانعة لإنفراد واحدة منها بتوجيه النظام وتحديد رؤاه وخطواته حول الصلاحيات المنوطة بكل من المنظمة والسلطة الوطنية أو هكذا يفترض.

وفي هذا الإطار علقت إدارة المفاوضات بذمة رئاسة الإطارين ولكن على «قاعدة التمسك بالأهداف الوطنية كما وردت في الوثيقة».. فكأن المتحاورين تحسبوا من شرود الرئاستين في الاجتهاد التفاوضي، ما جعلهم يلزمونهما بنصوص الوفاق الوطني.. هذا علما بأن هاتين الرئاستين قد لا تعودا بعد حين موحدتين في زعامة واحدة على غرار مرحلتي ياسر عرفات ومحمود عباس. وأنه قد يأتي وقت تخضع فيه كل من المنظمة والسلطة لرئاسة مختلفة بعد دخول حماس هذين الإطارين. فإذا حدث ذلك، فمن المنتظر أن تزيد قيمة هذا النص الذي سيصبح الفيصل فيما قد يشجر بين الرئاستين من تعارض.

واضح في كل حال أن المتحاورين تولوا بأنفسهم التطرق إلى بعض ما كان تفاهماتهم بالقاهرة (مارس 2005) قد أحالته إلى لجنة تطبيق النص الخاص بتفعيل المنظمة. وهذا ما يبشر بجدية نياتهم إزاء إعادة تقعيد المنظمة على سكة السلامة، وهي المعطوبة ولعلها مختطفة، لنحو عقد ونصف من السنين.

ومع ذلك هناك قضايا فرعية وتفصيلات مهمة تظل بحاجة لمزيد من النظر والتداول، ليس أقلها شأنا التشاور مع المحيط العربي حول الموقف من استضافة المنظمة، مؤسساتها ولقاءاتها ورموزها، علاوة على تمويلها والأخذ بيدها مجددا للإبحار في العلاقات الدولية مستندة لظهير إقليمي يمنحها ثقته ودعمه، ولا نعتقد أن الشهور المتبقية حتى نهاية 2006، التي حددتها وثيقة الوفاق للخروج على المعنيين بالمنظمة وقد تعافت من أمراضها، كافية لتحقيق هذا الهدف وغيره. فالأمر من الأهمية والاتساع، حتى لا نقول التعقيد، بحيث يقتضي فترة سماح أطول. لكننا نحسب ونأمل أيضا أن إقرار حكومة الوحدة الوطنية سيكون عنصرا إيجابيا يهيئ المناخ السياسي الفلسطيني العام لحوار مثمر بهذا الخصوص.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018