فلسطين ليست لكم وحدكم../ د.سليم الحص

أيّها الفلسطينيون:
أنتُم الذين كُنّا نعتزّ بكم ونُفاخر أمام العالم أجمع، فنقول: هذا الشعب الصغير، بإمكاناته المادية الهزيلة، لا بل شبه المعدومة، صمد في مقاومة أعتى قوّة في الشرق الأوسط على امتداد أكثر من نصف قرن، فلم يستسلم، لم يرفع الراية البيضاء، بل ما زال يُقاوِم بأظافره غاصِب حقّه وأرضه الذي يمتلك قوّة عسكرية لا تُبارى، تغلّبت على الجيوش العربية النظامية مجتمعة ومتفرّقة في جميع الحروب التي سجّلها تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي. وتنعم هذه القوّة العسكرية المتفوّقة بدعم لا محدود من الدولة العظمى في كل مجال وعلى كل مستوى، مادياً وعسكريا، سياسياً ودبلوماسياً وإعلاميا.

أنتم أيها الفلسطينيون ذاك الشعب العظيم الذي أثبت للعالم أن شعباً صغيراً وضعيفاً قادر على التصدّي لأعتى قوى الظلم في العالم، فبقي صوته مدوياً في الذود عن حقّوقه العادلة في وجه مَن يتسلّحون بأحدث ما توصّلت إليه تكنولوجيا الحرب المتطوّرة من أدوات الفتك والتدمير، لا بل ويختزنون أسلحة الدمار الشامل الماحقة على أشكالها. لقد أثبتتم أنّ قضيّتكم العادلة لن تموت ما دامت محصّنة بقوّة الحقّ وقوّة الشرعية، الشعبية والدولية، وقوّة الوحدة الوطنية متمثّلة بإرادة شعبية موحّدة.

ومنذ هبوب رياح الفتنَة في العراق في ظل الاحتلال الأميركي وبفعله، ونحن نناشد الشعب العراقي التأسّي بكم، أيها الفلسطينيون، وأنتُم نِعم القدوة في التصدّي للعدوان الغاشم، مهما تمادى، بسلاح التصميم والإرادة والاستعداد للتضحية بلا حدود.

فما بالنا نراكُم اليوم تُبدِّدون هذا الرصيد العظيم إذ تتناسون قوّة الحقّ في قضيتكم وتتخلّون عن دِرعكم الأمنع وهو قوّة الوحدة الوطنية، قوّة الإرادة الوطنية الموحّدة.

نحن في الوطن العربي، من أقصاه إلى أقصاه، نشعُر بالذنب الجسيم حيالكم. كان ينبغي أن نقدّم لكم أكثر من مُجرّد التأييد اللفظي. كان يجب أن نُعايِشكم همّكُم، الذي هو همّنا، يوميا.
بعضنا خاض مُعترك الجهاد والنضال. فكان من هؤلاء مَن استشهد على أرض فلسطين، ومنهم مَن لم يزل في غياهب الأسر في المعتقلات الصهيونية، ومنهم مَن لم يُقتّر في البذل والعطاء. ولكن كل هذا لم يكن كافيا، قياساً إلى ما قدّمتُم وتُقدِّمون من تضحيات، وقياساً إلى ما يتطلّبه صَون المصير القومي من بذل وعطاء. قصّرنا في حقّ قضية فلسطين، مع التسليم بأنّها قضيّة العرب المركزية.

كان من آيات تقصيرنا أن سمحت الجماهير لحكّامها التنكّر لقضية العرب المركزية: فخرجت مصر عن الصفّ في كامب دايفيد، وخرج الأردن عن الصفّ في وادي عربة. وانفتحت بعض الأنظمة العربية على التعاطي مع العدو المشترك مباشرة أحياناً ومواربةً أحياناً أخرى. وأعلن حكّام الطّوق، في دول المواجهة، استعدادهم للتسوِية غير العادلة في ظل خللٍ فادح في ميزان القوى: فكانت المبادرة العربية التي أعلنتها قمّة بيروت العربية عام ,2002 وكانت خريطة الطريق التي تبنّتها الرُباعية الدولية (أميركا وروسيا وأوروبا والأمم المتحدة)، وكان تسابُق على تبنّي المشروعين، ويا للغرابة، بلسان المسؤولين العرب، فكان إعلان متكرّر من رئيس السلطة الفلسطينية السيد محمود عباس أعرب فيه عن استعداده للتفاوض وبالتالي للتوقيع، وكذلك فعل الرئيس السوري الدكتور بشّار الأسد غير مرّة. وفي لبنان شبه إجماع على أنّه سيكون آخر وليس أوّل من يوقِّع على تسوية مع العدو، والمفهوم أنّ ذلك يعني استعداد لبنان للتوقيع بعد ساعات من توقيع سوريا.

وقصّرنا في حقّ قضية العرب المركزية شعبياً، إذ استرخى الشعب العربي في كل مكان واستكان، فلم نعد نشهد تظاهرات عارمة كالتي كان يغصّ بها الشارع العربي في الخمسينيات والستينيات من القرن العشرين، ولم نَعد نسمع صيحات الدعم المدويّة من حناجر المواطنين العرب الطيِّبين. فمن باب الاعتذار من دون اقتناع منّا بعذر مشروع... ومن باب التفسير وليس التبرير... يجب أن نتفهَّم الواقع الرّديء الذي أوصل الحكام العرب شعوبهم إليه: فكان قمع للحريات العامّة ومنها حريّة الرأي وحرية التعبير، وكان أن انشغل الإنسان العربي بمشكلته عن قضيّته. نحن نردّد القول، مصداقاً لحقيقة أنّ الإنسان إن واجه مشكلة وقضيّة غلبت المشكلة في نفسه على القضيّة: لا تَسلْ أُمّا تبحث عن قوت لطفلها الجائع كيف تحرر القدس. فجوابها سيكون: هاتِ قُوتاً لطفلي.

وكان آخر الشواهد على التخلّي العربي الرسمي عن القضيّة، وربما أخطر تلك الشواهد، تقاعس الحكومات العربية، ولا سيما القادرة منها مادياً، عن نجدة السلطة الفلسطينية بالإمداد المالي للوفاء بما يتوجّب عليها من مستحقّات الأجور والرواتب لموظّفي السلطة وأجرائها، وكان ذلك رضوخاً مُعيباً فاضحاً لإرادة الدولة العظمى أميركا التي أعلنت محاصرتها السلطة المنتخبة التي انبثقت من انتخابات شهد العالم أجمع بنزاهتها وشفافيتها وسلامتها، وكان ذلك بدعوى أنّ الفريق الفائز، <حماس>، إرهابي. فما سمعنا ردّاً عربياً يردّ تهمة الإرهاب إلى نحر الدولة العظمى والدولة العبرية الغاصبة بما تمارسانه من فظائع في فلسطين والعراق وأفغانستان لا حدود لها.
هذا الحصار الأميركي الجائر، مشفوعاً بتخاذُل عربي فاجِر، كان من شأنه إطلاق موجة من التجويع تُنذر بثورة الجيّاع في وجه السلطة المُنتخبة، ولمّا كانت الشدّة تُولِّد التنافر والتناحر بين أبناء المجتمع الواحد، فإنّنا نجد أنفسنا اليوم أمام مشهد أَليم فاجع: مشهد التنازُع والصراع على السلطة بين أكبر حركتي مقاومة في فلسطين، هما حركة <حماس> وحركة <فتح>.

لا يسعنا أمام هذا المشهد المروّع إلاّ أن نستحضر عناصر القوّة التي قامت عليها قضيّة فلسطين، وهي قوّة الحقّ وقوّة الشرعية وقوّة الوحدة الوطنية. أمام مشهد التفكُّك الذي يُسيطر على الساحة الفلسطينية نُسجِّل بأَلم بالغ : من جهة، أنّ قوّة الحقّ تتبدّد تحت ضغط الحاجة والجوع، فالمشكلة مرشّحة لأن تتغلّب على القضيّة. ومن جهة ثانية، إنّ قوّة الشرعية مهدّدة بانفراط عقد الشعب من حول القضيّة.

فأخشى ما نخشاه أن يؤول تلاشي الشرعية الشعبية إلى سحب بساط الشرعية الدولية من تحت أقدام أصحاب القضيّة. هناك من يتحيّن هذه السانحة. وهذه فرصة لن تفوِّتها الدولة العبرية الغاصبة ومعها الدولة العظمى. ومن جهة ثالثة، أنّ قوّة الوحدة الوطنية، والتي تتجلّى في وحدة الإرادة بين أصحاب القضيّة، مُهدّدة بأن تَغدو سرابا. فإلى أين المصير؟

أيّها الأخوة في فلسطين: ليس من حقّكم أن تهدروا الرصيد التاريخي العظيم الذي بنيتُموه بالعرق والدم، أو أن تبدِّدوا الآمال العِراض المُعلّقَة عليكم من أمّتكم في صون المصير القومي.

ليس من حقّكم أن تتناحروا على السلطة بعد ما كُنتُم تتنافسون على شرف المقاومة والجهاد. لا كان حكم ولا كانت سلطة إذا كان الثمن فتنَة بين أبناء الشعب الواحد.
ليس من حقّكم أن تدعوا رصاصة واحدة تُوجّه من فلسطيني إلى فلسطيني آخر في حال من الأحوال. هل ضاعت البوصلة فلم نَعد نعرِف العدو من الشقيق؟

العدو ما زال هو هو: وقد ذكّركم بنفسه في قصف شاطئ غزّة منذ أيام، فلم يتورّع عن إبادة عائلة بكاملها فقتل الأطفال والنساء والشيوخ. ثم أَتبع ذلك بمجزرة مماثلة بعد يومين غير هياب ولا وجل. إنّكم في انقساماتكم تُشجِّعونه على المضي قُدماً في غَيّه وجرائمه المتمادية.

فلسطين ليست لكُم وحدكم. أَنتُم أصحاب الحقّ والأرض بلا مُنازع. ولكن باللَّه عليكم لا تنسوا أنّ لكم شريكاً أصيلاً في قلب كل عربي، من أقصى المغرب إلى أقصى المشرق، من المحيط إلى الخليج. فالعرب جميعاً شركاؤكُم في الهمّ والحقّ والمصير.

فلسطين ليست لَكم وحدكم. إنّها لكم وللأمّة العربية جمعاء على السواء. مصير فلسطين الوطني ومصير العرب القومي صِنوان، لا فصام بينهما.

عودوا إلى رشدكم بالإشاحة عن منطق الصراع على السلطة، والاحتكام إلى منطق المقاومة والجهاد.


"السفير"

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018