عـــ48ـرب تحت النار.../ هاشم حمدان

ما أن تنطلق صافرات الإنذار أو يسمع دوي انفجار حتى يندفع أبنائي يتعثرون ببعضهم البعض، يتسابقون نحو الخارج للنظر إلى السماء بشغف، علّ "حظهم" يكحّل أعينهم برؤية صواريخ حقيقية تشق الفضاء، ثم يبدأ العد الذي يصل إلى العشرين أحياناً.. ومع توقف دوي الإنفجارات، يتحلقون محدقين في الحاسوب أو التلفاز لمعرفة المنطقة التي سقط فيها، وكم تبعد عن لبنان وماذا حصل ونوع الصاروخ ومداه وكم يحمل من المتفجرات..

دفعتهم أخبار المقاومة اللبنانية إلى معرفة جغرافيا لبنان، فأخذوا يتحدثون عن مارون الرأس وبنت جبيل وعيترون وعيتا الشعب والطيبة والضاحية وبيروت وصور، ويتحدثون بحزن ووجوم عن قانا والقاع أيضاً..
يتابعون بتركيز شديد عدد القتلى وعدد المصابين وعدد الدبابات والآليات التي دمرت والحصيلة الصاروخية أخر النهار.. حتى أدخلوني معهم في دائرة العد..

باتوا ينتظرون خطابات سيد المقاومة، حسن نصر الله، بفارغ الصبر، ليظهر الإرتياح جلياً على وجوههم في نهايته، فالمقاومة صامدة وقادرة على الدفاع عن لبنان.. وأهل الجليل بخير، سيبقون في الجليل ولن ينزحوا جنوباً، مهما طال العدوان وحتى لو فقدوا العشرات.. فهم يتهمون إسرائيل ويحتقن الغضب ضدها كلما زاد عدد ضحاياهم..

حتى طفلي الصغير شام (الذي احتفل بعيد ميلاده الخامس في الثاني عشر من تموز!!) ما أن يسمع كلمة "السياسية" في التلفاز حتى يهرع راكضاً: يقولون "والسياسيةُ" تعال تعال .. أخبار.."، بلثغته الرائية الطفولية الرائعة..

وإذا قلّب محطات التلفاز وعثرت أصابعه الصغيرة على محطة "الجزيرة" أو "المنار" وشاهد صور بيوت مدمرة ونازحين وشهداء وجرحى وأشلاء وبقايا بشر ومقاتلين وصواريخ وجنود ودبابات وطائرات حتى يصرخ "أخبار.. أخبار.." ثم يجلس وينظر بتركيز شديد يتابع ما يجري، ليمطرني بعدها بسيل لا يتوقف من الأسئلة..
شام نسي برامج الأطفال.. وأصبح ينصت بشغف لإخوته يتحدثون عن مقاتلين أفراد مشاة يحمل أحدهم على ظهره ما تعجز عنه مدرعة، يتحركون بسرعة الأشباح، ويواجهون الطائرات والدبابات والصواريخ والمدافع..

وإذا جلسنا حول مائدة طعام، سرعان ما يقفزون تاركين طعامهم لمعرفة الخبر العاجل.. وشام يسابق معهم.. وإذا سمع صوت دوي انفجار في الخارج يأتيني راجياً أن أحمله ليتمكن من توسيع دائرة النظر إلى الأفق..

ولم تتوقف الأمور عند هذا الحد.. إذا خدش أحدهم لا يجرؤ على التوجع حتى لا يسخر منه إخوته بتذكيره بما يحدث لأطفال لبنان وغزة.. وإذا لسعت أحدهم نحلة، وإذا كوى إصبعه، وإذا سقط ورضت أطرافه.. وحتى إذا بحث عن ماء بارد ولم يجد، يذكرونه بعطش الأطفال في لبنان وغزة، وإذا تجرأ واشتهى أحدهم أكلة شهية، يذكرونه بجوع الأطفال في لبنان وغزة، وإذا اشتكى أحدهم ألماً يذكرونه بألم الأطفال في لبنان وغزة..

بدأت الحرب تثير نقاش بديهيات لديهم بدون وعي.. حياة الأطفال في لبنان وغزة تلقي بظلالها عليهم وتهزهم هزاً عنيفاً، فالحديث لا يدور عن ألعاب أطفال وتطبيق آخر "صرعات" التربية الحديثة وعطلة نهاية الأسبوع ووقت الفراغ وكرة القدم وألعاب الحاسوب.. الحديث عن غذاء وماء ودمار ودماء.. مصادرة حياة أطفال تحت أنظار العالم و"الشرعية الدولية".. لم يخطر ببالهم يوماً أن حق الأطفال في الحياة هي مسألة تحتمل أن تكون وجهة نظر..
لا يختلف أبنائي في ذلك عن أولاد الجيران والحارة والقرية والبلدات العربية في الداخل..

في البلدات العربية في الغالب لا يوجد صافرات إنذار، وإذا وجدت، بسبب وجود مستوطنة على أراضي البلدة في الجوار، فهي في أحيان كثيرة تعمل بطريقة "إيقاظ الديك..!" تنطلق بعد دوي الإنفجارات.. وإذا انطلقت كما يجب في الوقت المناسب، فإنك لن تجد ملجأً..

إزاء مشاهد الدماء والدمار الفظيعة يتقلص فضاء الكلام السياسي خجلاً من تعابير تقريرية جافة، ويتجلى خوف مقلق من تحول المقالة السياسية إلى ترف فكري يشبه "ليغو" كلمات يمكن التلاعب بها والتفنن بأشكالها في مكتب مكيّف بعيداً عن لهيب المعركة..

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018