روسيا وتدويل الأمن الخليجي../ د. محمد إدريس

يبدو أن الزيارة التي سيقوم بها الرئيس الروسي إلى المملكة العربية السعودية اليوم لن تكون مجرد خطوة مهمة في مسيرة تطوير العلاقات الثنائية بين البلدين، ولكنها ستفرض متغيرات مهمة في معادلات العلاقات والتفاعلات الإقليمية في الخليج، وبالذات ما يخص أزمة البرنامج النووي الإيراني، والأزمة العراقية الراهنة، ثم ما يتعلق بالأمن الخليجي الذي يشهد تطورات مهمة منذ الحشد العسكري الأمريكي المكثف في المنطقة، بدءاً من الإعداد لحرب الخليج الثانية (1990 1991).

لقد بادرت روسيا بإيفاد ايجور ايفانوف سكرتير الأمن القومي الروسي إلى طهران قبل حوالي أسبوعين من موعد الزيارة للرئيس الروسي إلى الرياض. كانت زيارة ايفانوف محاولة لنزع فتيل تفجر أزمة أمريكية جديدة مع إيران تقود إلى فرض حل عسكري أمريكي لمشلكة البرنامج النووي الإيراني، لكنها كانت أيضاً خطوة مهمة لتأكيد الوجود الروسي في الخليج من خلال هذه العلاقات الخاصة جداً مع إيران، وبالذات من خلال إعلان موقف روسي واضح وصريح مفاده أن روسيا لن تسمح بتكرار ما حدث للعراق في إيران مرة أخرى، وبالتحديد رفض تمكين الولايات المتحدة من توجيه ضربة عسكرية لطهران.

في هذه الزيارة عرض ايفانوف ما يمكن وصفه ب”صفقة شاملة” تحفظ أدوار الأطراف الدولية والاقليمية في المعادلتين السياسية والأمنية، وتقضي بأن تدرس إيران مبادرة محمد البرادعي المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية، والقاضية بتعليق متزامن للتخصيب (تخصيب إيران لليورانيوم) وللعقوبات (التي فرضت على إيران بقرار مجلس الأمن رقم 1737)، يليه مباشرة ان يرفع البرادعي تقريراً ايجابياً إلى مجلس الأمن في شأن البرنامج النووي الإيراني قبل انتهاء مهلة الستين يوماً التي حددها القرار المذكور، والتي تنتهي في الاسبوع الأخير من الشهر الجاري.

هناك مؤشرات مهمة لإمكانية قبول إيران مثل هذه الصفقة، ولكن بالشروط التسعة التي أعلنت عنها طهران، وفي مثل هذه الحالة تكون موسكو قد فوتت على التيار المتشدد في الادارة الأمريكية (المحافظون الجدد) فرصة خلق أزمة جديدة في الخليج، تدفع باتجاه المزيد من تمكين الولايات المتحدة من هذه المنطقة. فقد ظهرت في طهران دعوات لفتح حوار مع واشنطن وتوجيه انتقادات حادة لإدارة الرئيس أحمدي نجاد للملف النووي الإيراني، كما نفت طهران فرض أية قيود على المفتشين الدوليين التابعين للوكالة الدولية للطاقة الذرية، ونظمت زيارة لسفراء عدد من دول حركة عدم الانحياز لتفقد منشآت نووية، في اشارة إلى ان منشآتها النووية تتمتع بالشفافية وغير سرية، ونفت أي تعاون في المجال النووي مع كوريا الشمالية، وأبلغت مجلس الأمن استعدادها للعودة مجدداً إلى المفاوضات، أي انها مع سياسة الحوار وليس مع سياسة المواجهة.

في مثل هذه الأجواء تأتي زيارة الرئيس الروسي للرياض، مع طموح روسي كبير بأن تسهم موسكو في بناء نظام أمني جماعي في الخليج يقوم بالدرجة الأولى على جهود دول المنطقة، ولا يكون موجهاً ضد أي أطراف خارجية، حسب توضيحات أصلان بك اصلاخانوف مستشار الرئيس الروسي، الذي أكد أن موسكو تدرك حجم الحواجز والصعوبات التي ينبغي اجتيازها من أجل تحسين الوضع وضمان أمن المنطقة.

زيارة بوتين للرياض، والتي ستشمل أيضاً الأردن وقطر، تحمل من النوايا والوعود ما يؤكد ان روسيا تريد أن تكون شريكاً قوياً في التفاعلات الاقليمية بالخليج والشرق الأوسط ضمن مسعاها لتأسيس نظام عالمي متعدد الأقطاب، حسب ما أعلن بوتين في زيارته الأخيرة للهند. الدفع بهذه النوايا يمكن ان يجعل روسيا طرفاً مهماً جديداً في الخليج مع أمريكا وحلف الأطلسي، بما يضع حدوداً لجعل الأمن فيه محض أمن أمريكي.


"دار الخليج"

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018