فاشية الأمركة في اختلاق فاشية الإسلام / مطاع صفدي

ليس ثمة وسيلةُ إعلامٍ في عالم اليوم لم تشارك بالكلمة والصوت والصورة في مهرجان من التنديد الكوني بسياسة دولة عظمى وإدارتها ورموزها القيادية، مثلما اهتزت أركان المعمورة لتفجيرات نيويورك وواشنطن قبل خمسة أعوام، فإنه يحدث وفي هذه الذكرى الخامسة، ألا يُثار الأسف والحزن المتكرر على الضحايا، بقدر ما يُثار الخوف الأعظم من تلك السياسة الرعناء، ويتضاعف الاعتراض على استراتيجيتها، والتذكير بحروبها التدميرية الفاشلة في تحقيق أية غايات أخرى، سوى تلك التي تبشر إنسانية القرن الواحد والعشرين بأعمق تمييز عنصري سوف يؤبّد مبدأ الحرب المستديمة بين نصفي الكرة الأرضية. ألم يقل بوش في خطابه، بيانه السنوي عن أحوال جحيمه الإرهابي الذي يدأب على تفجيره طيلة هذه السنوات الخمس الحالكة، ولا يزال يغذيه بأجداث الأمم المحروقة، صارخاً بأعلى صوته: هل من مزيد! ألم يبشر هذه الإنسانية المغلوبة على أمرها، بأن قتاله الحالي إنما يؤسس الصراع الحضاري للقرن كله.

الفرار من مآزق سياسة الجحيم ليس له من سبيل سوى تعميم الكارثة مكانياً، في كل أنحاء المعمورة، وزمانياً طيلة مئة عام قادمة للقرن الواحد والعشرين. كان شرط الحرب العالمية على الإرهاب هو جر وانجرار العالم فعلاً وواقعاً إلى أتونها. لكن أمريكا لم تنجح في تحقيق هذا الشرط بالرغم من سلسلة حروبها المفتوحة وغير المغلقة حتى الآن، من أفغانستان إلى العراق، وربما إلى لبنان الخارج منذ أيام من آخر حلقاتها، وأشدها بطشاً شمولياً بالإنسان والعمران. إنها الإخفاقات التي لا تدمر أسس الإيديولوجيا الارهابية وحدها، لكنها راحت تطرح على بقية العالم كذلك سؤال الحاجة الحقيقية الى الرفض المنظم لشطري هذه الثنائية السوداء معاً: الإرهاب والحرب الكونية عليها.

فقد أثبتت ممارسة استراتيجية الجحيم أن الشطر الثاني من هذه الثنائية لم يعد مجرد رد فعل على شطرها الأول، بل هو الذي يختطف الفعل ويحتكر إنتاجه كله. فالأمر يتعلق بتلك الحكمة العريقة القائلة إن الجلاد لا ينتظر الضحية بل يعمل على خلقها، فهو لن يكون بدونها. الأصل إذن أن الجلاد هو السبب اللازم والكافي لوجود الضحية، حتى لو حاولت الضحية أن تقاومه ولو ببعض سلاحه. فالمسؤولية الأخلاقية والتاريخية يتحملها هو وحده.

إنها الحكمة التي ترقي الى مستوى البداهة، والمعتمدة في صلب كل تشريع لحقوق الإنسان، منذ قانون حمورابي الذي كان أول من وعاها وفصَّـل شروطها وبنودها بأشمل استيعاب مفهومي للعدالة وموازينها الدقيقة، ولكنها، وعلى مرّ العصور كانت تمارين تخطيطها هي الأسهل بالنسبة لمحاولات تحقيقها الأصعب خاصة في مجال السياسات الكبرى الموجهة للعلاقات الدولية حتى الحديثة والمعاصرة منها تحديداً.

هناك من راح يجهر بالرأي القائل إن تجارب الأعوام الخمسة الماضية الرهيبة أمست كافية لإغلاق الملف الإرهابي والتحرر من أساطيره ومصطلحاته وبالتالي من مؤامرات المدعي لمحاربته والتصدي له، لكن كل ذلك متوقف على اقتناع أمريكا أو إقناعها بالكف أخيراً عن التعامل مع العالم كغنائم حرب. إنما كيف يمكن تسمية كل هذه الأمور بأسمائها الحقيقية. ذلك هو الممنوع الأكبر في اللغة الأيديولوجية العائدة إلى مهماتها الأصلية في طمس الوقائع وتحريف ألفاظها.

من المؤسف حقاً أنه في الوقت الذي تنكشف خطايا الأمركة على الطريقة البوشية، وتُدان ارتكاباتها في عقر دارها، وعلى ألسنة وأقلام، ليس المعارضين لها فقط، بل حتى بعض المؤيدين لكثير من قرارات ومسالك الإدارة البوشية، ومن كانوا في عداد حلفائها الطبيعيين في صفوف الحزب الجمهوري، الذي هو حزب الرئيس وسلطته، نقول في هذه الظروف عينها، يُعاد تنظيم ونشر أحدث مدٍّ دعاوي لأقدم وباء من عنصرية التقسيم العرقي والجغرافي والديني بكل أشكاله هذه، تحت صيغة صراع الديمقراطية المتأصلة في (الغرب) وحده، ضد الاسلام (الفاشي) حسب التوصيف الأخير المبتكر بعبقرية كتّاب خطابات الرئاسة البوشية، المنتمين إلى شراذم المحافظين الجدد في معظمهم.

حملات النقد المتعاظمة أوروبياً وأمريكياً ضد النهج البوشي في التعاطي مع الظاهرة الإرهابية والتي توحي، مع هذه الذكرى الخامسة للحادي عشر من ايلول (سبتمبر)، كما لو أن هذا النهج مشرف على نهايته بسبب فشله المتراكم في أية جولة من جولاته، على صعيد التنظير والممارسة الحربية والأمنية، هذه الحملات شبه الجماعية والبالغة حدود التجريح الشخصي. وفي بعض وسائل الإعلام الأمريكية نفسها، تصاحبها فجأة، أو ترد عليها محاولات تغيير الاستهداف نحو الاسلام نفسه الذي لم يعد تكفيه نعوت التخلف والظلامية وخلوه من ثقافة الحرية وحقوق الإنسان، بل غدا مسؤولاً عن ذاكرة العنف ماضياً وحاضراً. فيتم تصويره كأحدث تجسيد للفاشية عينها التي هي الخاصية المميزة للهيمنة الأمريكية. فما يفعله هذا الخطاب العنصري المتفاقم على ضفتي الأطلسي هذه الأيام هو بعث ذلك التبرير العتيق لأشنع عصور الاستعمار الغربي، والذي يحوز أخيراً على مباركة بابا روما، لتكريس قسمة العالم بين قابيل وهابيل مجدداً.

هذا مع العلم أن الوعي الأوروبي لا يزال إجمالاً محصناً ضد الانجرار الى شراك هذا المدً العنصري المشؤوم الذي انتهى إلى تثبيته وترويجه العقل الاستراتيجي الأمريكي بكل جهد وتصميم، مما يوحي أنه لن ينتهي حتى مع انقضاء الرئاسة البوشية. بل ربما كان هو المغزى البعيد والمقصود من تبشير بوش نفسه، في خطابه الأخير، باستمرار الصراع ضد الإرهاب، أي ضد الاسلام، طيلة القرن الحالي.

إن الهيمنة الكلية على العالم، تحت يافطة تعميم الأمركة، لن تجد سوى الأديان كمادة لأيديولوجيا تعيد تمييز الأمم بحسب اعتقاداتها الغيبية. فيُستخدم الدين كدافع للعدوان، كما هو في عقيدة المحافظين الجدد المنظرين للحرب العالمية على الإرهاب، وفي الوقت عينه يستثمر دين الآخرين كعلة لأفعالهم، بل كإدانة سابقة حتى على أفعالهم. أي أنه من أجل أن تسيطر الأمركة على عالم هذا القرن ينبغي إلغاء حق الاختلاف بين مكونات الإنسانية، الذي هو أساس الديمقراطية كفكر وكممارسة. إن تديين السياسة على مستوي العلاقات بين الدول لا يعيد التاريخ إلى حروب القرون الوسطي فحسب، ولكنه سيقضي على كل مدخل ممكن نحو عصر المدنية الشاملة التي لا يكف فلاسفة أوروبا عن تجديد الثقة بحتمية تحققها.

لكن يبدو أن أسباب الإعاقة الأساسية المانعة لهذه الحتمية لا تتأتى من خارج الغرب نفسه، بقدر ما هي ناجمة عن تعثر ثقافة الحداثة نفسها، المنتجة للديمقراطية والحارسة الأمينة على تطورها العقلاني والاجتماعي، والمصححة لتعثراتها، عبر مواجهتها الدائمة مع نقيضها البنيوي المتمثل في تجذر نزعة المركزة الأوروبية، أو الغربية عامة، وانبعاثاتها المتكررة مع القفزات الاقتصادية الكبرى، وبما تثيره من مشاعر الخوف الغريزي ضد كل آخر منافس لمصالح الغلبة الرأسمالية، أو مقاوم لهيمنتها المطلقة. فكلما تضاعفت ثروات الغرب، وحصل المزيد من أسباب العيش الرغيد والرفاهية السهلة، ازدادت هواجس الفرقة مع الآخر، واحتاج الأمر إلى اختراع نموذج العدو المهدد، ومن ثم الانخراط في تحشيد عوامل الحروب الاستباقية واختلاق ظروفها الإقليمية أو الدولية.

الواعون في الغرب الأوروبي على الأقل يستثنون عقولهم من الانسياق في حمى الشعوذات الأيديولوجية المتجددة. يحاولون ما أمكنهم أن يطهروا ألسنتهم من ترداد معاجم الأفكار والألفاظ المشبعة باتهامات الآخر، المندفعة إلى إطلاق التعميمات السلبية المتسرعة والمغلوطة. قد يميز بعضهم بين إسلامين، أصولي وحداثوي، كأنهم بذلك يسمحون بإدانة الأول، تبرئةً للثاني، لذلك الاسلام الحداثوي الذي لم تحدد معالمه بعد. وإن كان إطلاق عنوانه قد يساعد على تنمية نصوصه. إنه إسلام الغرب الذي قد تصيبه عدوى الديمقراطية التي يعيش بين ظهرانيها ويتحول إلى قدوة لاسلام الشرق فيما بعد.

تلك هي رهانات مدنية حقاً، لكن كيف لها، وإلى متى يمكنها أن تسابق مشاريع الأمركة والصهينة وحروبها العاجلة وليست الآجلة، والاستيلاء على القرن الواحد والعشرين!

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018