رايس في مهمة إعادة تأهيل الأوضاع في المنطقة/ تيسير خالد*

للمرة الثالثة تزور كوندوليزا رايس، وزيرة الخارجية الأميركية، المنطقة منذ الحرب التي شنتها اسرائيل على لبنان في تموز الماضي. في الأولى جاءت السيدة رايس تحمل معها احلامها واحلام الادارة الاميركية لاستقبال مولود جديد بعد مخاض ولادة لشرق أوسط جديد، ولكنها سرعان ما اكتشفت ان الحمل كان كاذباً بفضل صمود المقاومة اللبنانية وتصديها الباسل للعدوان الإسرائيلي. وفي الزيارة الثانية، بعد أسبوعين من الأولى، أي بعد اعطاء الفرصة كاملة للجيش الاسرائيلي ليتمكن من انجاز مهمته في تدمير المقاومة وتفكيك حزب الله في لبنان، جاءت تحمل معها مشروعاً جديداً عنوانه اعادة بناء التوازنات السياسية في لبنان والمنطقة بالاستناد الى آلية دولية مساعدة عبر عنها لاحقاً القرار 1701 الصادر عن مجلس الامن في آب الماضي بعد اكثر من اربعة أسابيع من الحرب المدمرة التي طالت البنية التحتية اللبنانية والاحياء والقرى الآهلة بالسكان في مختلف المناطق اللبنانية، دون ان تنال من القدرات العسكرية للمقاومة أو من البنية السياسية لحزب الله.

في زيارتها الثالثة للمنطقة قبل أيام معدودة جاءت السيدة رايس تحمل معها مشروعها الجديد، وهو مشروع متصل ومتواصل مع اعادة بناء التوازنات السياسية في المنطقة وصولاً الى شرق اوسط جديد، ليس بالديمقراطي هذه المرة، ولكن بالمعتدل، حيث تراجعت الإدارة الأميركية عن مشروع إشاعة الديمقراطية بالمقاييس والمعايير الأميركية، وما ينتج عنه من " فوضى بناءه وخلاقة " في المنطقة، توظفها في خدمة سياستها الامبراطورية وفي خدمة مصالح كل من الولايات المتحدة ودولة إسرائيل.

يبدو أن الإدارة الأميركية قد أدركت بعد تجاربها في المنطقة ان سياستها تواجه عددا من الاستعصاءات، التي يجب حلها في السعي لترتيب أوضاع المنطقة بما يخدم سياستها الامبراطورية ومصالحها الكونية، وهي المنطقة التي كانت ولا زالت محط اطماع الدول الكبرى الاستعمارية، بحكم موقعها الاستراتيجي من ناحية وسيطرتها على اكبر مخزون للطاقة من ناحية أخرى. هنالك حدود لقدرة القوة على هذا الصعيد، وهو ما ثبت بوضوح في تجربة الحرب العدوانية المتواصلة التي تخوضها الولايات المتحدة في كل من العراق وافغانستان وفي تجربة الحرب بالوكالة، التي خاضتها دولة اسرائيل في لبنان والحرب بالاصالة التي تخوضها اسرائيل ضد الشعب الفلسطيني تحت الاحتلال.

هذه الحروب انتجت معادلات ومناخات جديدة في المنطقة في غير مصلحة سياسة ومصالح كل من الولايات المتحدة ودولة إسرائيل، خاصة وان هذه الحروب هي في جوهرها وفي مسارها ونتائجها حروباً عدوانية وتدميرية، تشيع من الفوضى وعدم الاستقرار ما لا طاقة للولايات المتحدة وحليفتها اسرائيل في حمل تبعاتها وتداعياتها وتأثيراتها بما في ذلك على مشروع اشاعة الديمقراطية بالمقاييس والمعايير الأميركية. ومثلما هنالك حدود لقدرة القوة في رسم صورة جديدة للمنطقة على غير صورتها الحقيقية، هنالك أيضاً حدود لقدرة دفع المنطقة باتجاه التكيف مع سياسة ومصالح كل الولايات المتحدة الاميركية واسرائيل بالضغط عليها من خارج حدودها ودولها وتوازناتها الداخلية والإقليمية، فسياسة الممانعة في المنطقة لها رصيدها ومخزونها، الذي لا ينضب بفعل تجاربها التاريخية المريرة مع التدخلات الخارجية في شؤونها بدءا بمبدأ ايزنهاور، وحلف بغداد مروراً بسياسة الاحتواء وسياسة الخطوة خطوه، التي سار عليها هنري كيسنجر وانتهاء بوثيقة استراتيجية الامن القومي الاميركية عام 2002 وطبعتها المنقحة عام 2006 ومبدأ بوش الابن والمحافظين الجدد في الحرب الاستباقية، وفي ما تسميه الادارة الاميركية وكذلك حكومة اسرائيل بالحرب على الإرهاب، وهي حرب عبثية مفتوحة في الزمان والمكان، إذا لم تعالج أسبابها.

وإذا كانت القوة من ناحية ومحاولات رسم صورة جديدة للمنطقة بحلول من خارج حدودها ودولها وتوازناتها الداخلية والاقليمية من ناحية ثانية لم تسعف الادارة الاميركية على امتداد عقود طويلة في حل الاستعصاءات التي تواجه سياستها في المنطقة، فهل تنجح هذه الادارة في فرض هيمنتها وحماية مصالحها ومصالح دولة اسرائيل من خلال مشروعها الجديد باعادة بناء التوازنات السياسية في عدد من بلدان المنطقة كالعراق ولبنان وفلسطين والسودان وفي المنطقة بشكل عام؟؟

هنا علينا ان نلاحظ ان الربط في المصالح بين الولايات المتحدة الأميركية وبين إسرائيل ليس ربطا مفتعلا وتحديدا في ضوء سياسة الإدارة الأمريكية بقيادة المحافظين الجدد، الذين يملون ليس فقط على الولايات المتحدة بل وعلى الأسرة الدولية سياستهم القائمة فعلاً على الربط بين مصالح الدولتين، والتي لا تأخذ بعين الاعتبار مصالح شعوب ودول المنطقة، بدءاً بالموقف من تسوية الصراع الفلسطيني – الاسرائيلي وانتهاء بملف ايران النووي، وحق هذا البلد في استخدام التكنولوجيا النووية لاغراض سلمية، حيث تتطابق دون فواصل المصالح الاميركية والاسرائيلية في سياسة الادارة الاميركية بقيادة المحافظين الجدد.

ما هي ملامح صورة المشروع، الذي حملته وزيرة الخارجية الاميركية معها في زيارتها الثالثة للمنطقة؟ وما هو موقع التسوية للصراع الفلسطيني – الاسرائيلي في هذا المشروع، والذي لا يمكن وصفه أو التعامل معه كما لو كان مشروعاً جديداً؟.. انه نفس المشروع القديم وان تعددت التسميات، شرق أوسط كبير، أو شرق أوسط جديد، أو شرق اوسط معتدل، انه مشروع تطويع واعادة تأهيل لدول المنطقة، ولكن بأدوات سيطرة تجمع بين الادوات القديمة وسياسة الحرب الاستباقية وأدوات جديدة تستخدم الديبلوماسية وسيلة محتملة للوصول الى الهدف دون ان تضع جانباً خيار استخدام القوة وسياسة الحرب الاستباقية.

في هذا الاطار تتحرك سياسة الادارة الأميركية، وهذا ما توضحه تماماً استراتيجية الامن القومي، التي اعتمدتها هذه الادارة مطلع العام 2006 بوثيقة جديدة هي في جوهرها نفس استراتيجية الامن القومي التي اعتمدتها بوثيقة أيلول 2003 بعد تنقيحها في محاولة للبحث عن تقاطعات مع دول ترى في سياسة الحرب الاستباقية خطراً يهدد الامن والسلم الدوليين مثل دول الاتحاد الاوروبي وروسيا الاتحادية والصين.

موقع تسوية الصراع الفلسطيني – الاسرائيلي في هذا المشروع الجديد – القديم هو موقع هامشي، إذا ما نظرنا اليه من زاوية الجهد الذي تقوم به الادارة الاميركية للتوصل الى حلول فعلية سواء في إطار تنفيذ خارطة الطريق الدولية او في اطار رؤية الدولتين، التي دعا لها الرئيس الاميركي جورج بوش، ولكنه في الوقت نفسه موقع مركزي اذا ما نظرنا اليه من زاوية اعادة بناء التوازنات السياسية في النظام السياسي الفلسطيني، باعتباره حلقة من حلقات اعادة بناء التوازنات السياسية في بلدان اخرى كالعراق ولبنان والسودان بشكل خاص، وفي المنطقة بشكل عام. ويخطئ هنا خطأً فادحاً من يعتقد ان اللقاء الذي جرى بين وزيرة الخارجية الأميركية، كوندوليزا رايس، والرئيس الفلسطيني محمود عباس قد خرج عن هذا السياق. قضايا أربع، حملتها معها السيدة رايس معها في اللقاء مع الرئيس الفلسطيني: الحكومة الفلسطينية وأهمية استجابتها لمطالب اللجنة الرباعية الدولية، والتسهيلات على المعابر وفي الحركة للفلسطينيين تحت الاحتلال، والأسير جلعاد شاليط واللقاء مع ايهود أولمرت، الذي يعاني، وفق رايس، من متاعب داخلية في ضوء فشل الحرب التي شنها على لبنان.

أما التسوية السياسية للصراع فلم تكن مطروحة على جدول الاعمال في لقاء ذهب البعض بعيدا في وصفه بأنه اعاد القضية الفلسطينية الى مكانتها. لم يكن في كل هذا أية مفاجآت، فقد أعطت الإدارة الأميركية أكثر من إشارة على امتداد الاسابيع الماضية بشأن سياستها وموقفها من دفع جهود التسوية الى الأمام، كانت أكثرها خطورة تلك المواقف التي قابلت بها مبادرة المجموعة العربية في مجلس الامن الدولي واصرارها على تعطيل دور الملجس بتحويل اجتماعه الذي طالبت به المجموعة العربية إلى جلسة استماع خاصة وحسب. وحتى قبل مغادرتها واشنطن في طريقها الى بلاد العرب لم تحاول الخارجية الاميركية التمويه على طبيعة وهدف مهمة وزيرة الخارجية، فقد أعلن شين ماك كورماك المتحدث باسم الخارجية أمريكية:" أن الصراع الفلسطيني – الاسرائيلي لم يعد جوهر أزمة الشرق الاوسط وان مهمة وزيرة الخارجية رايس سوف تركز على دفع المعتدلين نحو الاتحاد في وجه المتطرفين"، دون أن ينسى إدراج إسرائيل في قائمة دول الاعتدال.

إذن، موقع القضية الفلسطينية والصراع الفلسطيني – الاسرائيلي في المشروع القديم، الجديد للادارة الأميركية، ليس بالموقع المركزي، إلا من زاوية ارتباطه باعادة بناء التوازنات السياسية في المنطقة. وفي هذا تأكيد جديد على أن الانحياز السافر لسياسة اسرائيل العدوانية التوسعية لا زال على حاله ليس فقط عند الإدارة الأميركية بقيادة المحافظين الجدد بل وكذلك عند الكونغرس الأميركي، الذي كافأ اسرائيل على عدوانها على لبنان بمساعدات جديدة بقيمة 500 مليون دولار زيادة على المساعدات الدفاعية السنوية التي تبلغ قيمتها 2.36 مليار دولار، وهي مساعدة تجاوزت تلك التي طلبتها الادارة نفسها بمبلغ اضافي يصل الى 268 مليون دولار، في محاولة لاستمالة واسترضاء اسرائيل واللوبي الاسرائيلي على أبواب الانتخابات النصفية للكونغرس الاميريكي في نوفمبر – تشرين ثاني القادم. حتى الزحف الاستيطاني على الارض الفلسطينية في الضفة الغربية لم يكن على جدول اعمال وزيرة الخارجية الأميركية، رغم المعطيات التي وضعت امام السيدة رايس. ففي الضفة الغربية يجري بناء 3525 وحدة سكنية استيطانية جديدة في بيتار عيليت، ومعاليه ادوميم وموديعين عيليت في محافظتي القدس ورام الله، والفيه منشه وأرئيل في محافظتي قلقيلية وسلفيت وتجري أعمال توسع في نحو 31 بؤرة استطيانية، واعمال شق طرق بأمر من قائد المنطقة الوسطى، يائير نافيه، لعل اخطرها الطريق الذي يوصل معاليه ادوميم بمنطقة أريحا، ورغم ذلك لا يجد مسؤول كبير رافق وزيرة الخارجية في جولتها وفي لقائها مع الرئيس الفلسطيني من بشرى يزفها إلى الشعب الفلسطيني غير أن "السيدة رايس قد تعلن ( قد) عن تحقيق تقدم في أمر المعابر وحرية الحركة للفلسطينيين".

وإذا ما عدنا قليلا إلى الوراء للتدقيق في سياسة هذه الإدارة وموقع القضية الفلسطينية فيها، فان النتيجة سوف تبقى هي نفسها دون تغيير. فمنذ البداية حددت هذه الإدارة لنفسها مسافة جيدة تفصلها عن سياسة إدارة الرئيس كلينتون، حيث أخذت على الأخيرة انشغالها بملف الصراع الفلسطيني الإسرائيلي أكثر مما ينبغي. ألم تشجع إدارة الرئيس بوش حكومة شارون، والتي لم تكن بحاجة أصلا إلى تشجيع، على عدم التفاوض مع الرئيس الراحل عرفات بحجة غياب الشريك الفلسطيني؟.. تماما مثلما فعلت مع حكومتي شارون وأولمرت بعد غياب الرئيس عرفات، بحجة أن الرئيس محمود عباس شريك ضعيف، حتى قبل فوز حركة حماس في الانتخابات الأخيرة للمجلس التشريعي. مع الرئيس القوي ياسر عرفات لم تتقدم جهود التسوية على أيدي المحافظين الجدد، والى من تسميه رئيسا ضعيفا، أي محمود عباس، لم تمد هذه الإدارة يدها لمساعدته في دفع هذه الجهود إلى الأمام. هذه حقيقة واضحة لا تحجبها عن الأنظار المتبصرة موافقة هذه الإدارة على خطة خارطة الطريق الدولية، حيث أثبتت الأحداث والتطورات اللاحقة أن تلك الموافقة جاءت قي سياق استيعاب ضغط الانتفاضة الفلسطينية وفي سياق احتواء ضغط المجتمع الدولي وبشكل خاص الاتحاد الأوروبي والاتحاد الروسي.

في ضوء هذا كله، ما الذي يحرك سياسة الإدارة الأمريكية وما الذي جاءت وزيرة الخارجية الأمريكية تدعو له في جولتها الثالثة في بلاد العرب؟.. لا شيء يحرك سياسة هذه الإدارة في المنطقة غير تقاطع المصالح بين الولايات المتحدة وإسرائيل. ومن هنا جاءت كوندوليزا رايس تحمل معها المشروع ذاته، بثوب جديد، هو الشرق الأوسط المعتدل، وبأدوات تنفيذ جديدة تجمع ما تسميه هذه الإدارة بدول الاعتدال العربي مع دولة إسرائيل في اصطفاف جديد تحت قيادتها لإعادة بناء التوازنات السياسية كمدخل ورافعة لنظام سياسي وأمني في المنطقة يمكنها من فرض هيمنتها عليها ويساعدها في نجاح سياستها الإمبراطورية على مستوى العالم. وفي هذا الإطار تبدو أولويات سياسة الإدارة الأمريكية بقيادة المحافظين الجدد واضحة، فهي تبدأ بالملف النووي الإيراني وتمر بالأوضاع في العراق والسودان ولبنان وفلسطين لجهة إعادة بناء التوازنات السياسية فيها بما يسهم في تقدم مشروعها السياسي الأمني وسياستها الإمبراطورية العدوانية، ولا ينتهي بكل تأكيد بتحريك جهود التسوية أو عملية السلام في المنطقة.

أخيرا تعودت شعوب المنطقة في ما مضى أن تلقي الإدارة الأمريكية للبلاد العربية بجزرة، صغيرة أم كبيرة، لا فرق، وهي تعد العدة لعمل كبير وخطير في المنطقة، كالإيحاء بالانشغال بجهود التسوية أو عملية السلام. في جولتها الأخيرة لم تحمل السيدة رايس ولا حتى جزرة وهي تستعد للمواجهة مع إيران، بل مشروعا لتقسيم المنطقة إلى معتدلين ومتطرفين. هذا منطقي ومناسب لهذه الإدارة التي تستعد للانتخابات النصفية للكونغرس بعد شهر وما يليها كذلك من انتخابات رئاسية لم تعد بعيدة على أي حال. ولكن وفي ضوء حالة عدم الاستقرار، التي تعيشها المنطقة، يجدر التأكيد والتنبيه أن مثل هذا المشروع من شأنه أن يدخل بلدان المنطقة في دوامة صراعات طائفية ومذهبية مدمرة وفي فوضى عبثية، لن تكون الولايات المتحدة الأمريكية بمنأى عن تداعياتها الخطيرة، وهو في ظني ما تدركه جميع الدول العربية.


** عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية
عضو المكتب السياسي للجبهة الديمقراطية

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018