فتنة التمذهب آخر تحديات الأمركة لثقافة المقاومة العربية/ مطاع صفدي

أقوى ما يدمر أية نهضة هو عجزها، أو تعجيزها عن إنتاج إمكانيات الدفاع المادي، والعسكري تحديداً، عن مجرد وجود مجتمعها نفسه. وكان هذا التعجيز هو المحور المركزي لكل استراتيجيات الغرب في غزواته المتواصلة، سلماً أو حرباً، للقارة العربية الاسلامية من مغربها إلى أقصى مشرقها حتي العمق الآسيوي. فأية نهضة لأمة أو مجتمع لا يمكنها أن تنشغل باهتمامات البناء الذاتي وهي في حال الافتقار إلى حد أدنى من شروط الأمن والسلامة العامة.

ولقد استغرقت النهضة العربية الثانية، حتى لا نرجع إلى سابقاتها منذ أواسط القرن التاسع عشر، في معاناة ذلك العسر الكياني والمادي، عبر التخبط بين انقلابات الداخل وحروب الحدود مع العدو الاسرائيلي المفروض على جغرافية الوطن ومستقبله. كان المطلوب هو إنتاج نهضة مسلحة منذ لحظات الاستقلال الوطني الأولي. وما تعنيه النهضة المسلحة هو الاحتياز على إمكانيات البناء الحضاري، مصحوبةً دائماً بدروع الوقاية ضد أخطار الإبادة المستوطنة في ضواحيها الجغرافية، والمتغلغلة نظائرها في طوايا نسيجها الاجتماعي المتوارث.

تلك المعادلة الصعبة، غير المستحيلة تقريباً في معظم تجارب التاريخ، كانت تشكل مخيال الجيل النهضوي، لكن دون قدرة حقيقية على تطبيقها في صيرورة الواقع العام الخارج غالباً عن إرادوية وطنية، كانت هي كذلك أسيرة لإيقاع الأمل والإحباط، ملتبسة الأهداف والوسائل ما بين النخب القيادية المتعاقبة على حكم الأقطار الرئيسية. مع العلم أن أغلبها لم تكن نخباً حقيقية، صاعدة إلي مراكزها الأولي بفضل مؤهلاتها الذاتية، أو وفق قوانين المنافسة والاصطفاء الديمقراطية، كانت النهضة بدون نهضويين، وثوراتها الافتراضية بدون ثوريين، وفي مواقع القرار خاصة.

بالرغم من أن الإيديولوجيا الانقلابية المسيطرة على ثقافة النهضة إجمالاً، كانت تعتمد أساساً في تحريضها وتعبئتها لجماهيرها، على جعل الأهداف الدفاعية تأتي في قمة المبررات لعسكرة النهضة، لدمغ كل عامل من عواملها الموضوعية بعلامات الثورة ورموزها الشعبوية. إلا أن كل ذلك التحشيد الانفعالي والمادوي اليومي، لم يكن لينفع في قلب عسكرة النهضة داخلياً إلى قوة دفاعية خارجية. لكنه نجح في توليد نظام القمع الأمني الموجه إلى شعبه أولاً. أي أن عسكرة النهضة التي لم تحقق صموداً في أية منازله مع العدو الفعلي، عوضت عن هزائمها التاريخية المدوية، بتخليق عدوانية الداخل ضد بعضه. فحلت الدولة الأمنية تعبيراً عن إجهاض دولة الدفاع الوطني. وبالتالي فإن أكثر ما يخيف الدولة الأمنية هو تذكيرها بالأصل الذي انحدرت هي منه ثم انقضت عليه ماحية كلّ معالمه ومآثرها المغدورة.

لذلك، فإنه مع المفاجأة التي شكلها صمود المقاومة اللبنانية وإفشاله لأخطر حرب شبه نووية شنت على شعبها، أصيب نموذج الدولة الأمنية الذي ينتمي إليه نظام الحكم العربي عامة، بحالة ارتباك بنيوية صاعقة فأوقعت دُوله في مواقف مترددة متعارضة إزاء العدوان الاسرائيلي الرهيب ومقاومته الناجحة في وقت واحد، إلى تلك الدرجة التي دفعت ببعضها، وبأكبرها للأسف، إلي الاصطفاف الموضوعي مع العدو الاسرائيلي. وكانت حجتها المتهافتة أصلاً هو الخوف المذهبي من تشييع المقاومة، الذي قد يصبّ في مصلحة (الهلال الشيعي) المؤلف من إيران واختراقاتها الكبيرة في العراق، وصولاً إلي سورية والآن إلي لبنان. في حين أن الانجاز (القومي) الذي حققته المقاومة قد يأتي بأول درع واقية ضد المذهبية وتفشيها المتنامي. فالجمهور العربي والاسلامي في كافة ألوانه العقائدية تبنى الإنجاز اللبناني كما لو كان هو صاحبه، متأملاً بالفرص الممنوعة عليه، فيما لو أتيح لفصائله أن تعد الاعداد الحقيقي والملائم للمواجهة التاريخية الشاملة مع عدو (الأمة) الوجودي.

لكن لا تفترض المواجهة الشاملة هذه على الأقل أكثر من قدرة العرب على استرداد استقلالهم الحقيقي الذي تتضاءل رموزه الحية والإيجابية يوماً بعد يوم في مختلف أقطارهم. إن استرداد الاستقلال أضحى له مدخل محلي أول وهو وضع حد لانفصال الطبقة الحاكمة عن هموم شعوبها، والإمعان في سرقة المال العام، والاستتباع المضطرد للإرادة الأمريكية. ذلك أن كل العنف الأمريكي، في المرحلة الراهنة، ينصب على ما تبقي من عوامل الاستقلال العربي ورموزه المؤثرة.

لم تعد الحرب الاجتياحية هي الأداة المفضلة وحدها في استراتيجية الاستيلاء على قارة العرب والاسلام، وقد عادت تجاربها المرة علي أمريكا بأفدح الخسائر البشرية والمادية، ولوثت قناعها الأكبر، الديمقراطية، بكل أضدادها. وفاقمت من عزلتها الأخلاقية على الأقل بين أندادها من الدول المتقدمة. وعندما أوكلت حربها الأخيرة على لبنان إلى عميلتها المحلية إسرائيل لم يكن كبار جهابذتها الاستراتيجيين يتوقعون، ولو في أضغاث أحلامهم، أن حزباً صغيراً سوف يوقع بأمريكا وإسرائيل معاً أقصى فضيحة عسكرية واعتبارية، تنال من صنم الصّلف الأعمى القاتل الذي تتعبدانه معاً، وتريقان على جلموده الأصمّ دماء الشعوب المستضعفة، بلا حساب ولا عقاب من أحد.

نقول لم تعد الحرب وحدها هي الوسيلة الأنجع بيد الجلادين المصرّين على جعل كل آخر هو بمثابة أحد الضحايا المنتظرة. فإن تفجير اقتتالات فئوية فيما بين أقوام الضحايا أنفسهم، هو المستوى الثاني الفعال في تدمير الاستقلال الوطني من وراء خطوطه، وبيد مكوناته الطبيعية عينها. فإن إشعال مسلسل الفتن الداخلية هو الفن الاستراتيجي الآخر المساعد والمكمل لفن الحرب الوقائية. وحيثما يمكن لهذه الحرب أن تؤجل التوقيت، في تنفيذ إحدي حلقاتها، بسبب التعثر في جني ثمارها السياسية أو الاقتصادية كما في العراق، أو الفشل العسكري المزري كما في الحرب الأمريكية الاسرائيلية الأخيرة على لبنان، فإنه يتبقي اللجوء إلى فن إدارة الفتن المذهبية كأمضي سلاح داخلي وذاتي في التعويض عن انهزام الحربين معاً في هذين البلدين.

وفي هذه المرحلة الانعطافية من الهجمة الأمريكية المتمادية، غير المعترفة بأية خيبات بنيوية مهما اتضحت براهينها الواقعية على الأرض. يغدو التصميم على تفعيل الفتن المذهبية خاصة، وشق الاسلام العربي والآسيوي إلى جناحيه السني والشيعي، بتنشيط كل عوامل التمايز الثانوية بينهما، ورفعها إلى أعلى درجات التفرقة العضوية بحيث لا يعود لأي قطب بينهما، أية قدرة على تحمل القطب الآخر، يغدو هذا التصميم بالغاً أشده اليوم وغداً، في الساحتين العراقية واللبنانية. غير أنه، وما لم يكن في حسبان هذه الاستراتيجية القذرة، هو أن يحل النصرُ المقاوم اللبناني فجأة، فتكون من أولى تداعياته ليس على قطره الصغير وحده، ولكن في شمول الساحة الاقليمية كلها، هو أن النصر المقاوم يشرع في إعادة تعزيز اللحمة العضوية التاريخية بين جناحي الاسلام. فيبثّ فيه دماً جديداً مع انبعاث شعوره أولاً بتلك الكرامة الإنسانية التي كاد أن يفتقدها طيلة عصر من الخيبات الوطنية والقومية المذلة.

ما كان يحلم به العقل الاستراتيجي الأمريكي المتصهين هو أن يستيقظ ذات صباح ليرى مشاهد المجازر الجماعية المتبادلة تغطي مساحة العراق ولبنان وسورية من بعدهما. هذا الحلم المريع لن يتخلى أصحابه عنه، وإن كان الانجاز المقاوم في لبنان قد فتح ثغرة كبيرة في جداره الأصم. بالمقابل لا بد للوعي العربي والاسلامي أن يصارح نفسه، ويواجه المذهبية على أنها أحد أكبر أعدائه الداخليين في عقر داره ونسيج تكوينه. فقد أمست الاشكالية الأخطر، المساعدة في تحقيق مشروع الوطن كأرض محروقة من أقصاها إلى أقصاها تحت عنوان الشرق الأوسط الجديد.

إنها جغرافية تفتيت التفتيت اللامحدود التي تتصدى لجغرافية الآمال التوحيدية الموشكة جميعها على الانهيار. لولا أن المقاومة قد أعطت عبر إنجازها اللبناني الفريد، أحد أهم ترميز كياني عما يعنيه الاقتدار الشعبي المكبوت، فيما لو أتيح له أن يكتسب بعض الحرية، لكي يبدع تلك المعادلة التاريخية بين علمية التخطيط إلى جانب فعالية التنظيم، والتحشيد الجماهيري الواعي، كل ذلك تحت طائلة ذلك الالتزام العالي بشجاعة التضحية الذكية والعادلة.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018