شركاء ووكلاء لا عملاء وأجراء../ د.عصام نعمان*

ثمة عالم طريف قيد التكوين مغاير لعالم القرن الماضي. في العالم البازغ لا وجود مميزاً لظاهرة الوحدانية القطبية التي طبعت أواخر القرن الماضي ومطالع القرن الجاري، ولا عودة على الأرجح إلى ظاهرة التعددية القطبية التي سادت عقود الخمسينيات والستينيات والسبعينيات والثمانينيات من القرن العشرين.

إن الظاهرة البازغة في الحاضر والمستقبل المنظور هي تعدد الشركاء وتعدد الوكلاء. فالدول الكبرى عاجزة، على العموم، عن ان يكون لها بين الدول المتوسطة والصغرى كثير من العملاء والأجراء كما في القرن الماضي، فيما هي قادرة غالباً على أن يكون لها شركاء ووكلاء وقليل من العملاء والأجراء.

بعد إنهيار الاتحاد السوفييتي مطالع التسعينيات، انفردت الولايات المتحدة بزعامة العالم وأخذت تتحدث عن نظام عالمي جديد تقوده بسطوة لافتة وتكون لها فيه سلطة الافتاء والإملاء معا. وفي الواقع، مارست أمريكا الوحدانية القطبية طوال عقد التسعينيات وكانت الآمر الناهي والمتجبّر في كل أنحاء العالم، لاسيما في الشرق الأوسط. لكن مع توحيد ألمانيا، وتوسيع الاتحاد الأوروبي، وصعود الصين، ونهوض الهند ودول جنوب شرق آسيا، أخذت سطوة أمريكا ونفوذها يتناقصان وادوار الدول الصناعية الكبرى في الأسواق العالمية وحصصها تتزايد.

غير ان العامل الأكثر فعالية في تقليص هيبة أمريكا ونفوذها هو صعود حركات المقاومة المسلحة وانتشارها واشتباكها مع الإمبراطورية الأمريكية في أطرافها الآسيوية، لاسيما العربية منها، بل تجرؤها على النيل منها في قلب المتروبول. أليست أحداث 11/9/2001 إحدى ذرى تلك المواجهة المتصاعدة بين الامبراطورية المتغطرسة والمقاومة المتعملقة؟

أمريكا تطلق على المقاومة اسم الإرهاب. تضع كل أنواع المقاومة في سلة واحدة وتدمغها بالإرهاب بلا أدنى تمييز أو رحمة. أكثر من ذلك، هي تعتبر الإسلام، وبالتالي المسلمين، مصنعاً للإرهاب المعاصر، فتغدو حربها على الإرهاب في واقع الأمر حربا على الإسلام والمسلمين جميعا.

باتساع رقعة الاشتباك مع منظمات المقاومة، القومية والإسلامية، إلى تلك المتمرسة بالعنف الأعمى، إنكسرت هيبة أمريكا وتعثّر أداؤها العسكري وانحسر نفوذها، لاسيما في ساحات أفغانستان والعراق والصومال.

يأتي عن هذا التطور في المشهدين الدولي والشرق أوسطي، إتساع هامش الحركة أمام الدول الأخرى، الكبرى والوسطى، التي طالما نافست أمريكا اقتصاديا وتصارعت معها سياسيا وأحياناً عسكرياً. وإزاء اتساع التزامات أمريكا العسكرية في أنحاء متعددة في العالم من جهة وحاجتها المتزايدة إلى الدعم اللوجستي والعسكري من دول أوروبا من جهة أخرى، بزغت ظاهرة جديدة في علاقات القوى الدولية. إنها ظاهرة صعود بعض الدول الوسطى والصغرى من منزلة العميل والأجير إلى منزلة الوكيل والشريك في تعاملها مع الدولة الأعظم.

ثم ان الدول الكبرى من جهة والدول الوسطى الآخذة بالنمو والازدهار من جهة أخرى احتاجت هي الأخرى إلى وكلاء وشركاء في سياق توسيع حصصها في الأسواق الدولية، فكان أن رفّعت بعض العملاء والأجراء في مجتمع الدول إلى منزلة الوكلاء والشركاء. هكذا نشأت وتطورت الظاهرة البازغة في العالم المعاصر التي تتصف بتعددية الدول الأقطاب المقترنة بتعددية الدول الشركاء.

من نتائج ظاهرة تعددية الشركاء والوكلاء في مجتمع الدول صعود نمط الاعتماد المتبادل على الصعيدين الاقتصادي والسياسي. وعندما تتزايد حاجة دول كبرى إلى دولة وسطى أو صغرى فإن تأثيرها فيها ونفوذها لديها يتناقصان بطبيعة الحال. ينجم عن هذا كله، كما هو واقع الأمر في المشهد الشرق أوسطي، نشوء حال من السيولة السياسية. فأمريكا، كما أوروبا، عاجزتان عن فرض إرادتهما وبالتالي سياستهما في أفغانستان والعراق وفلسطين ولبنان وسوريا والسودان والصومال. لقد شبّ الشركاء والوكلاء عن طوق التبعية المطلقة والهوان وأخذوا يمارسون قدْراً من حرية الحركة على هامش مساحة التأثير والنفوذ العائدة لأمريكا وأوروبا في أنحاء المنطقة وأحياناً في قلبها.

إيران تتحدى أمريكا وأوروبا بالإصرار على عملية تخصيب اليورانيوم وبناء قدرتها النووية. السعودية ومصر تحرصان على ابقاء مسافة بينهما وبين أمريكا وأغراضها في ساحات إيران والعراق وفلسطين ولبنان وربما في سوريا أيضا. سوريا تعاند أمريكا وتكاد تتصادم معها في ساحتي العراق ولبنان. حتى “إسرائيل”، ربيبة أمريكا، تجد نفسها في مأزق التوفيق بين حاجات أمنها القومي من جهة ومتطلبات السياسة الأمريكية المتجهة إلى تليين سياساتها المتصلبة في المنطقة من جهة أخرى.

هذه السيولة السياسية العارمة في المنطقة تكاد تتحول فوضى شاملة يعجز معها الأقطاب كما الشركاء والوكلاء عن اتخاذ قرارات حاسمة في كثير من القضايا الساخنة. ذلك كله يفيد القوى المعادية للدول الأقطاب والمناهضة للدول الشركاء والوكلاء.

فمنظمات المقاومة والعنف الأعمى في أفغانستان والعراق وفلسطين ولبنان والصومال والسودان (دافور) يتسببان بحركتها ونشاطها المتصاعدين بتوليد هذه السيولة السياسية المتزايدة، وتترسمل عليها في الوقت ذاته لتوسيع اشتباكها مع القطب الأمريكي وشركائه الإقليميين.

لمواجهة هذه السيولة المتحولة الى فوضى، يعقد الأقطاب والشركاء مؤتمرات في بغداد واسطانبول، وقبلهما في القاهرة وعمان، من اجل التنسيق والتعاون فيما بينهم للحدّ من الخسائر ولاحتواء الأخطار والتحديات ومحاولة ضبطها والتغلب عليها. حتى مؤتمر القمة العربية المقبلة في الرياض هو تمرين آخر في السياق نفسه، وإن كان مقتصراً على الشركاء دون الأقطاب.

هل ثمة نتائج حاسمة يمكن ان تنتهي إليها هذه المؤتمرات؟

ليس قبل حسم الصراع، بشكل أو بآخر، في الميادين والساحات... ميادين أفغانستان والعراق وفلسطين، وساحات لبنان وسوريا والسودان.


"الخليج"

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018